مجموعة شمال يمين للقاص سمير الفيل، كانت محل دراسة ونقاش في ملتقى العريش الأدبي ، ثم نوقشت في ندوة اتحاد كتاب مصر فرع المنصورة ، وفيما يلي تغطية الأستاذ فكرى داوود للندوة والتي نشرها بمنتدى القصة العربية وننشرها هنا باتفاق مسبق معه :
في ندوة " شمال يمين " اختلاف على نوعية النصوص
تغطية : فكري داود
اختلف النقاد حول تصنيف نص " شمال .. يمين " للكاتب سمير الفيل اختلافا كبيرا ، وتعددت المسميات بين مجموعة قصصية ، ورواية ، وسيرة ذاتية ، ومتوالية قصصية مما أضفى على جو الندوة سخونة فاقت سخونة الجو في نهاية يوليو.جرت مناقشة " شمال .. يمين" وهي المجموعة السادسة للكاتب في مقر اتحاد كتاب مصر فرع المنصورة مساء الاثنين 30يوليو 2007 وحضرها عدد من أدباء الدقهلية والشرقية ودمياط ، وأدارتها الشاعرة فاطمة الزهراء فلا .ـ الباحث القاص فرج مجاهد قدم بطاقة تعريف حول الكاتب بين فيها امتلاكه لأدواته الفنية في أكثر من مجال مثل القصة ، والرواية ، والمسرح ، والشعر والدراسة النقدية لكنه توقف أمام هذه المجموعة التي أدرجها تحت مسمى " أدب الحرب " ، وتطرق إلى القصص التي رأى أنها تبرز المفارقات مع استخدام الأسلوب الساخر وتنبه لأهمية بعض القصص التي حققت جماليات عالية كما نرى في قصة " صيد العصاري" و" فرد يمام" . وأضاف أن الفيل لا يدخل إلى الحدث مباشرة لكن عنده مزية تتمثل في أنه يمهد مسرح الأحداث كما أن لديه ولع بالمكان كما نجد في قصتي " سرابيوم" و" الدفراسوار" . وبالرغم من أن كل قصة قائمة بذاتها فإن توالي الحلقات القصصية يمكن أن يضعنا أمام رواية حقيقية لوجود نفس الأشخاص في نفس المكان وذات الزمن . وأوضح مجاهد أن القصص فيها شيء من التمرد كما نرى في قصة " التزحيف " حيث أن العسكري خليفة يحتج عما يحدث في " القشلاق "فيوقع عليه العقاب ، وفي " ياقات حمراء " نجد سراج القرنفلي يرفض وساطة أقاربه الكبار في السلك العسكري ويعيش حياة الجنود العاديين ، وفي " أربعة شرائط سوداء " يبلغ التمرد مداه حين يتجرأ البوطسي وينتزع من على كتف الباشجاويش شرائطه السوداء وكما يقول المثل الميري " شريطان يحرقان مديرية " لكن هؤلاء يناوشون القهر بتمردهم فينالون عقابا صارما لكن أرواحهم تبقى حرة طليقة.نلاحظ وسط هذا الجفاف اهتماما بالغا بالبنات ونلاحظ وجود حيوات أخرى تعيش نفس الصراع كما في " حرامي الحلة " و" خنافس " وفيها نعثر على المعادل الموضوعي لمدى القهر الواقع على العساكر في تجربتهم القاسية وتوقف الناقد طويلا أمام " فرد يمام " فهي التعبير الأمثل عن فكرة التوق للتحرر حين تحط يمامة وحيدة على ماسورة مدفع في الموقع وينشغل الجميع بها ويحاولون بكل وسيلة أن تواصل طيرانها وتتجه صوب السماء المفتوحة . في قصة مختلفة هي " الأعمال بالنيات " نجد البطل فلاح ينزل الترعة ليعانق جاموسة كانت تستحم وكأنه يحاول أن يستعيد قريته المفقودة.