علياء الدرناوي
تتمتع ليبيا بكمٍّ هائل من المخزون التخيلي المغذي لأدبٍ راقٍ وجميل وذي مكانة .فتعدد البيئات الاجتماعية وعمق وكم التاريخ النضالي للشعب الليبي والمدعوم بالقصص والحكايا الشعبية والشعر الشعبي منذ أوائل القرن العشرين ، ناهيك عن الخيال الخصب الذي يدل عليه الأدب الشفهي في ليبيا والمكتوب أيضاً ، كل هذا صنع منجماً هائلاً من المخيلات التي لو تم العمل عليها لأنتجت روائع تلو الأخرى ، ويؤسفنا كقراء أن نشاهد تقلصاً في استغلال الأرضية المحفزة على الإبداع في البيئة الليبية ، رغم وجود كتاب وأدباء مهمين وأصحاب نتاجٍ إبداعي ثري وحقيقي في مختلف مجالات الأدب من شعر وقصة ورواية ، وهناك عديد الأسباب التي نحيل إليها سبب عدم الاستغلال الحقيقي لهذا المنجم ، ولعل من أهم الأسباب هو ضعف صناعة الكتاب في ليبيا ، الذي يؤدي إلى تراجع الأديب خطوات عدة في انطلاقته الإبداعية ، فمؤسسات صناعة الكتاب اختفت وحل محلها مجموعة محاولات تمثل في مجملها قمماً صغيرة ومتباعدة على الخط البياني لتتبع هذه الصناعة . وأصبح المبدع يلهث وراء طباعة ما أو نشرٍ لما لكتبه وهذا بدوره يؤدي إلى تردده ووأده للعديد من الأفكار التي لو انطلقت لحسبنا أن صدىً إيجابياً سيصيبها. لكنن نود التعريج إلى ظاهرة أخرى ساهمت في تراجع العطاء الثقافي المتمثل في صناعة الكتاب ، وهو عدم اهتمام القراء أصلاً داخل وخارج ليبيا بالمنتوج الموجود ولو كان ضعيفاً وذلك بسبب ظهور الإنترنت كوسيلة اتصال وإيصال ، وأصبح الإنترنت صخرة عالية للصراخ وإبراز الفردانية بل وتضخمها بالردىء من النتاج ، بل أن هذه الصخرة عملت على تغطية القامات العالية للأدب في ليبيا بشكلٍ مقيتٍ وتعسفيّ ، لا لشئ إلا لأن روح النرجسية قد غطت على متسخدمي النت من الكتاب والمبدعين ونخص منهم الشباب الذين نسوا أن هناك تتابعاً وتسلسلاً تاريخياً ومنطقياً عليهم انتهاجه عند التعريف بأدبهم ، والذي هو مجرد براعم على أطراف دوحة الأدب في ليبيا ، ونرى ذلك من خلال مواقع تدعي التعريف بالأدب في ليبيا وهي لاتقدم أسماءً إلا أسماء الأصحاب وندامى المجالس الخلفية ، والذين لايروا إلا أنفسهم ، بشكلٍ يسئ لأدباء ليبيا الآخرين في وقتٍ يستند فيه القراء والنقاد من أطراف العالم على الإنترنت كسوقٍ للمعلومات ومصدرٍ لها ، فكم قدم هؤلاء صالح قادربوه كشاعر ليبيا الأول والأهم وخلود الفلاح كاسمٍ يتيم للشعر في ليبيا ، ومحمد العمامي كقاص لا قبله ولا بعده والأدهى قدموا محمد الأصفر كروائي وحيد وخطير على ساحة الأدب في ليبيا ، وللأسف بات الآخرون لا يعرفون من الرواية الليبية المعاصرة غير محمد الأصفر الذي تثار حول كتاباته تساؤلات الجدوى من عدمها، كيف يمكن أن يغطي الأصفر على أحمد إبراهيم الفقيه وعلى إبراهيم الكوني وعلى خليفة حسين مصطفى و.. و... و... ولو افترضنا جدلاً أن محمد الأصفر لديه إصدارات روائية عدة لرأينا ان هذه الإصدارات هي بمثابة هدرزة أي مجرد كلام بلا ضوابط فنية تحكمه فلا خطوط درامية في رواياته ولا أحداث ذات بال وأهمية ولا عقد قصصية ولا شخوص ذات تأثير ولا بناء روائي واضح ، إنها مجرد ثرثرة وغثاء ولا تشكل إضافة للأدب ، والأدهى إنها تسئ للعمل الروائي بكامله في ليبيا ، إن نشر روايات الأصفر على الإنترنت يطرح أمام متتبعي الأدب نموذجاً مسخاً ومشوهاً للعمل الروائي الليبي ، وأنا كمتتبعة وقارئة نهمة للأعمال الإبداعية الليبية أطالب بإخضاع أعمال الأصفر إلى عمليات النقد الجاد وليس النقد المحابي الذي تمتعت به من قبل ثلة من المطبلين لأنفسهم ، وأطالب أيضاً بالتعريف بالأعمال الليبية وكتابها الحقيقيين في كل الوسائل المتاحة لتصل الحقيقة بيضاء إلى القراء والنقاد في العالم ، وإلا تعرضت الرواية الليبية للاصفرار أبداً.
Aleaa-dr@maktoob.com