المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الجزء الثاني.. وما حيلة سراب بعد ذلك ؟

هاهو الرسول الذي أرسلته سراب ليكون ترجمان مشاعرها، واحساسها عند من جعلته غايتها ومناها، قد عاد لتوه وأخبر سيدته بأن الرسالة وصلت...
   يا الله! ماذا فعلت؟ هل حقاً أنني قلت لخطار أنني أحبه؟  يا ليتها كانت القاضية! هل حقاً أنني لا أملك بين جوانحي ما أخفيه عن الناس الآن؟
آآآه!
ـ أرجوك قلي يا ميسور أنك لم تجده ولم تعطه الرسالة أرجوك..؟
ـ مابالك يا سيدتي؟ لقد وجده وأعطيته رسالتك، ولو لم أجده لبحثت عنه بين ألوف أهل الأندلس حتى أجده، حتى لا تشكي أنه سيخيب رجاؤك فيّ وقد أمضيت في خدمتك هذا العمر.
سكتت سراب لحظات وهي تحدث نفسها: “كم تمنيتك عاقّاً هذا اليوم فقط”
ـ لا بارك الله مسعاك، اذهب الآن وكن يقظاً فلربما يصل رسول بنبؤنا بالرد لا سمح الله.
وأكلها الهمّ حتى لم تستطع النوم الا غفوات، وهي تفكر في لسان حال خطار وهو يقرأ رسالتها وفيها صادق مشاعرها، أهي العجلة وعدم التدبير؟ أم أنها الحماقة التي جعلتها ترسل تلك الكلمات؟
وما فائدة الندم، وقد يكون الآن حبيبها يكتب جواباً يجفف منبع صفائها، ويخطف لحظات السعادة من عمرها، ويجعلها المغلوبة على أمرها من بين نساء العالمين.
دارت الأيام والمشاعر تزداد في توهجها بقلب سراب حتى بدأ يأكلها الشوق والندم، باتت الحيرة هي سمتها الغالبة، فطفقت من تلك الحالة وراحت في النوادي والاحياء تحادث وتلهو وتسمع حتى تجد من حالتها فرجة وراحة.
وفي إحدى ليالي الربيع الباسمة طرقت عليها الباب إحدى جليساتها المحببات، وكان اسمها “فواكه” وكان لها نصيب من اسمها حيث تجمع من الكلام والاخبار عند الناس كما تجتمع أصناف الفاكهة عند بائعها، وقد وجدت في وقتها سعة وفي قلبها اشتياق إلى سراب ففكرت لو تزورها وتطعمها من فواكه اخبارها ونوادرها ما تشتهيه وتستلذ به.
ـ أهلا بك يا فواكه، يعلم الله مدى شوقي إلى صفاء مجالسك وعذب حديثك.
ـ آه، تعلمين يا سراب أني لا أرتاح في بيتي ساعة، وإنني لفي شغل دائما، ولكن ما إن رأيت في يومي متسع حتى أقبلت عليك إقبال الولهانه”وضحكت ضحكة سمعها الجيران”
ـ تفضلي واجلسي حتى تشربي قهوتك ونتفاكه الحديث يا فواكه”وتبادلتا الضحكات”
مرت الساعه الأولى بين سراب وفواكه بالضحك والاخبار وأحوال الناس دونما يعكرها معكر، حتى بدأت فواكه بالحديث عن ذلك الخبر العظيم:
ـ لقد علمت أن خطّار يفكر بالزواج هذا العام وقد تبادر إلى علمي أن ميمونة هي إختياره، لقد علمت هذا من أمه في مجلس الاربعاء عند أم داود.
ـ ..........!
ـ مابالك يا سراب لم تضحكي كما ضحكت عندما أخبرتك بعشرات الاخبار مثيلتها؟، ومابال وجهك قد تغيير؟ هل هناك من بأس؟
ـ ها.. لا، أبدا ولكني كنت افكر في أمر ما وقد انتبهت للتو، عن من كنت تتحدثين؟
ـ عن نية خطار بخطبة ميمونة، ولكن الامور ليست يسيرة كما تعلمين، فوالدها في تجارته بإشبيلية، وقد مضى عليه هناك أكثر من شهر ولم يرجع.
ـ يا فواكه أنني في غاية الخجل منك ولكني أجد ألماً حاداً في رأسي، وكأنني أحتاج لزيارة الطبيبة، ارجوك أن تسامحيني.
ـ ألف سلامة عليك يا حبيبتي، لو علمت بهذا لما كنت أوجعت رأسك بكل تلك الأخبار.
فقالت سراب في نفسها”انه خبر واحد وليس كل الأخبار”
ـ لا بأس سأزروك قريباً انشاء الله.
فخرجت فواكه والدنيا تلعب بسراب، وكأنها رأت الشيطان الأكبر، فأسندت رأسها إلى الباب بعد أن أغلقته وراحت في ألف فكرة وفكرة.
ضاقت الدنيا على ما فيها من رحابة وسعة، وأظلمت جنباتها على ما تملؤه أشعة الشمس من الضياء، فما الحال الآن بخير مما كان عليه بالأمس، وقد انقشع الغبار عن ذلك القلب وهواه، وعن سرّ عدم إجابته لي، وما ذنبي وقد ظننت قلبه خالياً؟ يعلم الله أني لا أدخل بين اثنين وأفرق قلبيهما، وما نقص من حبّ خطار في قلبي قيد أنملة.
