محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الذات العربية الكلية (القومية العربية) في الروايـة الفلسطينية في الأرض المحتلـة بعد 1967
هذه الدراسة للدكتور زكى العيلة قدمت في ملتقى العريش
الأدبي عن طريق الأخت عايدة النوبانى
ننشرها لأهميتها ولتوثيق جميع دراسات الملتقى
الذات العربية الكلية (القومية العربية) في الروايـة الفلسطينية في الأرض المحتلـة بعد 1967
بقلم: د. زكي العيلة*
نشأت القضية الفلسطينية منذ بداياتها قضية قومية عربية، واغتنى مع الزمن مضمونها القومي، سواء داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، أو في إطار حركة التحرر الوطني العربية التي أفردت للقضية موقعاً مركزياً في برنامجها السياسي، بوصفها قضية أمة برمّتها، لا قضية شعب واحد منها(1).
لقد شكَّلت نكبة عام 1948 عاملاً مهماً وفاعلاً في حركة التيار العربي، "فقد مثَّلت مأساة مبكية أدت إلى شحذ الهمم الوحدوية في الوطن العربي، وإطلاق الروح القومية، كذلك لا يمكن إغفال تأثير جمال عبد الناصر وحركة القوميين العرب، ثم عديد من الحركات الفاعلة الأخرى"(2).
هذه الذات العربية "التي تنطلق من أن هناك قيماً حضارية مشتركة تؤثر على السلوك الاجتماعي للشعوب العربية المختلفة مشتقة أساسا من الحضارة الإسلامية"(3) تبدو جلية في الرواية الفلسطينية الصادرة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد نكبة عام 1967، حيث اعتبرت الهوية الفلسطينية نفسها جزءاً لا يتجزأ من الهوية العربية، باعتبار أن العروبة هي الحصن الذي استندت إليه القضية الفلسطينية في تصديها للمشروع الصهيوني.
"من هنا تأتي المشكلة التي تؤرق الإسرائيليين وتكمن في إدراكهم أن الفلسطينيين ليسوا مجرد عرب، وإنما هم كيان محدد داخل التشكيل الحضاري القومي العربي، وهذا الإدراك يخلخل شرعية الوجود الصهيوني ويسحب من تحته البساط"(4)، خاصة أن قضية فلسطين قد أضحت العنوان للعرب في صراعهم مع الكيان الصهيوني، "لأن إسرائيل ليست استعماراً عادياً، وإنما هي استعمار إحلالي يسعى لإبادة الذات العربية ممثلة في فلسطـين، وتصفيتها، لذا فإن القضيـة بالنسبــة للعــرب قضية وجود"(5).
من هذا الاعتبار كان احتفاء الرواية الفلسطينية بالذات المنتمية إلى الأمة العربية الواحدة في مواجهة الهجمة الصهيونية التي لا تستهدف الشعب العربي الفلسطيني فقط، بل والعرب كافة، وجوداً وتاريخاً وحضارة.
من خلال رواية (الميراث) -التي ترصد الواقع الفلسطيني في المرحلة الأخيرة من الانتفاضة، وما تبعها من اتفاقيات السلام في مدريد وأوسلو- نتعرف على السيدة (أميرة)، امرأة تجاوزت الستين من عمرها، يجذبها حنين إلى ماضٍ عربي مفعم بالفخار، فأبوها حارب مع الثوار ضد الانجليز، وشارك في الثورة مع الحاج أمين، وهي بنفسها اشتغلت الصوف للثوار، وأخذت دروساً في التمريض، وكانت تستمع لمقالات (محمد حسنين هيكل) من صوت العرب في الستينيات، وأسمت ابنها (عبد الناصر) دليلاً على إيمانها بالقومية وتبني أفكار التحرر.
