( الجنة الآن ، الجنة غدا )بقلم: بان حسني السيدسواد يفضي إلى بياض. هكذا يبدأ الفيلم و هكذا ينتهي ، لكنه يترك بين اللونين ظلالا من الرماد و الغم و الشجا. يقدم لنا المخرج هاني أبو أسعد فيلما إنسانيا من طراز فريد، و يبحر في أعماق المواطن الفلسطيني الذي يقاوم الاحتلال بجسده لأنه لم يعد يملك خيارا آخر و لأنه يحلم بأن تتغير حياة من يليه إلى الأفضل .حاز الفيلم على جائزة أفضل فيلم أوروبي يُعرض في مهرجان برلين السينمائي وجائزة منظمة العفو الدولية "آمنستي إنترناشيونال"، وجائزة قراء صحيفة "مورغن بوست ". تم ترشيحه لأوسكار الأفلام الدولية و حصد العديد من الجوائز مثل جولدن جلوب و إنديبندنت سبيريت .أشادت به جرائد و مجلات أمريكية كثيرة ذات اتجاهات مختلفة ، أجمعت كلها على أن الفيلم بطاقمه من المخرج إلى الأبطال آسر و يطرح قضية شائكة بمنتهى الشفافية."سجن أم وطن"يرسم الجزء الأول من الفيلم صورة عامة للشخصيات . نشأت سهى ( الممثلة المغربية لبنى الزبال) - ابنة الشهيد "أبي عزام " الذي أسس للعمل المسلح ضد اسرائيل- بين باريس و المغرب. تعود إلى نابلس كعضو في منظمة حقوق إنسانية و عند عودتها تصطدم بالحاجز الإسرائيلي حيث يتم تفتيش حقيبتها . أثناء التفتيش تتبادل نظرات من التحدي و الاضطهاد مع الجندي الصهيوني ، لتكتشف بعدها أنه ليس الحاجز الأول و لن يكون الأخير .حين تلج سهى مدينتها تسمع صدى انفجار، ينحني الناس عند سماعهم للصوت و من ثم يكملون سيرهم في الطرق الفرعية و كأن شيئا لم يكن.ما أشبه نابلس بباريس ! سهى تمثل الصوت الفلسطيني الرافض للعمليات الاستشهادية لأنها تؤمن بالتفوق العسكري الإسرائيلي و تؤمن بأن التعبير عن الظلم و القهر يمكن أن يكون سلميا لا دمويا. تنظر للعمليات الانتحارية على أنها انتقامية .وجهة نظر يمكن القول عنها بأنها موجودة ويروج لها عربيا وأجنبيا !خالد " الممثل علي سليمان " و سعيد " الممثل قيس ناشف " شابان من مخيم نابلس. يعملان بأجر رخيص ، نتيجة للحاجة و للبطالة ، في ورشة لتصليح السيارات و تربطهما صداقة حميمة منذ الطفولة.خالد مندفع ، واضح ، مرح و سريع في اتخاذ قراراته. أحواله الأسرية عادية و تشبه الأسر العربية التقليدية . يحتوي سعيدا صديقه بحب و كأنه قشرة اللوز التي تحمي اللب. يؤمن إيمانا راسخا بوجوب العمل العسكري فأي مبرر تحتاجه اسرائيل لتمرير تعسفها حتى يحتاج هو لتبرير الكفاح المسلح. أما سعيد فهو شاب هادىء، يرفض أن يبتسم حتى في الصور الفوتوغرافية، متردد و يحمل وزر أبيه العميل الذي تمت تصفيته و هو في سن العاشرة أثناء أحداث الانتفاضة الأولى. كيف لا يحمل هذا الوزر و أمه تهمس له " يا الله يا سعيد شو صاير تشبه (أبوك)" ، تقرأ له الفنجان فتجده أبيض و تفزع ، " يا ساتر يا رب ، مستقبلك أبيض " . أم سعيد لا تنفي عمالة أبيه و لا تؤكدها لكنها تكتفي بالقول " اللي فات مات، أبوكم يحبكم و كل ما فعله كان لأجلكم " و تعقب " كل شيء متغير إلا وجه الله " ، في ذات الوقت يعيره أحد زبائن الورشة بقوله " صندوق السيارة مائل مثل أبيك" . وزر يطهره سعيد بالتشبث بالعمليات الاستشهادية كخيار وحيد للرد على الاستغلال الاسرائيلي للضعف و الفقر و الجوع الفلسطيني ، و يطرح تساؤلا مهما على سهى حين استنكرت عليه حرق السينما قائلا، " و طيب ليش إحنا ". يقع الاختيار على خالد و سعيد للقيام بالعملية الاستشهادية معا كما طلبا و من هنا تبدأ الكاميرا بالتحليق !!" شدوا الهمة"يمثل الجزء الثاني مرحلة التحضير للعملية و التي عرضها الفيلم من لحظة التبليغ و حتى لحظة التنفيذ. اهتم أبو أسعد بالتفاصيل من كيفية إعداد الشهيد ( مستقبلا) بدءا بالوصية و التصوير التليفزيوني إلى تغيير الشكل إلى الغسل و التطهير فالتحزيم و من ثم التجهيز لدخول تل أبيب و القيام بالعملية.يبدو خالد متحمسا للفكرة و مقبلا عليها و يبدو سعيد مترددا في نتائج قراره في مشهد ما قبل الذهاب إلى تل أبيب حين يقول لخالد " فكرك إحنا عملنا الإشي الصح" ليرد عليه خالد " شو كنك خايف"، لكن خالدا و إن بدا أكثر تماسكا سيسأل جمالا القائد المشرف " يعني أكيد رح نروح على الجنة؟".و من هنا يبدأ الصراع، فالعملية ستتعطل بسبب وجود كمين اسرائيلي و سيتفرق خالد و سعيد . خالد سيعود للقائد و سيضيع سعيد بين أحراش الخط الأخضر في محاولة للبحث عن مجموعته. ستدور الكاميرا في أحياء نابلس و طرقها و أحراشها و مخيماتها. خالد يبحث عن سعيد و سعيد يبحث عن خالد و سيلتقي كل منهما بسهى أثناء رحلة البحث. تربط سعيدا بسهى علاقة بكر رومانسية و كل ما بينهما متناقض. هي ابنة الشهيد وهو ابن العميل، ابنة العز و ابن المخيم ، متفائلة و مقبلة على الحياة، منطو و يعاني قلقا وجوديا ممضا، لا تؤمن بالعمليات الاستشهادية و يتشبث هو بها كخيار أوحد. أثناء البحث ستحدث المفارقة فيصبح سعيد أكثر إصرارا على العملية و يتراجع خالد عن قراره.يذهب سعيد إلى تل أبيب و يفجر نفسه في حافلة جنود إسرائليين، حيث تنتهي اللقطة بوجه ثابت و خال من أي قلق. تركز الكاميرا على عيني سعيد لينتهي المشهد بالبياض."خلاصة"مزج أبو أسعد في صوره بين الإعداد العسكري و الجانب الإنساني. فنرى خالدا يلقي خطبته متحمسا و من ثم يفشل التصوير بسبب عطل في الكاميرا فيعاد التصوير مرة أخرى مما يشتته و تلقائيا يذكر أمه ، في وسط الخطبة ، بشراء فلاتر الماء من محل آخر غير ( قنازة) لأن صاحب المحل غشاش !صورة أخرى قدمها أبو أسعد للقائدين اللذين أشرفا على إعداد الشابين و هما يأكلان الشطائر أثناء إعادة تصوير خالد . أثارت تلك الصورة بعض الناقدين العرب و اعتبرها البعض إسقاطا مغرضا على القيادات و أنا أراها صورة إنسانية بحتة تبين أن الموت و الاستشهاد جزء لا يتجزأ من طبيعة حياة الإنسان الفلسطيني حتى غدا خبزه اليومي . اعترض البعض أيضا على القبلة بين سهي و سعيد قبل ذهابه إلى قبر أبيه و قبل تنفيذ العملية. لا