  هاهي الأيام تمضي والشهور تنقضي ولم يرجع والد ميمونة، وقد استبطأته زوجته فأرسلت من يستعجله، فما كان من الرسول الا أن شق طريقه نحو اشبيلية يتعجل سيده، ويبلغه رسالة زوجته.
وكان والد ميمونة قد علم بوصول بضاعة نادرة هناك، وأحب أن يبادر إليها فيكون له السبق بين التجار، ولمّا كان الطريق غير مأمون إلى اشبيلية، فقد رأى أن يصحبه جمعٌ من أهله، فكان معه إخوته الثلاثة وابن أخيه ومجموعة من الأصحاب.
فوصل إلى مبتغاه واشترى من البضائع ما يسد به حاجته على مدى سنوات، ولكنه أحب أن يرتاح هناك من طول السفر وقد شعر ببعض التعب وهو في الخامسة والستين من عمره لا يقدر على مشاق الرحلة الطويلة دون راحة في منتصفها.
ومر على بقائهم في اشبيلية اسبوعين حتى أنهم تجهزوا للعودة والسفر من اليوم التالي، فحُملت الأمتعة والبضائع وكل مايلزمهم للطريق.
وشاءت الأقدار أن تصيب أبو ميمونة حمّى أقعدته وأخرت رحيله، فقال لإخوته وكان هو أميرهم في الرحلة: إرجعوا انتم بالبضائع والامتعة حتى لا يستوحش من غيبتكم الأهل والأقرباء، واتركوا معي حمّاد ابن اخي نلحق بكم إن شافاني الله قريبا بإذنه، فشاوره بالأمر واستشاروه ولكنه أصر على رأيه حتى قالوا: سمعاً وطاعة، ورحل الجميع وبقي معه حمّاد يرعاه وكان شاباً قويّاً فتيّاً، في الثلاثين من عمره.
وما كانت الأيام تمر إلا وحالة والد ميمونة من سيء إلى أسوأ، وعجز الأطباء أن يجدوا له علاجا وقد تقدمت به السن وأعياه المرض، فقال لحمّاد وهو على سريره يتصبب عرقاً، وشفتاه ترتجفان من شدة الحمّي: أراني يا ابن أخي وقد نفدت حيلتي أمام هذه المحنة، ووالله لا أعلم إن كان في حياتي متسع لأبلغ وطني وقد كان ما كان، فإذا قضى الله مشيئته وصرتُ في خبر السابقين، فإنني أوصيك بأهلي خيراً، وإن لي منهم ماهم أغلى عندي من حياتي، زوجتي وابنتي ميمونة، فلا تقضي من حوائج نفسك شيء قبل حاجتهم، وإني تاركهم وليس لهم غيرك.. فارتخت عيناه، وذبلت شفتاه، واصفرّ وجهه، وقد علم حماد أن عمه قد فارق الحياة.
فبكى بكاء من فقد كبير قومه وعائلته، وكيف سيخبر من سبقه إلى وطنه، والأعظم من ذلك أنه سيواجه زوجته وابنته، فبأي خبر يلقاهم، وهو الذي بعد الآن متولي حاجتهم ورعايتهم بعد عمه.
هاهو يستعد للسفر والعوده، وفي نفسه مرارة الفقد، وما ينتظره من مشقة السفر، وما بعده في وطنه.
وفكر في اهل عمه، وفي ابنة عمه ميمونة التي تصغره بثلاث سنوات، وقد كان يألفها عندما كان صغيراً ويحترمها بعد أن كبرت وشبّت، وأصبحت تلفت نظره وتثير إعجابه بعد ما نضجت وأصبحت في عداد النساء.
وبعد يوم كامل من التفكير والتدبر، لم يجد خير من أن يتزوجها لكي لا تبقى بلا معين وهو الآن بمثابة الغريب، ولن يكون زواجه رأفة ورحمة، فميمونة ممن يطرق بابها الخاطبون ويسعى لقربها الساعون، وما إن وصل المدينة حتى لقي رجال بيته وأعلمهم الخبر وكلّف أمه بإبلاغ أهل بيت عمه ومواساتهم حتى يتدبر من أمره مايرى.
فرح خطاّر بمقدم أهل ميمونة، ولكنه لما علم بخبر وفاة أبيها، أصابه الغم والحزن، فنزلت منه دمعتان، واحدة على روح ذلك الشيخ الجليل، وأخرى أكثر حرارة على ما تخيل من حال حبيبته ميمونة وهي تفقد والدها، وقلوب النساء كعش الطائر، لا يقوى على مصيبة كهذه حتى تتفطر، كما يتناثر العش بفعل الرياح الشديدة.
وبعد انتهاء العزاء، وانقضاء أيام الحزن الأولى، دخل حمّاد على زوجة عمه ليواسيها وليخبرها بوصية زوجها، وما عزم عليه من خطبة ميمومة، حتى يكون بذلك قد وفّى لعمه وبرّ بما عاهده عليه.
ولم يكن حمّاد ليخفي نيته عن رفاقه وأهله وقد انتشر خبره في من حوله، حتى علمت به سراب..

يتبع الجزء الثاث والأخير .....



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."