وعندما تحاول ابنتها (فتنة) أن تخبرها بمسألة حملها بواسطة التلقيح الصناعي في مستشفى (هداسا) الإسرائيلي، تتردد كثيراً، ويتلبسها الخوف والارتباك، فهي تعلم أن المواربات والالتفافات لن تفيدها في مواجهة تلك الأم التي علمتهم فنون صراع البقاء، وعودتهم كشف النيّات أمامها، بدون مناورة أو أدنى محاولة للإفلات: "فهذه الأم هي ابنة الحاج إبراهيم سليل الحسب والنسب، وابن حامي الحرم، وحافـظ مفاتيـح الأقصى"(6). حيث تصِحُّ تحسّباتها وتخوّفاتها، فما أقدمت عليه يتنافى مع مبادئ تلك الأم ومعاييرها، لذا نجدها حين سمعت النبأ، كما لو تلقت صفعة مفاجئة على رأسها، حتى بدت جثة هامدة لا حياة فيها، مستهجنة فعلتها، التي تعتبرها أقبح ما يمكن أن يُفعل، فكيف يمكن أن يكون ذلك المولود حفيداً لتلك المرأة المعتزة بعروبتها؟:
"حمل صناعي في هداسا؟! أي تزييف؟ أية أخلاق؟ ذلك المولود الصناعي من ظهر اليهود سيكون حفيداً لآل الشايب، وأمام الشرع، وأمام الناس والقانون، هذا الحفيد هو ابن الجو، فلولا (هداسا) ما حملت (فتنة) من ظهر يهود، لولا هداسا، لولا الأحداث، لولا الأوضاع، لولا الهزيمة، ولولا اليهود، لولا، لولا .. وانهــارت تبكي بفجيـعة،
لأنها اكتشفت فجأة بعد كل السنين أن هموم اليوم قد شغلتها عن همِّ الأمس، وهمِّ اليهود، وهمّ الدنيا، وهمِّ التاريخ، كان التاريخ قطعة واحدة موصولة، وصار فتافيت، كان نشيداً غنته مع (أم كلثوم) حين تجلت وعلّت، تردد معها بإيمان:
- أحبها من كل روحي ودمي، يا ليت كل مؤمن يحبها مثلي أنا.
كانت تحس أن حب القدس هو حب مصر، وحب مصر هو حب القدس، خان الخليلي وباب العمود هما في الواقع من الظهر نفسه، من النسل نفسه، وأن الجنين في أحشائها ليس سليل آل الشايب ولا سليل القدس فقط، بل هو سليل عبد الناصر، وحين ولدته قالوا: ماذا نسميه؟ قالت بوجد وهي تستمع لأم كلثوم "طبعاً عبد الناصر" وكان ابنها عبد الناصر، أما (فتنة)، فماذا تسميه؟! تسميه هداسا؟! تسميه كهانا؟! تسميه شلومو؟! أي أن ابنها (عبد الناصر) سيكون خالاً لشلومو، حتى إن سموه محمداً أو محموداً، فسيظل في الواقع الحفيد نفسه، ابن هداسا"(7).
لكنها تمني نفسها بالنسيان، تناسي اللحظة الحاضرة المناقضة لكل ما عاشت من أجله، ستعتاد المولود مع الأيام، تربيه، كما ربت كل الأحفاد، كما ربت عبد الناصر، وستأخذه معها ليزور قبور آل الشايب، يذكرهم، يتنشق رائحتهم العبقة، ويقرأ الفاتحة على أرواحهم، ويتذكر أنهم كانوا يوماً أحباب الله، أحباب القدس وأعزتها، وستسميه اسماً عربياً محموداً يُذكِّرها بعز آل الشايب، تسميه الأمين أو المأمون، تسميه الناصر أو المنصور"(8).
وفي رواية (نجمة النواتي) التي تتعرض لمرحلة الطوارئ التي سبقت حرب يونيو1967 في قطاع غزة، عبر بعض المظاهر التي تشي بقرب نشـوب المعركة التي باتت تشكل الهاجس العربي، نجد الهمّ القومي واضحاً عبر وصول الكثير من الكفاءات العسكرية العربية بغرض التدريب العسكري، ومن هؤلاء الضابط العراقي الذي ترك أهله في بغداد، ليطرد الراحة من عقول المجندين وأبدانهم مشحوناً بجاهزيته وجَلَده ولياقته في معسكرات الإعداد والتدريب في غزة.
