ليلة أمس لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي. ولا أعتقد أنها ستمحى من ذاكرة أغلب متساكني العاصمة اللذين استفاقوا أواخر الليل من سباتهم مذعورين. كنت أحد اللذين انهارت أعصابهم خوفا. والسبب...عاصفة.. رعد وبرق وأمطار كثيفة...
ربما اعتقد كل شخص أن الصاعقة تدك بيته لا محالة... فمنا من ارتعدت فرائصه خوفا ومنا من أغمي عليه ومنا من شد الغطاء بكل قوة اليه ومنا من التصق بزاوية غرفته في أبعد نقطة على النافذة.. منا من صرخ لا إراديا ومنا من جاهد ليكبت صرخته ومنا من انهمرت عيونه بالبكاء. منا من تظاهر بالقوة فقط ليثبت لمن معه أنه قوي والله أعلم بخفايا الصدور.. ومنا من تذكر فجأة أن بالبيت كتاب قرآن وأن الله هو المسير الوحيد لهذا العالم... ومنا من بسط يديه للدعاء... هذا في ما يتعلق بمن كانوا في بيوتهم أثناء العاصفة أما من كانوا خارجا فحدث ولا حرج... والسبب دائما.. فقط عاصفة.. رعد وبرق وأمطار كثيفة...
وأنا في ذروة الخوف احتقرت ضعفي وتمنيت من أعماقي أن تغطي هذه العاصفة كل تراب العالم العربي.. تمنيت لو يصيبهم بعض ذاك الشعور بأن انفجارا ما سيحدث في أية لحظة، في أي مكان، لأي شخص.. تمنيت لو تهزهم الصاعقة فيتركون مضاجعهم ولو لحين.. ويحملهم خوفهم لغزة ولو لحين..
احتقرت نفسي واحتقرت العالم من حولي واحتقرت هؤلاء اللذين يغطون في سباتهم وكأن شيئا لم يكن...
احترقت نفسي... وغزة تحترق تحت رعد العدو وبرقه وصواعقه التي لا تنتهي.. صواعقه التي لا ترحم أحدا ولا تستثني بيتا.. صواعقه التي تدمر الأخضر واليابس والأحياء وحتى الأموات... صواعقه التي تقتلنا وتقتلهم في اليوم آلاف المرات...
مالي إلا أن أنحني لك إجلالا وإكبارا يا غزة العظيمة...