محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تأملات (1)
عن منبرالجمعة والخطاب الإنفصالي
عبد الله علي صبري
معروف تاريخيا الدور الكبير الذي لعبه المسجد في الدعوة الإسلامية ، فقد كان مسجد الرسول الكريم في المدينة المنورة أهم مركز للتغيير عرفته البشرية، ففيه ومنه تخرج الرواد الأوائل من مهاجرين وأنصار ، وانطلقوا بالرسالة والفتح على ربوع المعمورة .
وفي هذا المسجد كان للرسول ( ص) منبر لللخطابة التي لم تكن تقتصر على خطبة الجمعة فحسب . واللافت أن المدونين الذين نقلوا إلينا كل صغيرة وكبيرة من أقوال وأفعال الرسول الكريم ، لم ينقلوا الخطب التي كان يلقيها في صلاة الجمعة .
ورجح عدد من المؤرخين أن هذه الخطب قد تعرضت للإهمال عن عمد لأن مضامينها كانت ذات طابع سياسي يتمحور حول حقوق المحكومين وواجبات الحاكم ، الأمر الذي رأى فيه الولاة من بني أمية وآل العباس خطرا على عروشهم ، باعتبار أن مضامين هذه الخطب قد تؤدي إلى تعزيز حجج القوى المعارضة والخارجين عليهم.
وأياً يكن الأمر ، فإن تسييس خطبة الجمعة حدث مبكرا ، وتحديدا في زمن الحكم الأموي ، حيث كان الخطباء دائبون في شتم الإمام علي كرم الله وجهه وسب آل بيت رسول الله(ص)قبل أن يوقف الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تلك المهزلة، في خطوة تصحيحية كانت الأولى من نوعها .
ورغما من ذلك استمر الحكام والولاة في استخدام خطبة الجمعة سياسيا , وكان العامة يتعرفون على الخلفاء والسلاطين الجدد من خلال دعاء ( الخطيب) لهذا الخليفة أو لذلك السلطان.
***
هذا لايعني أن رسالة المسجد كانت في خدمة الساسة والحكام على الدوام، فقد مرت بالأمة الإسلامية ظروف حرجة كثيرة ، كان للمساجد والعلماء دور كبير في مواجهتها وتهيئة الأمة لجهاد الأعداء والتصدي لهم...وفي القرن العشرين ، فإن الثورة العربية ضد الإستعمار إنما قادتها شخصيات علمائية ، أضحت رموزا عربية إسلامية جامعة، منهم على سبيل المثال: عبد القادر الجزائري ، عمر المختار ، أمين الحسيني ، وغيرهم.
وتواصل هذا الدور ، وتعاظم أثره منذ سبعينيات القرن الماضي حيث بدأ انحسار الخطاب القومي والعلماني مقابل الحضور المتزايد للخطاب الإسلامي.
ومما لاشك فيه أن المساجد وخطبة الجمعة لعبت دورا كبيرا في هذا الجانب ، إلى درجة أن الجزائر التي تعرضت لسياسة تغريبية شاملة ، سرعان ما استعاد الخطاب الديني بريقه فيها ، حتى أضحى الإسلاميون بمختلف أطيافهم الأكثر شعبية وجماهيرية ، وكادوا بالفعل أن يصلوا إلى السلطة عام 1990 ، لولا تدخل الجيش والقوى الخارجية.
وكما أدى المسجد هذا الدور التعبوي، فإنه من جهة أخرى ساهم في إذكاء الإنقسامات والعداوات التاريخية من خلال الصراع السياسي والمذهبي على المساجد .
وما حدث يحدث في بلادنا ليس بمعزل عن هذا الصراع ، الذي ازداد اشتعالا إثر انتشار الحركة الوهابية بما تملكه من إمكانيات مالية ضخمة دخلت كعنصر جديد في الصراع على المساجد والمراكز الدينية.
وعندما تنبهت الحكومة اليمنية إلى خطر ( الأصولية الدينية) خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، عمدت إلى إجراءات وقائية باتجاه إصلاح الخطاب الديني بالتركيز على مصطلح (طاعة ولي الأمر) والتعامل معه كرديف للإعتدال والوسطية. ولكي يسهل على الحكومة الترويج لمفهوم الطاعة ، استعانت وزارة الأوقاف والإرشاد بخطباء من الأزهر .. يحدث هذا في الوقت الذي تستقطب دول الخليج الفائض اليمني من الخطباء وأئمة المساجد!
***
وبعيدا عن إشكالية تسييس الخطاب الديني أو تمذهبه، فإن كثيرا من خطب الجمعة التي نستمع إليها أسبوعيا ، تأتي خارج سياقات الزمان والمكان ، في كلام مجرد عن الواقع ومنفصل عنه .. ويتصدى لهذا النوع من الخطابة وعاظ تقليديون يستمدون معارفهم من خطب قديمة صيغت في زمن الانحطاط، فكأنما الخطبة تناقش قضايا غابرة لا صلة لها بالحاضر أو المستقبل.
وإلى جانب هذا النوع من الخطابة , هناك خطباء مجيدون من الناحية الأسلوبية ، لكنك تفاجأ عندما تجد أن هذا الخطيب أوذاك يأتي بخطبة استمع إليها وحفظها من ( كاسيت ) لخطيب آخر ، تتحدث خطبته عن واقع مغاير للواقع اليمني المعاش.
ولذلك فإني استغرب عندما يتصدى منبر الجمعة لمايعرف بتبرج المرأة مثلا ، ونحن مجتمع محافظ مايزال خروج المرأة فيه محدودا، وهوخروج ملتزم بالإحتشام المطلوب دينيا.
هذا الخطاب الإنفصالي يكاد أيضا يحشرنا في أزمات عامة بسبب تفاعله السريع مع الصخب الجمعي هنا أو هناك دونما تبصر لخفايا الأمور أو إدراك لحقائقها.. فما يحدث في العراق من فتنة مذهبية ، كادت تكرر نفسها في اليمن وغيرها من خلال الخطاب التحريضي ضد الرافضة والشيعة وهلم جرا.
كذلك فإن الخطاب الإنفصالي يتسم في العادة بالتهرب عن طرق مشكلات الناس ، وماله صلة بالشأن السياسي ، فهو حصيف وخجول عندما يتعلق الأمر بالتصدي للظلم والفساد وإمتهان حقوق الإنسان. وهو لا يجد مسؤؤلا عن كل هذه المشكلات سوى جموع المصلين المقصرين في العبادة والطاعة .
وعندما يحتد هذا النوع من الخطباء ، نجدهم يتجهون صوب الآخر في أدعية على اليهود والنصارى والمشركين ، بالهلاك والإبادة لهم ولنسائهم وأطفالهم.
ونحن نعرف أن الرسول الكريم ماكان يدعو على المشركين ، بل كان يدعو لهم بالهداية دوما . بل إن البعض ممن يدعون بالموت لأمريكا والأمريكيين يتناسون أن بينهم مايقارب ثمانية مليون مسلم , عوضا عن ملايين آخرين من المناهضين للسياسات العدوانية واللإنسانية التي تنتهجها الإدارة ألأمريكية. وهؤلاء _ بالطبع _ ممن لايجوز لعنهم أو الدعاء عليهم
والله أعلم
|