بحيث نجد المجندين يخجلون إذا صدرت منهم آهة أو حتى لهاث، وهو يردد دائماً: (بلاد العرب أوطاني)، لينتقل من مهمة نضالية عربية إلى أخرى "منتظـراً العبور من الوطن إلى الوطن"(9)، باحثاً عن آلية تترجم عملياً شعار (بلاد العرب أوطاني) الذي يعني تعزيز الانتماء وتقوية اللحمة العربية، في الوقت الذي مازال ينتظر فيه الخطوة الآتية من قائد الأمة (جمال عبد الناصر) مؤمناً بأن الجيش الذي يدربه لن يتكامل إلا بالدرع العربي، كما في حديثه مع المجند الفلسطيني (حمدان) قرب شاطئ غزة: "معركتنا قومية، نحن وحدنا لا نستطيع تحرير الأرض"(10).
وفي رواية (جواد) تسكن وجدان (شريف يونس) نسمات الوحدة العربية التي آمن بها، وهو يتدافع مع الجماهير في دمشق ليحظى برؤية الرمز عبد الناصر.
ورغم التقلبات والهزائم وحالات التشرذم يظل على إيمانه الثابت بأن الوحدة العربية القائمة على أسس واعية هي السبيل لتحرير فلسطين، وإعادة التجانس للذات "لقد انتظرنا الوحدة العربية لتوفير العلاج الكافي لإيقاظ فلسطين من سباتها العميق"(11).
وفي رواية (بكاء العزيزة -العين-) يجسد الإيمان بالوحدة العربية العامل المشترك الذي يجمع (إبراهيم الشاهد)، الطالب الجامعي القادم إلى مصر من غزة، بنجيب العرابي المقيم في إحدى قرى محافظة الشرقية في مصر، كما في حديث خالد زميله في جامعة عين شمس عن الشبه بين إبراهيم وخاله نجيب "أنت تشبهه في أمـور كثيرة ، حبه الشديد لعبـد الناصـر، عشقه لصـلاح جاهين، إيمانـه القوي بالوحدة العربية"(12).
تحتفي الرواية الفلسطينية التي تتعامل مع قضية فلسطين على أنها قضية عربيـة مصيرية بالصورة التي تُشكل قيادة (جمال عبد الناصر) المرتكزة إلى بُعدها الشعبي نسيجها المضيء، في دلالات ذات مغزى، ففي روايـة (جفاف الحلق) نجد الناس في مخيمات قطاع غزة يحفظون الفالوجا الفلسطينية(13)البلدة التي وقفت مع عبد الناصر، وقدمت المؤن والرجال زمن الحصار(14).
وفي الوقت الذي راح فيه سكـان المخيم في رواية (أيام لا تنسى) يتناقشـون في نتائج الهزيمة التي "فتحت صدمتها العيون على أشياء كثيرة، كان (فتحي) يحاول بعث الثقة في نفوسنا بترديد أقوال عبد الناصر- نحن خسرنا معركة، ولم نخسر حرباً"(15).
وعندما يرحل الزعيم عبد الناصر، يحس الفلسطيني بِاليُتم والفقد والتمزق كما في حديث (حسن) في رواية (نستحق موتاً أفضل):
"كنّا نحارب محاولات التمزيق والإلغاء، وكانت القاهرة حضناً دافئاً لهمومنا وآمالنا، ورحل الزعيم عبد الناصر، فأحسسنا باليتم، كانت المرارة أشد من أن نتجرعها"(16).
