المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
غزة، والفيسبوك ... وأشياء أخرى

 

غزة، والفيسبوك ... وأشياء أخرى

 

 

 

 

 

لست ممن تبنى الفكرة لا إبان ظهورها ولا حين قرب أفولها، ومع أني أحرص على متابعة ما تجود به قرائح صانعي التقنية الإنترنتية، نسبة إلى الإنترنت، لم يستهوني التسجيل في الموقع ولا مشاركة تفاصيل حياتي واهتماماتي مع "الأصدقاء" و"الصديقات"، ورغم إلحاح الكثيرين، ورغم علمي بأني أستطيع أن أتصيد فيه أخبار من يهمني أمرهم، وأنني أستطيع تكوين المجموعات التي تدافع عن أفكاري وقناعاتي في مجتمع يعج بالرأي والرأي الآخر واللارأي، بل حتى أنها كانت تأتيني أخبار الداعية الفلاني والمنشد العلاني ومقدم البرامج الشهير الذين سجلوا في الموقع، لكن قراري القاطع بالحفاظ على مسافة الأمان لم يتزحزح قيد أنملة.

مرت سنوات، طلبت معرف أحدهم لأستكشف عن قرب ما آلت الأمور، بحثت عن أسماء أناس أعرفهم وانقطع اتصالي بهم منذ سنين، وعن أشخاص آخرين شاركوني السكن، أو العمل، وعن وعن وعن..

وبالفعل، وجدتهم وصورهم، وأصحابهم وعوائلهم واهتماماتهم واختياراتهم في الحياة، وتوجهاتهم السياسية وأذواقهم الموسيقية وأكلاتهم المفضلة والبرامج التلفزيونية التي لا يفوتونها، أبطالهم، قدواتهم، مزاجهم..

علمت عنهم بكبسة زر أكثر مما علمت عنهم على أرض الواقع!

لن أطيل عليكم بوصف دهشتي واستغرابي واستهجاني ومناقشة الحس والوعي الأمني لدى هؤلاء لأن القادم يبرر الكثير، فالشاهد عندنا، وكما يشهد على ذلك العنوان أعلاه، هو حين كنت أصادف صور : كلنا غزة، سعدت في أول الأمر، شبابنا لا يزال يتذكر غزة، ويرفعها شعاراً في الفيسبوك، ويعتز بنصرتها، لم تدم فرحتي طويلا، لأني في النهاية اكتشفت أن من يضع صورة غزة، هو نفسه من يفضل أغاني Pink، وينتمي إلى مجموعة معجَبي المطربة نانسي عجرم وإليسا، وأنه يعتقد أن توم كروز قدوة له، وأن مشروبه المفضل هو الكوكاكولا، ولديه اهتمام واسع بمجال السيارات، ولديه عدد لا بأس به من الصديقات "المشلحات"، وإن كانت فتاة فأصدقاؤها "الجنتل" دائما يمرون من هنا ليتركوا لها تعليقاً "وااو" على جدار مساحتها الشخصية.

اكتشفت أخيراً أن الظاهرة أوسع من أن أحدها بأمثلة، اكتشفت من خلال التعليقات سخف من كتبوا ومن يردون عليهم، حتى حين يتعلق الأمر بالأمور الأكثر جديةً، وأن جيلا كاملا هنا يجعل من إقامة الصداقات وتبادل الصور وترك التعليقات أهم الأمور التي يفعلها حين يدخل إلى مساحته في العالم السرمدي للفايسبوك.

أحب أن أستثني من يُستثى، لكنهم نذر يسير من سيل جارف، فإني أستغرب كيف يجتمع في قلب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستمتاع بأغاني مايكل جاكسن، أستغرب أن يظهر في السطر الأول كيف يحز في قلب شخص ما أن يُقتَّل أهله في غزة تقتيلا، وفي السطر الثاني يعدد مناقب توم كروز الحاقد على العرب، أستغرب أن تعتبر الشيخ أحمد ياسين من العمالقة الذين غيروا التاريخ، و تكتب عند إحدى الصديقات، رائعة أنت في الصورة، أستغرب من أن تدعي حب وطنك، وفي نفس الوقت، كل كلامك يدل على أنك شخص ممسوخ الهوية لا تربطك بوطنك سوي بطاقة تعريف وطنية..

الكلام كثير، لا أدري هل يسامحنا أهل غزة ومجاهدوها إن زارونا على الفايسبوك، وإن سامحونا، أين نحن من الله عز وجل الذي يقول في محكم التنزيل:

(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) )الأحزاب: 4(.

ذاك بيان حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون له قلبان مفتوحان أحدهما للتوحيد مثلاً والآخر للشرك، أحدهما للإخلاص والآخر للرياء، أحدهما للحقيقة والآخر للكذب. أحدهما للحق والآخر للباطل. الأبيض أبيض، والأسود أسود. فعندما يختار الإنسان، يكون خياره واحداً، ومن يتوه بين الطرق، لا يستطيع أن يتخلص من التشويش والضياع في عالم الفكر ولن يصل إلى أي مكان.

لا نستطيع أن ننتصر طالما لم نحدد سبيلنا وخياراتنا، لا نستطيع أن نكون نحن نحن، سنظل مجرد معرفات على الفيس بوك، تهتف حسب المواسم وحسب الرائج، وتغرق في بُعدها عن الحق، وتَحيك من وعي أو بدونه، أثواب الهزيمة لهذه الأمة. نحن لسنا تلك الدمى التي يعبثون بها كما شاؤوا، آن الأوان أن نفتح هذه العيون التي سكنت المحاجر وأغلقت عليها الجفون، آن الأوان لنكسر القيد، وننصر غزة.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."