في قصة " صيد العصاري " نواجه العسكري ياسين يحاول أن يغسل وجهه بماء القناة ، ويتفق مع زملاء طاقمه أن يصطادوا بعض السمك بالسنارة وينجحون في ذلك فعلا لكن جنود من سرية المشاة الثالثة يهبطون فجأة ويقذفون بأصابع الديناميت ،فيتحول سطح الماء الأزرق إلى اللون الأحمر القاني . والدم هنا يمكن اعتباره رمزا .قصص المجموعة فيها تشويق كما أن بطل النصوص هو الراوي نفسه الذي يقوم بمهمة الربط بين كافة الأحداث . بعض الأبطال يتكرر حضورهم أكثر من مرة ، والبعض الآخر يحضر لمرة واحدة . المكان بطل وفي القصص محاولة لتأريخ حياة هؤلاء البسطاء الذي جمعهم اللون الكاكي . لم يتعمد الكاتب أن يستخدم ألفاظا معجمية أو صعبة بل هو يعيش الحدث ويقدمه بأسلوب سهل حتى أن الألفاظ تكاد تنطق بما فيها من سلاسة. ـ الباحث الدكتور محمد عبدالحليم غنيم أوضح في مقدمة حديثه أن المجموعة تثير مجموعة من الإشكاليات في الكتابة السردية منها البحث عن النوع الأدبي والشكل الكتابي ، وأشار إلى أنها أقرب جدا للرواية ويمكن أن تشكل ما يدخل في مفهوم " الحلقات السردية " كما يمكن من زاوية أخرى أن تكون جزءا من السيرة الذاتية . في كتاب مدخل للنظرية الأدبية لجوناثان كولر ، نقرأ : " ما الذي يجعل قصة ما ذات قيمة تستحق ذلك ؟ أولا لأنها تمنحنا المتعة ، والمتعة كما يخبرنا أرسطو تتأتى من محاكاة الحياة " . حين يحدث انحراف عن المألوف تحدث المتعة ، والحقيقة أن سمير الفيل قد أحدث هذا الانحراف في بعض القصص وليس كلها . في قصة " صيد العصاري" أو" زيارة " أو " ياقات حمراء " يحدث الانحراف الفني بوضوح فتتحقق المتعة. لكن السؤال هو : لماذا لم يسر الكاتب على نفس النمط . والإجابة نعرفها عندما نلاحظ أن الكاتب كان منشغلا بفكرة السيرة الذاتية ، فهناك أحداث متشابكة يود الكاتب تسجيلها . هذا الأمر جعله يتدخل كثيرا بالتعقيب أو التحليل في النص نفسه. هناك في علم السرديات ما يسمى بالسرد الكثيف والسرد الشفيف . في السرد الشفيف لا يتدخل الراوي ليوقف حركة الأحداث بالتعليق أو التأمل أو التحليل لكن أحيانا هذا النوع من السرد يكون مطلوبا . السرد الكثيف يسمح بتدخل السارد في الأحداث ، وهذا ما نجده في قصة " الظل " فالراوي يقوم بمهمة التعقيب على الأحداث كراو للسيرة الذاتية لما رآه في الجبهة ما بين سنتي 1974 و1976. صحيح أن السرد الكثيف يعطينا خبرة بالحياة وهذا قد يكون مطلوبا في بعض الأحيان . أظن أن اللعب الفني في القصص قليل وهذا يعود إلى اهتمام الكاتب بالحديث عن كل شيء .قصة أراها حققت البلاغة والإيجاز حين بدأت بحوار وهي قصة " شعرة " هذا الشخص الذي رفض أن يكون " عسكري مراسلة" وكان النتيجة أن ادعى الجنون. في هذه القصة كان السرد شفيفا فحققت القصة المتعة الفنية .العتبة في النص كان فيها وعي فأحيانا ينجح الكاتب في أن يضيء النصوص كلها بعتبة موفقة وذلك عندما يستدعي الكاتب عبارة شارل ديدييه فيقول: " لا يوجد في أرض الله الواسعة شعب أسلس طبعا من أبناء الفراعنة هؤلاء . فالمصري يحتفظ بدماثة طبعه تحت ثيابه العسكرية ، وتظهر حضارته المتأصلة إذا ما قورن بالعسكري العثماني ذلك الجلف الجافي ، الذي يفاجئك هو وضباطه بفظاظتهم ، على حين أن المصري يحتفظ ، مجندا ، بهدوء سريرته ، وكرم طبعه ، وسماحة سجاياه " .