وفي رواية (أعواد ثقاب) تتعدد صور الحزن والأسى على فقدان الزعيم الذي مَثَّل السند والأمل لقطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني:
"كان لجمال عبد الناصر مكان هنا بيننا، بصوته الساحر كان يغرس مع أبي دوالي العنب، ويضرب بالمطرقة معه يداً بيد، كلماته تسابق الريح لتصل إلى بياراتنا، إلى أحراشنا وقمم جبالنا، اختار أبي الثورة، فاقتُلع من أرضه، من جبال الخليل، ليفتح له (جمال) ذراعيه، بكلماته سافر شبابنا هناك يملؤهم الحماس، يعبرون القناة، ويعودون أطباء ومحامين وأزهريين مع جمال"(17).
لذا لم يكن مستغرباً تصميم الراوي في رواية (جواد) على الذهاب إلى "قبر بطل القومية العربية"(18) حالما يصل إلى القاهرة التي يراها رمزاً للمجد والتاريـخ، حيث تتداخل في ذاكرته صور أولئك الذين دافعوا عن ثرى الوطن العربي وعناوينه، فالشهيد الفلسطيني (مصلح) يتوحد في صورة الشهيد العربي المصري القائد (عبد المنعم رياض) الذي قرر أن يحاكم سحابة يونيو الراقدة تحت وسادته:
"هنا قرر (عبد المنعـم رياض) (19) الحد من الأسطورة، قرأ النتيجـة، لمْ تمسـك سحابة سوداء بسماء التاريخ إلى الأبد، عندما أطبق ضغط القذائف على صدره، حمل دمه على كفيه وابتسم لجنوده مودعاً، من كان الأسرع في الشهادة اللـواء عبد المنعم، أم الفدائي مصلح؟ صعدا قبل عام من قصف الطائـرات الإسرائيليـة مدرسـة بحر البقر(20) وتدميرها على رؤوس التلاميذ والمدرسين"(21).
وحدة المصير، وقومية المعركة تدفع الفدائي الفلسطيني (جواد) الذي أدمته مذبحة أطفال مدرسة (بحر البقر) المصرية إلى الرد على طريقته، فالدم العربي واحد، والوجع واحد، "فكانت عملية الهجوم المباغت على موقع عسكري في مستوطنة أفانيم"(22) رداً مطلوباً وضرورياً.
وفي رواية (غزل الذاكرة) يتكرّس الانتماء إلى البُعد العربي عبر شخصية (أحمد) الذي لم يتخلَ عن مبادئه، رغم هزيمة 1967، كما في حديت السارد:
"أثق بحكم أحمد على الناس، دائماً أرى فيه الصلابة النقية في عالمَي السياسة والاجتماع، رفض بعد احتلال القدس عام 67 العمل في وزارة المعارف الإسرائيلية، فضَّل التدريس في مدرسة عربية خاصة، لم أستغرب موقفه المبدئي، رجل انخرط سنوات عديدة في حركة القوميين الناصريين، بقي على ولائه لمبادئ (عبد الناصر) الوحدوية، رافضاً مع بعض رفاقه التحوّل الدراماتيكي من القومية العربية إلى أممية الماركسية، لم يقتنع بذلك، بقي على قيد الحياة العروبية، يتنفس هواءها النقي، ويشرب ماءها السلسبيل رغم الاحتلال، وغول الأيديولوجيا المستوردة"(23).
وفي رواية (ليالي الأشهر القمرية) تتكرر الصور التي تؤكد الإحساس بالانتمـاء إلى أمـة واحـدة، من خـلال حديـث الـراوي الطالـب الفلسطينـي في
جامعـة الإسكندريـة، الذي يؤرقه البحث عن إجابات لأسئلة هزيمة 1967، في الوقت الذي تسكن ذاكرته سيـر الأبطال من رفاقه المصريين:
"قرر (شوقي) التنازل عن حلمه في الهجـرة، ومضى إلى الجبهة بعد التخـرج، لم يعد يترصد الحكايات من بلاد الله الواسعة، حكاياته تركزت على التدريب الشاق واجتياز القناة، ودمعة على صديق عمره الذي سقط برصاصة قناص إسرائيلي صَلَبَه على شاشة منظار بندقيته وجندله، شوقي يعود من الجبهة برفقة جثمان (وجدي)، يدفنه ويختفي في حجـرته، وعندما رجع إلى الجبـهة ودَّع أمه وفتيان رأس التين ومريدي سيدي أبو العباس، وصانعي الفرحة في الأنفوشي، شوقي عبر القناة، ورفع العلم على خط بارليف، لكنه لم يعد مع العائدين، جثمانه لم يعد، فقط علقوه وساماً على صدر أبيه، فسحب روح أمه بعد أيام"(24).
