رائحة المردقوش مع الشاى تلف المكان وأغاني فيروز تتوالي واحدة بعد الأخرى برغم صوتها العالي لا تفلح الأ في منحنا المزيد من لذة التشبت بدفء أسرتنا ..
أبي لا تمنعه المطر من الخروج باكرا كعادنه كل جمعة لجلب السفنز الشهي...يخلع حذاءه الشتوى أمام باب المطبخ.. تستقبله أمي وتأخذ عنه معطفه المبلل ..وتسأله هل هناك قوس قزح في السماء..؟
فيجيبها متسائلا لماذا؟...تضحك وتقول ..هذا ما سيجعلنا نستيقظ من دفئنا ..ونخرج مسرعين للجنان حتي نراه لأننا كنا نصدق رواية جدتي التي تقول" إن من يرى قوس قزح ويتمنى أمنية.. تتحقق"
بداية الشهر الثاني من السنة كان البيت كله يتعاون في تقليم أغصان عرائش البيت الكثيرة جدا..وننتظراكتمال نمو أوراقها في الشهر الخامس حتى نقطفها بعناية لجدتي التي كانت تشتهر بأعدادها لطبق البراك الدرناوي اللذيذ..
في بداية الربيع أيضا كنا نقطف الزهر من أشجار الليمون الشفشى الذي كان تقديم القليل منه للجارات يكفل لنا أجمل الهدايا التي نحبها منهن.
السهر في الجنان مع الأقارب والاصدقاء ومسابقات الغناء و الرسم بالنجوم التي كنا نبدع فيها جميعا...اللعب بالمياة أثناء سقينا للجنان ...الجري وراء الفراشات .مراقبتنا للضفادع ...تسابقنا نحو شجرة التين كل صباح لتناول ما أنضجته هذه الشجرة قبل الأخرين ....طردنا لعصافيرمن العرائش ..وتفننا في صنع أقبح خيال مآتة لفزاعها....حكايات جدتي أمام المدفأة في ليالي الشتاء ورائحة الحطب تنشر الدفء والخيال..رحلات الصيد الشتوية وبحثنا الحثيث أثناءها نحن الأطفال عن الفقاع...رحلات الربيع وجني القمول ومسابقات أعداد الباقات والأكاليل..رحلات البحر والغطس في اعماقه للأستمتاع بمشاهده المخبأة صيفا..تأمل جمال لوحات الغيم والسحاب في الخريف.
وصورا لاتنتهي في الذاكرة لهذا الفضاء الكبير الذي نعيش فيه...تداعت كلها وأنا أتأمل أولادى وأولاد أخواتي في شقة والدي الذى ترك بيتنا الكبير بعد أن خلا منا وعجزت أمي التي تقدمت الآن في السن من القيام بمتطلباته..كان جزءا منهم ينحشر أمام التلفاز والجزء الآخر أمام الكومبيوتر أفقهم هذه الشاشات الجامدة مهما أمتلأت.الا تغنيهم عن التعاطي مع الطبيعة من حولهم...تأملها ..مراقبتها ..تذوق نكهتها ...الأستمتاع بعطاياها الكثيرة ..والتي في قمة محاكاتها..تمنحهم مستوى راقيا من التعاطي الجمالي..وتربطهم بعمق مع تفاصيل تراب وسماء وغيم وشجر هذا الوطن.
يعيشون بين جدران أربعة .. نوافذهم شاشات أكلت وقتهم لا يعرفون المواسم ولا أسماء النجوم ولا أنواع الشجر ولا هدوء الطبيعة ومتعة النصات لصمتها وهديرها ولا يميزون بين روائح لنباتاتها... ضجيج ألالعاب الألكترونية مع ضجيج التلفاز شلت حواسهم واختصرتها لأثنين فقط..الدراسات تقول سيقل في الأجيال القادمة عدد الفنانين والمبدعين والشعراء لأن الأفق أمامها محدود ..تزداد في أنحاء العالم المباني الأسمنتية ويضيق المدي أمام أبصارهم من جهة ومن جهة أخرى جري الأهالي وراء لقمة العيش تزداد ساعاته بأستمرار وما يتبقى من وقتهم يجعلهم يستسهلون تسليم أبنائهم للجدران ولهاتين الشاشتين حتى يدمنون عليها ..وبالتالي يفقدون أحساسهم بما حولهم .حتي في الإجازات يفضل أولياء أمورهم النوم والاسترخاء في البيت عن التفكير في الإعداد لأى رحلات خارجه..أوالألتقاء بالأهل أو الأصدقاء كل ذلك يعزز مع الوقت فقدان الأجيال القادمة لمتعة تذوق الحياة الحقيقية ..بدل أن يتفاعلوا معها ..يكتفون بمشاهدتها على الشاشات حتى الخيال يقدم لهم جاهزا فيها
بقدرما تعطيهم هذه الشاشات من معلومات بقدر ما تعطل حواسهم ..إنهم يستقبلون فقط ...فكيف يمكن لهم أن يعيدوا انتاج ذواتهم وينضجون بشكل متوازن دون أن يختبروا تعاطي حواسهم كاملة مع الطبيعة ؟...مع الحياة .. إنهم لا يعرفون ملامستها ..ولا رائحتها ...ولا مذاقها.. وفي النهاية للأسف لايعرفون السبيل لسر المتعة بها
إنها ليست دعوة لنبذ التقنية بقدر ما هي دعوة لتفعيل الحواس كلها بالتوازن مع مستجدات العصر الهامة حتي يكون الآتي أغنى وأجمل وأنضج من الذي فات .