القصص التي تقوم على المفارقة في المجموعة تنجح في خطابها مثل " شعرة " و" صيد العصاري" و" ياقات حمراء" فهناك في القصة الأخيرة حياة متقشفة خشنة ويقابلها حياة ناعمة هادئة . ما يجعل هذه النصوص أقرب للرواية هي أن كل قصة تقوم بالتركيز على شخصية محددة وفي بعض الأحيان نجد أن الكاتب يهتم بشخصية معينة ثم يتجه لشخصية أخرى غيرها . ما كان يؤرق الكاتب دائما هو البحث عن معنى الخطوة المنتظمة " شمال .. يمين" وهو سؤال يتضمن داخله احتجاجا مضمرا .ـ القاص الشربيني خطاب قدم مداخلة يقول فيها : عنوان المجموعة مدخل موفق للولوج إلى الحياة العسكرية فالكل يبدأ بتعلم طريقة المشي المنتظم الكاتب يقدم لنا رواية تسجيلية لكن ما بين أيدينا مجموعة نصوص تؤدي هذا الغرض . والعمل يطرح كذلك كيف يتحول الفرد العادي إلى محارب وهذا يحتاج إلى قسوة من المعلمين . تمتليء النصوص بمعجم لمصطلحات العسكرية وأغلبها مأخوذ من خبرة واقعية بالحياة داخل الكتائب والتشكيلات القتالية . أعجبتني قصة " فرد يمام" لأن مجموعة المقاتلين تحركت في لحظة واحدة لإعادة الحرية لهذا الطائر . هو رمز للحياة المدنية التي لاتعرف قيودا. الألفاظ عند سمير الفيل مأخوذة عن تجربة حقيقية وفيها هذا الحس " العثمانلي" المتوارث عبر السنين . حاولت مؤخرا أن اكتب رواية عسكرية تتضمن خبرتي بالجبهة ولكنني خشيت أن أذيع سرا عسكريا فهذه منطقة فيها حساسية للدخول فيها والتوغل في دقائقها.ـ الروائي والقاص محمد عبدالله الهادي طرح قضية تؤرق الكثيرين فقال : أريد أن أشير إلى أن ثمة ظلم بين يقع على القصة القصيرة ، ولدي إحساس أن ثمة مؤامرة تحاك ضدها. منذ عدة سنوات بشر الدكتور جابر عصفور أننا نعيش " عصر الرواية " ، وتلقفت بعض الأقلام الجملة ، ورددتها دون أن تقرأ لكتاب القصة القصيرة الجدد الذين قدموا إضافات مهمة للغاية.الصحافة المصرية أصبحت لا تنشر إلا القصة القصيرة التي بحجم الكف ونأت عن النصوص التي كنا نراها فيما سبق وتعودنا عليها ويمتد ذلك حتى لجرائد مهمة مثل " الأهرام" حتى أن القصة القصيرة العادية تقسم إلى عدة أقسام ليسهل نشرها .ما حدث مؤخرا من حجب جائزة القصة القصيرة أكد هذا المخطط للقضاء على فن رفيع مع العلم أن في مصر عدد كبير من كتاب القصة القصيرة وأغلبهم مميزون، ونظرة سريعة على منتديات أدبية على شبكة الإنترنت تؤكد ما أقول . حتى عندما أنشأوا جائزة باسم يوسف إدريس منحت لكاتب عربي مبتديء وحجبوها عن كتاب مصريين أفضل تقدموا لها .نعود لمجموعة شمال .. يمين " لسمير الفيل فأؤكد أنها مجموعة قصصية ، أما مصطلح " أدب الحرب" فهو لا يشمل هذه المجموعة بالقطع . أاهم مافي المجموعة يمكن أن نتفهمه من المدخل المسمى " بروجي للتحية" فالكاتب يتحدث عن نفسه وعن زملائه وتلك الأيام البعيدة التي قضاها في سلك الجندية ، وعلينا أن نخرج من التصنيف الضيق للقصة القصيرة الذي حشرنا أنفسنا فيه . أنا مع الكتاب الذين يبذلون الجهد للخروج من هذا الإطار الضيق والتفاعل مع الحالة بسياق جديد. لقد نجح القاص نجاحا كبيرا في مسعاه ؟ المجموعة عبارة عن سيرة روائية وقد بلغ الكاتب الذروة في قصة " الدفرسوار" فهي قصة جيدة . سمير الفيل بالأصل شاعر وقد استفاد من خبرته تلك في كتابة هذا العمل. وهو أيضا من " كتيبة أدباء مقاتلين" أنجبتهم البلد الجميل دمياط . المجموعة التي قدمها لنا ممتعة جدا وهذا مقياس أساسي في الفن.ـ الشاعر سمير الأمير: أريد أن أسأل سؤالا واحدا : هل أصبحت الكتابة كيمياء أو وظيفة؟ لماذا نقرأ لكاتب واحد عشرات الأعمال وهناك كاتب آخر لا يمكننا أن نكمل له مجموعة واحدة ؟أعتقد أن ثمة معيار مهم للغاية ، وهو " تورط " الكاتب نفسه في الفن الأدبي الذي يكتبه ومثل هذا التورط لو حدث بصدق فسيمكننا أن نقرأ أعماله مرة ومرة ومرة. كذلك لابد أن يكون الكاتب قادرا على نقل مناطق في الحياة نستشعر معها أننا نراها لأول مرة بهذه الكيفية . أنا اعتقد أن الأدب فقد علاقته بالناس وعلى الكتاب أن يعيدوا الصلة بين الفن والحياة.ـ الشاعر محمد العتر : أقدم احترامي الشديد لموهبة الكاتب سمير الفيل ، وقد لاحظت أن النقد الموجه لمجموعته الأخيرة " شمال .. يمين " قد خلا من المجاملة ، وهذا شيء أسعدني .ـ الدكتور صادق إبراهيم: عندما وصلت المجموعة القصصية إلى يدي قرأتها في ساعتين متتاليتين بدون فاصل لأنني وجدتها مجموعة ممتعة جدا ، مليئة بالتجارب الإنسانية لأقصى درجة. بالطبع اختلف مع من قال أنها نصوص تنتمي لأدب الحرب . إنها قصص تقدم شذرات من السيرة الذاتية ومتعتها تتجلى في الصدق والبساطة ، ذلك أن المجموعة أبكتني وأضحكتني خاصة مع أسئلة انتثرت في فضاء القصص مثل : " لماذا نزحف الرمال كل صباح؟ " الكاتب أجاد برسم مشاهد حية ، متوثبة ، إنسانية لأنه كان شاهد عيان على الأحداث . ما قرأته هنا أحداث حقيقية صيغت برقة وجمال . " فرد يمام" أروع ما كتب سمير الفيل وهي قصة عن اليمامة التي وقعت وسط الصحراء وانقذها العساكر الجدد . كذلك يجب أن أشير إلى الحس الكوميدي الساخر الذي لا تخلو منه قصة من قصص المجموعة.الناقد الدكتور محمد غنيم شعرت أنه لم يقل كل ما عنده فهناك حلقة مفقودة ، ولا أعرف السبب في أن يكون نقده قد ولد لدّي هذا الانطباع ؟ـ الدكتور محمود عبدالحفيظ " أستاذ مساعد بآداب الزقازيق" : كنت أتمنى ألا تكون هناك عتبة النصوص المتمثلة في مقولة شارل ديدييه ، فالعمل هو صندوق سحري مليء باللعب والمتع الفنية وعلينا أن ندخل يدنا لنخرج النص تلو النص. في كل القصص ستشعر أن هناك مناوشة مستمرة بين العساكر القادمين من حياة المدنية وبين قبضة الجيش الغليظة التي تحاول أن تشملهم. هؤلاء المستجدين يحاولون أن يروضوا الجيش وهو يحاول بكل قوة أن يروضهم عبر سلسلة محكمة من الأحداث. لا أستطيع أن أفلت من إغراء المشهد الذي يصور العسكري الفلاح وهو يمسك بنطلونه بالحبل فرحا. هذا الصراع بين الحبل والقايش يمتد من بداية القص إلى نهايته حيث نلمح الصراع محتدما بين الديناميت والسنارة. وهي اللقطة التي نشاهد فيها الدم وقد انساب ملونا سطح القناة . الذي قتل هنا هو محاولة هؤلاء المجندين للإفلات من قهر السلطة أو قبضة الجيش الغليظة المحكمة .