وفي رواية (صرخات) يبدو تمسّك الذات الفلسطينية بعمقها العربي واضحاً من خلال حديث الراوي عن حرب أكتوبر 1973:
"كبرت الآمال، وارتفعت الهامات، خِلتُ الناس يرقصون فرحاً في الشوارع، وصوت المذياع يعلن في كل مكان أخبار الانتصارات على الجبهتين المصرية والسورية"(25).
وفي جانب آخر يمكن قول إن هزيمة عام 1967 قد خلقت أوضاعاً سياسية واجتماعية واقتصادية تختلف تماماً عن الأوضاع التي سادت قبلها، مما أسهم في إيجاد مؤثرات جديدة على مستوى الذات الفلسطينية، حيث بدأت تُسبغ بعض الروايات -موضوع الدراسة- ظلالاً سلبية على صورة الذات العربية التي حَمَّلها البعض مسئولية العجز والهزيمة، وهذا أدى بدوره إلى ظهور مرحلة جديدة من الفرز والاصطفاف قوامها التمييز بين الأنظمة الحاكمة من جهة، والإنسان العربي المحكوم من جهة أخرى، وقد انعكس ذلك كله على نظرة الروائيين الفلسطينيين، حيث منحتهم هزيمة عام 1967 المبرر لتأنيـب الذات، وجلد الأنظمـة التي حمَّلـوها العديـد من والتعليقات التهكمية التي أسقطتها تلك الذات على "الأخ الكبـير المهـزوم، الخـادع، المخادع"(26)، "في الوقت الذي ظهرت فيه عند البعـض بداية عمليات الانسحـاب من الانتمـاء العربي لصالح الانتماء الوطني الفلسطيني"(27) نتيجة الخيبات التي واكبت مسيرة الإنسان العربي الفلسطيني، تلك الخيبات التي عبَّرت عنها صرخة (كاظم) في رواية (بكاء العزيزة -الدخان-):
"رفعتم شعارات تحرير الأمة من الاستغلال، وناديتم بالوحدة والبناء والتنمية والعدل الاجتماعي وتوزيع الثروات والحرية و..و.. وقبل هذا كله تحرير فلسطين، وماذا كانت النتيجة؟! حرق الأمة وسحق الشعوب، والعبودية والفقر والخوف والعجز والطائفية، والعشائرية والهزيمة، كفر الناس بالوحدة والتنمية و شعارات الصمود والتصدي، بسبب تجاربكم الفوضوية والفردية التسلّطية ومغامراتكم الفاشلة التي كنتـم تُُغَلِّفونها دائماً بشعارات الوحدة والقومية وشد الأحزمة، والصمود في وجه العدو الخارجي"(28).
وفي رواية (العربة والليل) تبدو السخرية جليه، وهي تتعرض لما حدث في صبيحة الخامس من يونيو 1967:
"مارشات عسكرية، عشرات البلاغات عن سقوط طائرات العدو كالذباب، واحتراق مئات الدبابات على ذمة الناطق العسكري في كل الجبهات حتى آخر بلاغ، وانهزمنا في البلاغ العسكري التالي، وسقطت غزة وخان يونس والعريش والجولان والضفة..
الناطق العسكري هو الذي حارب وانتصر، وانهزمنا نحن.. الحرب الحقيقية كانت في الإذاعة بين الناطق والبلاغات، وحرب الصحراء كانت وَهْمَاً "(29).
