محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
من يوميّات تونسيّة: الحلقة الثانية
رفعت رأسي على الكمبيوتر بعد ساعات من العمل المتواصل فأحسست بالدوار. الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ظهرا. يجب أن أعود إلى البيت فورا وإلا أغمي علي من التعب والجوع. مشيت ببطء إلى محطة الحافلات وكأنني أخاف أن تنزلق هذه الكتلة المؤلمة فوق كتفي فتهوي أرضا. كم أشعر بالضعف عندما يصيبني مثل هذا الصداع. لا معنى لأي شيء أمام الألم. حتى ورقتي النقدية الأخيرة لم يعد لها أية قيمة. هذه المرة، لا مجال للاختيار فحالتي الصحية لا تسمح بذلك...
سعدت بوجود كرسي شاغر في المحطة فرميت عليه ثقلي وكأنني لم أجلس منذ زمن. وقفت الحافلة '38ب' القادمة من المركب الجامعي والمتجهة نحو 'تونس البحرية' فلم أعرها اهتماما. لا أحب أن أستكشف داخلها. قد يصيبني الغثيان لو فعلت. أعرف أنها متراصة كعادتها ساعات الذروة. وأعرف أيضا أنني لو امتطيتها فسأضطر للنزول 'بشارع محمد الخامس' لأكمل بقية المسافة نحو’باب الخضراء’ على القدمين. ثم لا أعتقد أن هاتين القدمين المرتعشتين ستفلحان في تحمل ثقل هذا الرأس المؤلم مسافة طويلة...
الحمد لله أنني لم أنتظر كثيرا. وقفت مسرعة حالما أطلت الحافلة الخضراء. يجب أن أقف على حافة المعبد وأومئ للسائق بيدي لأضمن وقوفه وإلا تركني ومضى في حال سبيله.. أحترم كثيرا سائقي الحافلات في هذه المدينة لأنهم الوحيدون الذين يطبقون عن جدارة شعار 'دعني أعمل، دعني أمر..' لكنهم يصرون على إضافة '...ودع المواطن ينتظر'...
صعدت الحافلة. بعض الأماكن شاغرة. جلست على أول مقعد صادفني في حين كانت عيناي تبحثان عن قاطعة التذاكر. كانت بادرة متميزة في مجال النقل في السنوات الأخيرة عندما قررت شركات النقل الخاصة انتداب شابات لمهمة قطع التذاكر. فما أجمل أن تستقبلك، وأنت في سفرة صباحية أو بعد يوم متعب، فتاة رقيقة بابتسامة عريضة وبكلمات حلوة ك 'تفضل ويعيشك وشكرا وربي يخليك'...
كنت أخرج ورقتي النقدية عندما التفتت لي شابة سمراء تحتل الكرسي المقابل على يميني ومدت لي ورقة صغيرة. قد تكون التذكرة! مددت يدي لآخذ الورقة فرمقتني الشابة بنظرة خلتها مليئة بالحقد. لم أهتم. مددت النقود في المقابل مبتسمة لكنها تجاهلت ابتسامتي وأخذت الورقة بشيء يشبه الغضب أو فلنقل ربما تهيأ لي ذلك، فالتعب وضغط العمل وهذا الصداع العنيد قد يجعلنني أخلط الأمور. حولت ناظري عنها في انتظار أن تعطيني باقي العشرة دنانير، لكنها لم تفعل. التفت إليها مرة أخرى أستكشف الأمر فإذا هي تتجاهلني وتغلق حقيبة النقود السوداء التي بين يديها. ربما بدت علي الحيرة للحظات وعيناي تسرحان بين القسمات الجانبية لوجهها المقطب وحقيبة النقود السوداء. بعد صمت لا مبرر له نطقت دون أن تعيرني الكثير من الاهتمام: 'لن أعطيك الباقي، ليس لدي نقودا كافية'
نزلت الكلمات كاللكمات على رأسي لتضيف لصداعي بعدا اخر أشد ألما. لا شك انها تمزح... لكن أيمكن أن تكون هذه التقاسيم الصارمة والنظرة الغاضبة والكلمات الباردة لشخص يمزح ؟.
- عفوا.. لم أفهم
- سأعطيك وصلا لتتمكني من استرجاع الباقي لاحقا
هي لا تمزح اذا.
- لكن كيف ذلك؟! هذا غيرمعقول!!
- يمكنك استرجاعها من إحدى الحافلات الأخرى التي تنتمي لنفس الشركة باستظهار هذا الوصل..
تخيلت نفسي أقف على الطريق أومئ للحافلات الواحدة تلو الاخرى علني أجد من يتكرم علي بنقودي بعد أن أجهد نفسي في اقناع السائق بأنني لا أنوي الركوب وربما قبل أن أفعل ذلك يكون قد شارف على المحطة التي تلي... كم من الوقت سأقضي تحت أشعة شمس الصيف الحارقة بهذا الرأس المؤلم وهل سأتمكن في نهاية الأمر من استرجاع نقودي أم سأضطر لرفع الأمر الى ادارة الشركة.... ربما اقتضى الأمر أياما وأيام!!!! ارتعدت فرائصي لهذه الأفكار.. لا يمكن أن أبقى دون نقود ولو لساعة واحدة!... كذلك هذه الطريقة الجافة التي تحاطبني بها الآنسة كم تضاعف غيضي..
استجمعت كل ما أملك من برودة أعصاب تفاديا لاثارة المشاكل وقلت بهدوء: 'معذرة، لكنني لن أقبل هذا العرض فأنا في حاجة لنقودي..'
أمام إصرارها على موقفها بالفظاظة نفسها، وجدتني عن غير قصد ألقي محاضرة حول ضرورة احترام الحريف وحول حقوق كل طرف وواجباته ووجدتني أتحدث عن الاسلوب الامثل للحديث والنظر والاجابة والاعتذار و...
ربما بدا الجدال عقيما أو ربما بدت أصواتنا نشازا في وقت ينشد فيه الكل السكون والراحة. انتبهت لذلك عندما تدخل شاب ليقاطعنا. كان الاستياء باد عليه وهو يخرج من جيبه دينارا ويعطيه لقاطعة التذاكر طالبا منها وضع حد لهذا الموضوع وإعادة الورقة النقدية لي..
شعرت بالخجل الشديد. لم أتعود أن اخذ نقودا من غريب. لكنني أمام موقف كهذا لا أجد خيارا اخر سوى القبول.
أعجز عن وصف حزني وأنا أشكرالشاب بكلمات عقيمة لا يمكنها أن تعبر عن درجة امتناني وخجلي وأسفي..
نزلت من الحافلة ودمي يغلي غضبا ورأسي يتضاعف ثقله مع كل خطوة أخطوها.
في البيت أكلت ما تيسر من 'العجة' ثم أخذت حبتين من مسكن للآلام. ووضعت رأسي على الوسادة طالبة الراحة. أغمضت عيناي فقفزت أمامي صورا متداخلة ملونة بالأصفر والاخضربينها صورة قاطعة التذاكر بنظراتها الحاقدة وصورة الشاب يرمقنا بغضب ووجوه كثيرة لا أعرفها و.....
كنت أحاول جاهدة طرد هذه الصور من مخيلتي لمّا سمعت صوتا يقترب سائلا: ما رأيك في قميصي الجديد...؟ فتحت عيناي قليلا مستكشفة فإذا بالمشهد يستفزني حد الانهيار. وأمام حيرة صديقتي التي تجمدت أمامي في قميصها الأخضرالجديد، وجدتني أصرخ كالمجنونة: لا لا لا.. كم أكره هذا اللون..
|