في قصة " شعرة " ما الذي يجعل الفرد مشدودا بين أن يرفض مسح حذاء الضابط وبين أن يقضي أيامه في هدوء . الجنون هنا هو حالة احتجاج صارخة على الظلم الواقع عليه. في قصة " زيارة " بذلت محاولة للمصالحة بين العساكر المجندين وبين الجيش لكنها أخفقت ولذا كان ذهابهم للبوطسي حين كان في إجازته يعمل في ورشته. هنا كان زميلهم يحمل صفتين: " حتة من الجيش" و" جزء من الورشة" . هذه المجموعة في رأيي مناوشة أدبية هائلة بين المجندين وبين الجيش الذي فقد وظيفته الأساسية وهي الحرب بعد عمليات أكتوبر 1973 . أريد أن أعود لقصة " الأعمال بالنيات " فحين قفز عبد العظيم للترعة لم يكن يريد أن " يبوس " الجاموسة بديلا عن البنات ولكن لسبب آخر جوهري ، وهو أنه يريد أن يقهر الجيش بداخله ويروضه فكانت هذه القبلة لما يرمز للغيط والأرض . حين تنتهي المجموعة بمشهد الدم مغرقا سطح ماء قناة السويس سنتأكد جميعا أن الجيش هو الذي انتصر وفرض سيادته وكلمته الأخيرة.ـ القاص الدسوقي البدحي : تتميز المجموعة بأنها مشوقة ، وممتعة ، وهي من نوعية السهل الممتنع الذي يجعلك تتواصل معها بكل بساطة .يحمد لسمير الفيل أنه استطاع أن يجذبنا لهذه المنطقة فنتواصل معها ونتورط تماما في الأحداث . كان يشغل الجنود أشياء تخصهم في تلك الفترة التي تعود لسنة 1976 ، ولم ألمح أية قضايا سياسية أو مساجلات فكرية . لقد انشغل الكاتب بفكرة محورية ، هي : لماذا يقع كل هذا القهر على رأس المجند الذي دخل الجيش لخدمة وطنه ؟ أستطيع أن أقول أن القصص تريد أن تطرح سؤالا صعبا ، وهو : كيف نوقف تيار القهر الذي يمس هذه الأرواح ؟في الأدب الروسي العظيم استطاعت روايات بعينها إن توقف عمليات التعذيب في السجون والمنافي . فمثل هذه الكتابات تسهم في طرح الأسئلة حول الكثير من السلبيات التي علينا أن نحذفها من حياتنا .ـ القاص والروائي فكري داود: أول نقطة أريد أن أضع يدي عليها هي أن عناوين القصص تدخلنا مباشرة إلى فضاء النص مثل " التزحيف " ، " الظل " ، " قايش وسط" ، وهكذا.اللغة التي كتبت بها النصوص تستطيع أن تقول عنها أنها لغة " مرتاحة " ولعل هذا يردنا إلى ما طرحه الدكتور غنيم من قلة الانحراف . وعن قلة اللعب الفني فهذا مرجعه في رأيي إلى كون الكاتب كان يريد أن يقص علينا شيئا يؤرقه . في نهاية كل قصة كان يعطي جملة أو إشارة تضيء العمل ، وهذا لا يفيد العمل الفني .