ذات النقمة نطالعها في رواية (نجمة النواتي) التي ترصد الحدث نفسه: "المذيع يقطع مارشاً عسكرياً، يعلن عن سقوط عشرات الطائرات الإسرائيلية المغيرة، وأسر أو قتل طياريها، ويهنئ سمك البحر ويدعوه إلى الوليمة، ويعلن عن قيام الحرب..
أخبار عن هزائم وضربة جوية عند الفجر، جنود يهيمون على وجوههم، المذيع بهت صوته، ولم يعد يولم لأسماك البحر"(30).
ويتكرر السخط مشحونا بالخيبة وتأنيب الذات العربية في رواية (جواد) حيث المذيع نفسه هو الذي يدير المعركة ويوجه صواريخها:
"عجَّت الزغاريد مع سماع البلاغات العسكرية، جاء عمي العجوز ينفخ سيجارة الهيشي، أبلغ الحشد أن الجيش الإسرائيلي قد احتل سيناء، فاتهمه البعض بالعمالة وصرخ آخر بأنه وجه شؤم، لم أتمكن من الدفاع عنه، تبرعت إذاعة لندن، وأبلغتنا أن الجيوش العربية تُولي الأدبار، أدركتُ أن قصف قوات العدو المتراجعة من اختصاص الإذاعات الأكثر ضجيجاً، استمر المذيع يوجه صواريخ الإذاعة لقصف سماء المنطقة"(31).
الصورة السلبية الأخرى لعلاقة الذات الفلسطينية بالنحن العربية، تبدو ظاهرة في رصد كم المعاناة التي سببتها الأنظمة العربية لتلك الذات في مراحل تاريخية مختلفة.
ففي رواية (نجمة النواتي) تطالعنا عمليات اعتـقال الكثيرين من المحسوبين على اليسار في قطاع غزة في فترة الستينيات من القرن الماضـي، وترحيلهم إلى سجـن الواحـات، لتجد مقولة الأستاذ خميس سنداً لها: "الغربة تحاصرنا بين سجـن المخيم وسجن الواحات"(32).
وفي رواية (العربة والليل) نتتبع طرق تعامل رجال المباحث مع المعتقلين من الشيوعيين والإخوان المسلمين في تلك الفترة:
"انسحـق جسدي تحت وطأة الركل والصفـع، والخبط، ارتميت على أرضيـة الغرفة وشيء ساخن يسيل من جسدي"(33).
"رموني في حجرة سيئة، وأدخلوا عليّ رَجلين، هَرساني، دَاساني تحت أحذيتهما الثقيلة حتى شعرت بأني أتقيأ أمعائي، صار العالم حلقات ودوائر غير مكتملة"(34).
وتتعدد صنوف المعاناة وتمتد مظاهرها التي تستهدف الذات الفلسطينية في بعض الروايات، ففي رواية (جواد) يتم -بعد أشهر من حرب 1967- احتجاز المجموعة الفلسطينية المقاتلة التي كُلفت باستطلاع ممر مناسب للعبور إلى الأراضي المحتلة من خلال حدود دولة عربية "استخدمتُ كل الحيل الممكنة لتحاشي الاشتباك مع عناصر الدورية العربية، ولم يبقَ لي غير الاستسلام بشرط السماح بالاتصال بقيادتنا وكنت أعرف معنى الوعود في مثل حالتنا"(35).
وفي رواية (كوابيس شرق أوسطية-ج1) نقع على بعض صور الإذلال التي تستهدف الذات الفلسطينية المجبرة على استخدام المعابر العربية والمطارات: "سأتعرض لمضايقات عديدة، يكفي أنني فلسطيني حتى يُستنفر كل رجال الأمن في المطار، قهر، ذل، فأي مبرر لكل هذا الإذلال والإهانات المشينة؟"(36).
