محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مسار التحول الديمقراطي في العالم العربي
ساد الأمل في العقد الماضي بانتصار قيم الديمقراطية التعددية والحريات العامة وحقوق الإنسان، إثر انهيار الأنظمة الشمولية في الاتحاد السوفيتي السابق وفي أوربة الشرقية، وبفعل الضغوط التي مارستها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على الأقطار الجنوبية المنهكة اقتصادياً. ولقد أفضت تلك الضغوط إلى بعض التحولات الديمقراطية والليبرالية بالسماح بالتعددية الحزبية وتنظيم انتخابات جرت في الغالب تحت إشراف دولي، مما حدا بالرئيس الأمريكي السابق كلينتون إلى الابتهاج منوهاً بأن أغلب سكان العالم في عصره أصبحوا يعيشون في مجتمعات ديمقراطية، ولعل المنطقة العربية تبدو الاستثناء الأوحد في هذه المعادلة الجديدة، ففي الوطن العربي الذي كان أرضية اختبار أولي للمعادلة الدولية الجديدة، لم تتجاوز ضغوط القوى الكبرى العناصر ذات الصلة بالوضع الإقليمي (التسوية الشرق الأوسطية) ولم تتعد في الغالب المطالبة غير الجادة بتحقيق بعض خطوات الانفتاح السياسي.
ومع ذلك فإن أغلب البلدان العربية عرفت خطوات انفتاح سياسي حذر على التشكيلات والقوى السياسية والمدنية اقتضتها عوامل من أبرزها: مطلب الانفتاح السياسي التي رفعته تشكيلات المجتمع المدني، بعد إفلاس الدولة الوطنية واستشراء الفساد فيها وعجزها عن الوفاء بتعهداتها. وإن الإيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي تم تمريرها بضغط غربي، ربطت وثيق الارتباط بين الانفتاح الاقتصادي والتحول الديمقراطي من منطلق الحاجة إلى نظام مستقر يتميز بالحماية الشعبية والتعاطف الجماهيري، ولا شك أن الورقة الديمقراطية مثلت في الآونة الأخيرة عنصراً رئيسياً من عناصر الإستراتيجية الغربية للتدخل في شؤون الأقطار العربية، حتى ولو كانت تعبر عن مطلب داخلي ملّح، وظهور اتجاه بارز لدى صانع القرار الأمريكي إلى فرض الإصلاحات الديمقراطية باعتبار أن غيابها هو السبب العميق لظاهرة الإرهاب والتطرف، إن هذه العناصر الأساسية تفسر الظروف التي تمت فيها إجراءات التحول الديمقراطي في الأقطار العربية التي عرفت مسارات متنوعة: تعددية حزبية كاملة وانتخابات عامة، عودة الحياة النيابية بعد تعليقها، وتنظيم انتخابات بلدية ومهنية وغيرها من الممارسات، بيد أن التحولات المذكورة وإن أدت أحياناً إلى امتصاص جانب من الصدمة السياسية، حتى ولو تغير الطلاء الخارجي، إلا أنها لم تؤد بحال من الأحوال إلى تغير جوهري في بنية الحكم،حسب الدكتور السيد ولد أباه في حوارية مع الدكتور بنسعيد العلوي (عوائق التحول الديمقراطي/ دار الفكر 2006) ويُرجع ذلك إلى القصور النظري حول الديمقراطية، فهو في رأيه لا يخرج عن إحدى مقاربات ثلاث، الأولى النزوع التبشيري الذي يركن إلى إغراء الشعار، والميل الطبيعي للديمقراطية، دون البحث في عوائق وحواجز التحول الديمقراطي، ومقاربة ثانية، سطحية ينقصها الإيمان الحق بها، إذ هي نتيجة توجهات دولية ضاغطة، دون أن يتجاوز هذا التبني حد الواجهة الاستعراضية، ومقاربة ثالثة، ينعت أصحابها بالانتماء إلى نوع من النزوع العلموي (أي ذلك الذي يلبس لبوساً علمياً كاذباً أو متوهماً ويريد أن يسقط عل الواقع موضوع الدراسة، آراءً ومعطيات نشأت في أجواء ثقافية ـ سياسية مغايرة).
