سبق أن نشرت دراستي تلك عن قصة ( عم جمعة ) للمبدع
سمير الفيل بمنتدى القصة العربية على الرابط التالي :
http://www.arabicstory.net/forum/index.php?showtopic=7943
قراءة في قصة عم جمعة لسمير الفيل
---------------
سعيد رمضان
---------------أسلوب قصة عم جمعة ، يقوم على تكثيف نوعي لشخصيات تعبر عن الواقع عبر خطاب ثنائي ، خطاب مدركا بوجود أخر مختلف ومغاير، فعبر القوة نرى الشخصيات الضعيفة تقاوم ، وعبر المادة نرى الروح تظهر وتبرز ، وأمام الشهوة المسيطرة يقف بشموخ الجمال الأنسانى ، أمامنا شخصيات تأتى فعلا بقوة الواقع ، بعضها تسايره ، وبعضها تقاوم ضده ، وبينما ينجح عم جمعة والحاج خليل في ممارسة طقوس حياتهما الخاصة ، يفشل الأخرون ، ورغم إن بنية النص تقوم على صراع ، فنحن لانرى مسبقا نتيجة ذلك الصراع ، ولا في نهاية النص أيضا ، لأنه صراع يعبرعن واقع ، وهذا الواقع ليس منتهيا .. لأن تناقضات الحياة مستمرة ، القبح لا يسود ولا الجمال أيضا .. الثنائيات موجودة ومستمرة في الحياة .و هذه هي أهمية نصوص سمير الفيل ، التي تعيد اكتشاف الواقع من خلال تحركات بشرية قد لا نبصرها ، أو نبصرها دون تمعن حقيقي فيها ، هناك في غالبية نصوصه دائرة مؤنثة ، أما ترفعنا أو تحطنا .. ومن خلال هذه الدائرة يكشف عن طبيعة الحياة وتركيبتها وحيويتها الفياضة .. صحيح أن سمير الفيل يملك الأصالة والخبرة ، لكنهما وحدهما غير كافيان .. انه أيضا يملك الحس الأنسانى ، لأنه هنا يحاول جاهدا تجسيد شيء ما ، شيء لايمكن تجسيده إلا مع معاناة تجمعه مع عامة الناس ولا تفصله عن أحاسيسهم أو رغباتهم وتطلعاتهم .وفى نصنا هذا يركز الكاتب على طباع بعضها متدني وبعضها نبيل انسانى ، إن تراكم هذه الطباع وكشفها يعطى أثرا هاما على تلك اللمحة الجميلة التي أوردها الكاتب بين السارد وفوزية .:(كانت تعرفني، صمتت لبرهة: "عايزة من بابا فلوس، علشان أجيب للبيت فول وطعمية".كانت تمسك طبقا، وتنظر نحو المآذن العالية في رهبة ، سألتها : "ممكن تستني ، وهارجع معاك" . هزت رأسها موافقة ، ونظرت نحوي بابتسامة صغيرة كالشمس أول طلوعها . أبقيتها أسفل البيت الذي يوجد المخزن في طابقه الأول ، أحضرت البضاعة الناقصة ، وجدتها في انتظاري، سألتها : "الساعة كام ؟" ضحكت في براءة : "مفيش معايا ساعة"قلت لها، وأنا أتمعن في طابع ست الحسن على ذقنها : "تيجي نحوش ، ونشتري ساعة ، أخدها أسبوع وأنت أسبوع ؟".سرت للفكرة ، حتى أنها وضعت يدها في يدي اليمنى الخالية . شعرت بالسعادة ، ورأيت البؤبؤ يلمع في حبور. فط قلبي ، وقفز من بين الضلوع ، فقد كانت فوزية حلوة التقاطيع ، ولها عينان سوداويتان في غاية الرقة . )لم يخاطر الكاتب بوهج عاطفي بين براعم تتفتح على الحياة ، بل اكتفى بتقارب لم يتوهج ويشتعل ، وبذلك ضمن نص موضوعي متوزان مع الواقع ، وفى تلك اللمحة نرى براعم تتفتح وتتقارب مع الحياة ، تصطدم بطباع متدنية :("ولد . أوعى تكون بتستغفلني ، حاكم أنا عارف حركات العيال المفاعيص!".) هو طبع متدنى يكاد يغلف مجرى الأحداث .. لكن الكاتب يوزنه بطبع نبيل انسانى من عم جمعة:(، وهو يقدم لي نصف ساندويتش الفول : "ربك يرزق الطير في الحجر ، فما بالك بالأدمي يا واد يا فلفل" )إن خطاب سمير الفيل هنا يعبر عن نفسه بلغة لماحة تسعى لإعطاء البراعم فرصة للكشف عن طبيعتها :(وددت أن أعمل مع عم جمعة ، وكنت أعرف أن أمي سترفض لا محالة، ولقد حزنت لذلك كثيرا.)