إن هذه العلاقات التي تمتلئ بصور الأخ العربي الأكبر (المتسلط)، قد تعطي للوهلة الأولى انطباعاً بسلبية العلاقة، أو انقطاعها بين الذات الفلسطينية والذات العربية، وهذا ما تنفيه الحقائق والوقائـع التاريخية والسياسية، فالصور هنا تفرق بين النظام القامـع، وبين الإنسان العربي المقموع "لأن الذات الفلسطينية أدركت حتى في أحلك لحظـات تمزقـها ومعاناتها أن انتصارها وصمودها لا ينفصل عن الذات العربية، وأن الـذات الفلسـطينيـة المقاوِمـة تظـل جزءاً من حـركـة النضـال العربيـة الواسعة، رغم تعثر مسيرة هذا النضال"(37).
* * *
مما تقدم يُلاحَظ أن الرواية الفلسطينية احتفت بالذات العربية في مجابهة الهيمنة الصهيونية التي استهدفت الإنسان العربي في فلسطين والبلدان العربية المجاورة.
من هنا استمدت النماذج الروائية في الروايات -موضوع الدراسة- إيمانها بالقومية العربية الملاذ، وبرمزها (جمال عبد الناصر) رغم الظلمة والإحباطات وحالات التشرذم.
لتظل الذات التي تستمد نماءها من الجذر العربي على يقينها بأن الوحدة العربيـة
هي السبيل لتحرير فلسطين، وإعادة الحقوق السليبة المصادرة، محتفظة في حبات قلبها بصور حراس الأمة ممن رووا بدمائهم عروبة فلسطين، لا فرق بين مقاتل أو شهيد من هذا القطر العربي أو ذاك، ما دام شعار (بلاد العرب أوطاني) عصياً على الانكسار.
في الجانب المقابل يمكن القول أن هزيمـة 1967 قد صبغت الرواية الفلسطينيـة ببعـض الرؤى السلبيـة التي تُرجـمت مـن خـلال تأنيـب الذات وجلـد الأنظمـة المتسلطة التي حُمِّلت بالعديد من الانتقادات والنعـوت الساخـرة التي تبدو من خلالها
معاناة الذات الفلسطينية المحاصَرة في أكثر من صعيد.
ورغم تلك الصور السلبية، فإن الذات الفلسطينية لا تفقد -حتى في أحلك لحظات تمزقها- القدرة على الفرز بين أنظمة القمع، وبين الإنسان العربي الذي مزقته التجارب الفوضوية والفردية التسلّطية، لتؤكد الروايات من خلال ذلك على عمق اللحمة، وأن تحقيق التقدم المنشود لا ينفصل عن الذات العربية الكلية.
* * *
* أمين النشر والعلاقات العامة في الاتحاد العام للكتًاب والأدباء الفلسطينيين.
* * *
(الهوامـــــش)
1- ينظر: عبد الإله بلقزيز، القضية الفلسطينية في إطار عربي، عن: الندوة الفكرية السياسية-خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين- المركز القومي للدراسات والنشر، غزة، يونيو 2000، ص 602-603.
2- مصطفى عبد الغني (د)، الاتجاه القومي في الرواية، عالم المعرفة، العدد 188، الكويت، أغسطس 1994، ص21.
3- السيد يسين، الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1993، ص85.
4- محمد نجيب التلاوي (د)، الذات والمهماز، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص26.
5- عبد الوهاب المسيري (د)، التجانس اليهودي والشخصية اليهودية، دار الهلال، القاهرة، نوفمبر2004، ص 300 .
6- سحر خليفة، رواية: الميراث، ط1، دار الآداب، بيروت، 1997، ص89.
7- السابق، ص188- 189.
8- السابق، ص 190.
9- غريب عسقلاني، رواية: نجمة النواتي، اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، القدس، 1999، ص80.
10- السابق، ص79.
11- زيد أبو العلا، رواية: جواد، جماعة الإبداع الثقافي، ط1 ، فلسطين، ديسمبر 2000، ص94.