أراها ضرورية و أعتقد أن المخرج أراد أن يؤكد أن سعيدا كان يحبها و ينفعل بالحياة رغم إقباله على الموت . صورة تخاطب وجدان المواطن غير العربي و هذا يمكن تبريره بأن الفيلم من إنتاج أوروبي. سيفكر سعيد أثناء تيهه بتفجير حافلة لكنه يتراجع حين يراها مليئة بالأطفال و هذا شيء يحسب للمخرج . كاميرا المخرج التقطت صورا لناطحات سحاب تل أبيب و لشعبها و لسمائها و للرفاهية التي يستمتع بها المحتل بينما يعاني سكان الضفة من تلوث المياه و السماء و الشوارع. الورشة التي عمل بها سعيد و خالد تطل على مستوطنات اليهود ، مشهد كان يتأمله كل منهما طويلا و يعكس مدى القسوة و التعسف فبين الحرية و السجن يتمطى سلك شائك. الموسيقى التصويرية كانت موسيقى الوطن. ففي الورشة ينبعث صوت نانسي عجرم، و صوت غلاية القهوة فوق الوابور. و على تلة الربوة تغرد العصافير و تعلو أبواق السيارات و صدى الرصاص و الانفجارات. وفي مرحلة التجهيز للعملية الاستشهادية، يسود صوت الدعاء و الإنابة و الرجاء و الخوف و القنوت. حياة تمتزج بالموت و موت يمتزج بالحياة." وجهة نظر"قرأت بعض الانتقادات العربية للفيلم و منها أن أبا أسعد غيب البعد الديني للاستشهاد و كرس الدافع الشخصي، و لا أدري ما معنى ذلك. فعندما يصلي الشابان و يقرأ كل منهما القرآن و يفعل ما يفعله من أجل حياة أفضل لغيره و تتراءى له الجنة ، هل يعني ذلك أنهما ملحدان مثلا و لماذا لا يدمج المرء دوافعه الشخصية بدوافعه السامية . ألم يثأر بلال للإسلام و لنفسه في بدر؟ ألم يشح الرسول ( ص) بوجهه عن حبشي حتى بعد إسلامه؟ ألسنا خلطة طينية روحانية ؟كما أضاف بعضهم بأن المخرج هز صورة الاستشهادي فبين بأنه متخاذل و متردد ومحبط . و السؤال، هل صنع الاستشهادي من فولاذ. ألا يحق له أن يخاف و أن يتردد و أن يحبط ؟ ألا يحق له أن يتساءل ؟ ألم يوصف الجهاد بأنه كره لنا ؟ الاستشهاديان في الفيلم شابان عاديان، و ليسا عسكريين . لم يكرههما أحد على قرارهما و قد تراجع أحدهما عن تفجير نفسه، فما المشكلة إذا أراد التأكد من نيته ؟أما أغرب نقد فهو تعليق بعضهم بأن اللهجة لا تشبه لهجة أهل نابلس. أطمئنهم ، فالشابان من المخيم و ليسا من مدينة نابلس و اللهجة التي تحدثا بها هي لهجة أهل مدن الشمال و قراه.أما عن الشابة المغربية فقد برر لها المخرج لهجتها في أول الفيلم تبريرا مقبولا . و السبب في انتقائها هو أنه لم يجد فلسطينيية للدور كما أنها ( لبنى) قامت بعدة أدوار في السينما الأوروبية. أخيرا، حاول أبوسعد أن يرصد عمق الإنسان الفلسطيني في أحلك اللحظات، القصة إنسانية و ليست سياسية . جميع الممثلين رائعون، و الشاب قيس ناشف " سعيد " ضرب ممثلي أفلام هوليوود بعرض الحائط. تعليقي هذا، خلص إليه الكثير من المشاهدين الأجانب الذين كتبوا آراءهم عن الفيلم بعد مشاهدته.فيلم رائع بكل المقاييس ..
-----------------------
المصدر : جماعة السينما الفلسطينية ( موقع على النت )