عناصر في النص كثيرة مضطربة ، الشهوة والرغبة ، الجمال والقبح ، النبل والطمع ، كأن النص يبعثر روحنا ثم يعود ليجمعها ، وفى تلك اللحظات التي يبعدنا فيها عن الدين كما في هذا المقطع :(جاء ولد بطاسة بخور نحاسية دخل المحل بدون إحم ولا دستور ، أطلق البخور في المحل، وقعت عين الحاج عليه، انتفض في غضب ، وصرخ فيه : "إبعد يا زفت".بعد ربع ساعة لاغير دخل المقرئ ، وعدل القفطان ، استوى على المقعد واهتز جسده الملظلظ قبل أن يقرأ ما تيسر من سور القرآن الكريم ، وحين انتهى ، حملق فيه الحاج، وزغر له بعينين فيهما أثر الحشيش : "بكرة ، إحنا لسه ما استفتحناش بأبيض ولا أسود" .) إذا به يعيدنا بلمحة بسيطة ورائعة إلى الله :(كانت تمسك طبقا، وتنظر نحو المآذن العالية في رهبة )وفى لحظة خاصة تقترب البراعم من بعضها :(وهارجع معاك" . هزت رأسها موافقة ، ونظرت نحوي بابتسامة صغيرة كالشمس أول طلوعها )هذه لحظة رائعة يكون من السوء مقاطعتها ، إنها أشبه بهمس السكون ، وسحر الشفق ، لكنها للأسف قوطعت بشكل فج :(("ولد . أوعى تكون بتستغفلني ، حاكم أنا عارف حركات العيال المفاعيص )كأن القبح يبعثر الروح والجمال الأنسانى ، قبح بدا كأنه مسيطرا ، ولكن تم إحداث توازن عبر التمني العمل مع عم جمعة .يوجد بالنص توازن بين الواقع النفسي للشخصيات والواقع الخارجي .. توازن دقيق ومدهش .. الفقر المادي تمثله شخصيات مثل عم جمعة لكن هذه الشخصيات تحمل في داخلها غنى روحي يتدفق عبر تراث ديني متوغل في البيئة الشعبية ، ويقابل الفقر غنى مادي نراه في الحاج خليل البطاحي مع فقر روحي تام وعدم القناعة بالرزق والجري وراء الشهوات .رغم انه حاج مما يكشف عن سخرية كامنة في النص من الأوضاع ، وعن فوضى قوة الأقنعة الزائفة وسيطرتها على الحياة .. وعن التعارض بين الحقيقة والواقع واقع تفضحه شخصيات ، تتحرك في مساحة لا تسيطر عليها قوة الضمير الخلاق .يضع سمير الفيل شخوصه في أوضاع مزدوجة تسمح لهم باختيار طريقة للحياة ،عبر خطاب ثنائي ، لكنه يضعنا في النهاية امام يأس يعبر عنه بقوله :(وكنت أعرف أن أمي سترفض لا محالة، ولقد حزنت لذلك كثيرا. )وهو يأس يملك القدرة فقط على التمني ، لكنه لا يملك القدرة على تنفيذ الاختيار ، ومع ذلك فالنهاية مفتوحة على احتمالات ، احتمالات يضعها القارىء بنفسه ، من حيث الرفض أو القبول ، كأن الكاتب بنهايته تلك يتركنا متأرجحين لنضع نهاية نقبلها ، وبذلك يشركنا في العمل ، نحن لسنا مع اى دعوى بأن المبدع سمير الفيل يؤرخ لحياة مصرية ، قد يبدو ذلك شكلا ، لكنه لا يؤرخ لحياة ، بل يضعنا في أتون تلك الحياة ، عبر لغة لا تعرف الزيف ولا التأنق .
***************************
تعليق الدكتور عبد الله الطيب :
لقد تعمقت في القصة يا أستاذ سعيد ..وأجدت..تحياتي على هذه الاضاءات المنيرة
-----------------
تعليق سمير الفيل :
حقيقة ان هذه الدراسة من الدراسات النقدية المجيدة والتي جمعت بين البساطة في اللغة ، والعمق في التناولفتحية للكاتب الصديق سعيد رمضان عليوسوف انشر هذه القراءة في عدة منتديات صديقة