12- على عودة، رواية: بكاء العزيزة، ج1-العين-، ط1، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، يوليو 2001، ص 155.
13- الفالوجا قرية فلسطينية تنسب إلى الصالح شهاب الدين أحمد الفلوجي، الذي هاجر إليها من بلدة الفلوجة العراقية في القرن الثامن عشر، دافع أهلها ببسالة عن قريتهم إلى جانب الحامية المصرية بقيادة (جمال عبد الناصر) حينما حُوصرت القرية من الصهاينة لمدة ستة شهور عام 1948.
للمزيد ينظر : الموسوعة الفلسطينية ، المجلد الثاني ، ط1 ، 1984 ، دمشق ، ص 60.
14- غريب عسقلاني، رواية: جفاف الحلق، منشورات المركز الثقافي الفلسطيني، رام الله، 1999، ص34.
15- جمال بنورة، رواية: أيام لا تنسى، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1988، ص119.
16- طلال أبو شاويش، رواية: نستحق موتاً أفضل، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، غزة، 2005، ص99.
17- بشرى محمد أبو شرار، رواية : أعواد ثقاب، منشورات ندوة الإثنين، 2003، ص 97 - 98.
18- رواية: جواد ، مصدر سابق، ص19.
19- الفريق محمد عبد المنعم رياض (1919 - 1969 ) من أبطال العسكرية العربية المصرية، شارك في حروب 1948 و1956 و1967، أدار معارك المدفعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على الضفة الشرقية لقناة السويس، استشهد بتاريخ 9 مارس 1969 في خط المواجهة الأمامي مع العدو بالقرب من الإسماعيلية أثناء احتدام معارك المدفعية.
للمزيد ينظر :
- الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث ، ط1، 1984، دمشق، ص 181.
- موسوعة السياسة، رئيس التحرير د. عبد الوهاب الكيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1983، ص 75 - 76.
20- بتاريخ 8 إبريل 1970 قام الإسرائيليون بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في حي الصالحية بمحافظة الشرقية بمصر، وأسفرت تلك المجزرة عن استشهاد (47) طفلاً في المرحلة الابتدائية.
21- رواية: جواد، مصدر سابق، ص26.
22- السابق، ص 27.
23- يوسف العيلة، رواية: غزل الذاكرة، اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، القدس، 2000، ص 123-124.
24- غريب عسقلاني، رواية: ليالي الأشهر القمرية، ط1، منشورات مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، 2002، ص 31-32.
25- محمد نصار، رواية: صرخات، دار البشير، غزة، 1996، ص20-21.
26- علي عودة (د)، علاقة الأنا مع الآخر في روايتين من قطاع غزة، عن المؤتمر العام للغة العربية، قضايا الأدب واللغة والتحديات المعاصرة، ج2، ط1، الجامعة الإسلامية، غزة، 2001، ص626.
27- عزيز حيدر، الآخر العربي والآخر الفلسطيني والآخر الإسرائيلي في نظر الفلسطينيين في إسرائيل، عن ندوة: صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً إليه، مرجع سابق، ص698.
28- علي عودة، رواية : بكاء العزيزة -الجزء الثالث، الدخان-، ط1، مطبوعات وزارة الثقافة الفلسطينية، غزة، 2005 ، ص 59-60.
29- عبد الله تايه، رواية: العربة والليل، وكالة أبو عرفة ، القدس ، فبراير،1982، ص80.
30- رواية: نجمة النواتي، مصدر سابق، ص99- 100.
31- رواية: جواد، مصدر سابق، ص80- 81 .
32- رواية: نجمة النواتي، مصدر سابق، ص 100.
33- رواية: العربة والليل، مصدر سابق ص31.
34- السابق، ص38.
35- رواية: جواد، مصدر سابق، ص30.
36- طلال أبو شاويش، رواية: كوابيس شرق أوسطية، ج1، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، غزة، 2006، ص19.
37- علاقة الأنا مع الآخر في روايتين من قطاع غزة، مصدر سابق، ص628.
|