ولعل هذه الظاهرة (القصور النظري) لا تنحصر في تناول موضوع التعثر الديمقراطي، بل إنها سمة عامة تكاد تكون ملازمة للخطاب العربي في أغلب القضايا التي يعرض لها. من العوائق التي تقف أمام التحول الديمقراطي ـ كما يذهب العلوي ـ ضعف الدولة ومحدودية مشروعيتها فالدولة في العالم العربي لا تزال في طور البناء و التكوين فعملية البناء، أو إرادته على الأقل تجابهها صعوبات هائلة في مقدمتها أنها جاءت مساوقة لحدث الاختراق الاستعماري، فالاستعمار كان سبباً مباشراً في تسريع عملية البناء، بناء الدولة الحديثة، فقد أحدث شرخاً في نظام الدولة العربية وبنياتها الأساسية (السياسية والاقتصادية)، كما أحدث خلخلة في نظام المجتمع، على مستوى سلم القيم وفي أنماط الروابط الاجتماعية المألوفة حتى ذلك التاريخ، والأهم من هذا أن الدولة لم تعبر عن خصوصية ثقافية ولا عن تطور تاريخي طبيعي، ولا عن خصائص المجتمع وتكويناته الاجتماعية والحضارية. فسرعان ما اشتكت من الضعف الشديد، مصدره أولاً: الافتقار إلى الشرعية السياسية الضرورية (فهي دولة انقلاب قادت ضباط الجيش إلى الحكم، ومكنتهم من الاستيلاء على السلطة) كما أنها لا تمتلك حماية فعلية من المجتمع، فالعلاقة بينها وبينه علاقة قهر من جهة، وصراع غير متكافئ من جهة أخرى. ثانياً: العجز عن الوفاء بالشروط الضمنية لما اقتضاه منها الميثاق الوطني (فلا هي حققت التنمية الاقتصادية، ولا هي ضمنت الحريات السياسية، ولا هي صانت الاستقلال الوطني، ولا هي احترمت أو استطاعت التعامل مع التعددية الاجتماعية والثقافية).كما أن عملية البناء والإصلاح للدولة لم تتمكن من الملائمة بين مشروع بناء (دولة الاستقلال) وبين نزوعها الشديد إلى السيطرة، والهيمنة التامة على كل المؤسسات والمرافق العامة، وتأكيدها لمنحى فردي (استبدادي) أو (دكتاتوري).
إن سياسات التقويم والخصخصة التي اتبعتها جل الأقطار العربية، لم تعبر عن تعديل واعٍ للخيار التنموي، وإنما عكست عمق الأزمة الاقتصادية وعجز الدولة عن تأمين تعهداتها الاجتماعية، ومن ثم لجأت إلى إجراءات صارمة، كرفع الدعم عن المواد الأولية، وتقليص السلك الوظيفي، وتخصيص المؤسسات العامة.. أثارت نقمة القاعدة الشعبية الواسعة، في الوقت الذي أدت إلى استبدال هيمنة الدولة على الحقل الاقتصادي بسيطرة فئة قليلة من المرتبطين بدائرة السلطة.
وهكذا يبدو كيف أن السياسات الرأسمالية الجديدة للدولة العربية كانت عائق أمام أي تحول ديمقراطي، على عكس هذه السياسات في الساحة الغربية التي ارتبطت بالنظم الديمقراطية.ثمة اتجاه بارز في الدراسات الاجتماعية العربية لإرجاع عوائق التحول الديمقراطي في البلدان العربية إلى طبيعة البنيات العصبية والقبلية في المجتمع العربي التي تشكل من منظورها عقبات جوهرية دون تشكل وتجذر الدولة الحديثة، وقيام المؤسسات المدنية الحديثة. ففي النظام العصبي (النظام الأبوي) هو الذي يحكم حياة الفرد العربي فيخضع فيه إلى نظام واحد بأشكال مختلفة تقوم كلها على السلطة والإرادة الواحدة التي تجد نموذجها البنيوي وأصلها التاريخي في سلطة الأب. كما أن المدنية والبنية العربية بعامة لم تستطع بعد أن تولد قوتها المجتمعية التضامنية والفاعلة لحكم نفسها بنفسها، ولم تطور القوى الريفية لتحويلها إلى قوة مساندة للمجتمع المديني والمدني، كما يراها محمد جابر الأنصاري (العرب والسياسة، أين الخلل)، فالسلطة وكذا القوى الشعبية " ما زالت محكومة في مسلكها السياسي بتكوينات مجتمعية وبُنى عصبوية" عاجزة عن التأقلم مع الديمقراطية.بينما ينحى السيد ولد أباه منحاً مغايراً فالقبيلة عنده لا تشكل خطراً وعائقاً دون النقلة الديمقراطية، بل تقوم بوظيفة إيجابية، إن لم نقل أنها من لوازم الديمقراطية السليمة ومكملاتها فهي تقوم مقام القوى المضادة على غرار ما تقوم به الصحافة أو جمعيات المجتمع المدني، فكان للقبيلة دور في موريتانية في استيعاب المطرودين من السنغال، عقب الصراع الذي قام بين الجارتين، ومن ثم في احتواء الصراع ومجاوزته، كما أن القبيلة في اليمن والأردن لا تزال تقوم بدور إيجابي في تعويض جانب واسع من وظيفة المجتمع المدني الذي مازال هشاً مشلولاً في أغلب الأقطار العربية.