عن النوع الأدبي لا يشغلني كثيرا ، فما أظنه أن هذه مسميات تأتي بعد أن ننتهي من إنجاز العمل . كل نص أدبي يخلق لغته وكذلك تقنياته. سأتوقف أمام مصطلح " أدب الحرب" . في الحرب أيضا جزء إنساني . ما يبقى من هذه القصص هو هذا الشيء الإنساني الذي يتكشف في علاقة العسكري مع العسكري وغير ذلك من علاقات مركبة. تشدد القصص على فكرة أن الفرد لا قيمة له فيمكن في لحظة واحدة أن تتحول إلى " طلبة " لا قيمة لك مطلقا. في حين أن إسرائيل تهدم دولة هي لبنان منأاجل عسكري أسير ، وهذا هو الفارق بين حضارتين.أذكر قصة من مجموعة " خوذة ونورس وحيد" لسمير الفيل فقد أوقع الحظ أحد الجنود المصريين ليكون في خط تداخل مع عساكر يهود . كان العسكري الإسرائيلي ظامئا يتوجع ، فزحف الجندي المصري نحوه مقربا زمزميته من فم خصمه ، فشرب الخصم حتى ارتوى . وفي لحظة مباغتة أخرج الإسرائيلي السونكي وطعن الجندي الذي أشفق عليه طعنة مميتة. ثلاثة أسطر من أجمل ما يكون .ـ القاص محمد مختار : هذا كاتب يريد أن يستنهض روح الأمة . خلال فترة تجنيده وقعت عينه على مشاهد ظل مختزنا إياها داخل ذاكرته حتى قيض له أن يخرجها لنا في شكل قصصي مثير. أعتقد أن سمير الفيل يمتلك " كنزا " ثمينا تحت يده. كلما فكر أن يخرج من الصندوق بعض حكاياته صنع متعة وجدلا لا ينتهيان. وجدنا ذلك في " كيف يحارب الجندي بلا خوذة؟ " ونجده في روايته" رجال وشظايا" ونجده كأبلغ ما يكون في " خوذة ونورس وحيد" ، وها هو يعود إلينا بحكايات أخرى في مجموعته" شمال.. يمين" . وصل سمير الفيل في هذه المجموعة إلى درجة من النضج الفني غير مسبوقة . بالفعل هم مجموعة من الشباب المصريين في مقتبل العمر دخلوا الجيش وجرى صراع هائل كي يروضهم الجيش مع محاولة منهم للتمرد والخروج كي يروضوه بدورهم . هي مجموعة قصص شديدة الجودة مكتوبة بعمق وبساطة ودقة. لكن أحيانا كان الكاتب يكتب النص القصصي بعقله وليس بقلبه فيذهب بعيدا ، وفي أحيان أخرى تكون الكتابة بنبض القلب فيصيب الهدف إصابة مباشرة. " صيد العصاري" قمة الصراع الضاري بين قيم المدنية وقيم العسكرية ؛ فهذه المجموعة من الشباب الغض القادمة من أجواء مدنية وريفية يجلسون لصيد السمك بما في ذلك من هدوء ودعة ورومانسة وفجأة تأتي مجموعة من سرية المشاة الثالثة فيلقون أصابع الديناميت ويصبغون بالدم المجرى المائي وسرعان ما يغادرون المكان مثقلين بوجبة سمك مفتخرة. هذا ما نراه في الواجهة ، أما ما يحدث في الخلفية فهناك انتصار صريح للقوة والعنف على الحلم والرقة. " حرامي الحلة " قصة في غاية الظرف ؛ فهي تحكي قصة ذلك العسكري الذي يتسلى وقت الراحة في جمع النمل حرامي الحلة في زجاجة شفافة مليئة بالرمل. يظل العسكري يحرك الزجاجة والنمل يصعد ثم يهبط ثانية لكن لنلاحظ النهاية بكل دلالتها . لقد ظل النمل يحاول بإصرار حتى النهاية وكأنها صخرة " سيزيف " .في " الهدف " نجد قصة متفردة في البناء فهو لم يتحدث أبدا عن حرب من أية نوع ، لكنه يسجل كيفية تحول العسكري المجند من السياق المدني إلى حيز العسكرية .في قصة " ياقات حمراء" بحث حقيقي عن المعنى والقيمة . فما الذي يجعل أصحاب الياقات الحمراء من " رتب " تمشي على الأرض بكل هذه الغطرسة؟ المجموعة كلها في حالة طرح دائم للأسئلة ، وأرى أن سمير الفيل مازال يمتلك ذلك الصندوق النادر الذي يحوي كنزه . بين الفترة والفترة يمد يده ليخرج لنا كنوزا مطمورة . يزيح عنها التراب ويجلوها بفن ووعي .ـ القاص والروائي محسن يونس : إسمحوا لي أن اقدم التحية لاتحاد كتاب مصر فرع الدقهلية على مبادرته بمناقشة مجموعة سمير الفيل " شمال .. يمين" . وأرحب بالدكتور محمد غنيم الذي عرفته من خلال الأنترنت أول مرة ، وكذلك صديقي محمد عبدالله الهادي.انتبهت لكلمة عبدالله الهادي عن مسألة زوال عصر القصة القصيرة ، وأن الرواية هي صاحبة النفوذ الأقوى فهناك من يسميها الآن " ديوان العرب" . ما أعتقده هو أننا نعيش في مجتمع يجري وراء الموضة. في الستينيات كان يقال أن القصة القصيرة ديوان العرب ، وها هو الوضع قد تبدل. أطمئن الصديق محمد عبدالله الهادي أن المسألة ليست بهذا الفصل التعسفي بين الأشكال. النشاط الإنساني يتبدل ويتغير وليس معنى هذا نفي او إزاحة نوع أدبي بعينه.لاحظت في النقد والمداخلات ما يمكن أان نسميه " أزمة التصنيف " فهناك من سمى " شمال .. يمين" متتاليات قصصية ، وهناك من أسماها رواية ، وثمة من اعتبرها سيرة ذاتية ، وحتى يحدث لدي اطمئنان وأاشعر أنني أقف على أرض ثابتة فعلى النقاد أن يحددوا بكل حسم نوع العمل الأدبي. منذ قليل جرى حوار جانبي في غاية الأهمية بين محمد علوش وسمير الأمير عن ضرورة أن نكتب الشيء الذي يفهم بدون كيمياء لفظية أو ادعاءات شكلية. أعتقد أن هذا سر روعة الفن والأدب . أنا أقدم مشاهداتي ورؤاي دون أن أطرح إجابات محددة.إن الكاتب يقف موقف الإنسان المندهش تجاه العالم . بعض الزملاء اقترب من محاولة سبر غور هذا الكتاب الذي اعتبره " متوالية قصصية" . حدد مكانا بعينه هو الجيش ، وشخصيات محددة هم المجندون ، وفي زمن بعينه هو الفترة بين 74 ، 76 . لكن أن نحدد للكاتب مكانا واحدا لينطلق منه إلى أماكن أخرى فهذا فهم غير صحيح للأمور, أو أن نستغرب وجود بطل واحد عبر مجموعة نصوص فهذا موجود في الأدب العالمي وبالتحديد لدى كتاب فرنسيين حيث يوجد البطل الواحد ويمارس دوره كبطل نصوص مختلفة حاملا نفس الاسم. كذلك أجد أن القاص محمد عبدالله الهادي لديه نفس الخصيصة حين يجعل شخصية هي البطل ما في أكثر من نص قصصي . لا أاحب أن نقدم للكاتب " روشتة للعلاج " بل علينا أن نكون اكثر قدرة على قبول التنوع بأن نترك له مساحة واسعة جدا للتجريب . أشكركم جميعا .ـ حضر الندوة من الأدباء المعروفين غير ما ذكرنا في التغطية : الشاعر محمد علوش ، والشاعر أحمد راضي اللاوندي من دمياط ، والدكتور فهمي عبدالفتاح ، والدكتور عبدالفتاح يوسف ، ومحمد رزق شعير ، والشاعر علي عبدالعزيز من الدقهلية . ـ أنهت الشاعرة فاطمة الزهراء فلا ندوة مناقشة الكتاب وتوجه عدد كبير من الأدباء المشاركين في الأمسية لتهنئة الصديق الناقد إبراهيم جادالله على زفاف ابنته مي ابراهيم جادالله في نفس الليلة بإحدى النوادي الاجتماعية المطلة على نيل المنصورة وهناك تواجد عدد من كتاب وشعراء المنصورة.