ما كشفته شتى الانتخابات التعددية التي نظمت في البلاد العربية، عن هشاشة وضع القوى الحزبية الرئيسية الفاعلة، حتى أعرقها حضوراً وأكثرها تجربة ( حزب الوفد المصري مثلاً) يعتبر حجر عثرة أمام أي تحول ديمقراطي، وبغض النظر عما واكب الانتخابات المذكورة من تزييف وتزوير وقصور في التحضير والإرادة، إلا أن الحقيقة الماثلة أمامنا هي أن المشهد السياسي العربي يشهد حالياً تجاذباً حاداً غير صحي بين الجهاز الحزبي الحاكم والقوى والتيارات المتمردة الخارجة على الشرعية أو المقصية منها. فإن علاقة الأحزاب العربية بالنسيج الاجتماعي عادة ما تكون معدومة أو إشكالية خطرة، فهي إما أحزاب انقلابية على المجتمع نزاعه للوصاية الأبوية عليه، باعتباره " متخلفاً" و" قاصراً"، أو هي تشكيلات برغماتية تتحرى محض النجاعة العملية وتتحصن بالإرث الأهلي وتوطده، مما انجر عنه إخفاق بعض التجارب الديمقراطية التي بدت واعدة ومثيرة، وهو الخط نفسه الذي تنتهجه أحزاب السلطة المسكونة بالهاجس الأمني، والمتمتعة بقدرات الدولة وأجهزتها الرقابية وطاقتها الإدماجية. وتنعكس هذه الظاهرة بالسلب على الممارسة الديمقراطية من حيث اختلالها التمثيلي ( انعدام الانسجام المطلوب بين القطاعات الشعبية وممثليها المفترضين)، فهي تختلف عن تجربة الأحزاب السياسية الغربية التي تتحدد حسب شرطين متلازمين: إيديولوجي ومجتمعي. فالمعيار الأيديولوجي يتمثل في ما يحمله الحزب من مشروع ثقافي سياسي، للتعامل مع القضايا والإشكالات المطروحة في السياق الوطني المحلي، أما المعيار المجتمعي: فهو القدرة على التعبير عن مصالح ورؤى فئة بعينها، أو طبقة من طبقات التركيبة الاجتماعية، فهذين الشرطين مفقودان في التجربة العربية.
لتجاوز تلك العقبات والعوائق لا بد من شروط ضرورية باجتماعها يكون حلول الديمقراطية ممكناً، وبانتفائها تصبح مستحيلاً، من أهم تلك الشروط تحقيق مبدأ (تداول السلطة)، القول من جهة أولى بالتداول السلمي على السلطة وفقاً لمقتضيات (ميثاق سياسي) ضمني صريح، والقول بوجوب مراقبة السلطة والاعتراض عليها ضمن الشروط القانونية المتعارف عليها من جهة ثانية، ولا شك أن الفكر السياسي العربي المعاصر محق في التأكيد على هذه الصفة وإبرازها، فهو الغائب الأكبر في الوجود السياسي العربي الحديث، ولكن دوران السلطة في الإمكان تحققه دون أن تتحقق الديمقراطية في معناها العميق ودلالتها البعيدة، فلا بد لذلك التحقق في الحياة العملية من توافر ظروف معلومة واجتماع شروط أخرى مصاحبة، ولعل في مقدمة تلك الشروط، الرغبة الحق في الديمقراطية، فهذه الأخيرة "دعوة وهي مسألة التزام بقيم وسلوك معين " وإن مغزى الفصل بين السلطات الثلاث يكمن في الدفاع عن هذه الرغبة الصادقة في الديمقراطية، أما الشرط الآخر فهو توافر الديمقراطيين، أي وجود من يؤمن بالديمقراطية سبيلاً ووسيلة للارتقاء بالوطن، فلا بد من وجود النخبة التي تسعى وراء تحويل المفاهيم المجردة والمفارقة للواقع، إلى قوة فاعلة وقادرة على التأثير والفعل في العقول والنفوس.
ويلزم أن نضيف إلى الشرطين المتقدمين، آخرين هما شرطا وجوب وصحة، الأول وجود الدولة الحديثة التي من خلالها تضمن القوانين والتشريعات التي تسهّل التحول إلى الديمقراطية ولا تقف عائقاً أمامه، أما الثاني فوجود المجتمع المدني ومكوناته (ائتلاف المصالح، ضمور الروابط القبلية والعشائرية، واختفاؤها لمصلحة روابط المواطنة والانتماء إلى المجتمع الواحد، الاجتماع على أسس الحرية والعقل والمسؤولية الفردية..).
أخيراً هل يمتلك العالم العربي كل هذا ويطيقه؟ ذلك هو السؤال الذي نقدّر أن الإجابة عنه تكمن في تشاؤم سهل ميسور، مثلما لا تقوم في تفاؤل كاذب هو أشبه بالهروب من واقع الوجود إلى وجود لا إمكان له في الواقع.
أيمن حاج أسد
|