محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نافذة..
الاطفال يفهمون اشياء لا يفهمها الكبار
ويسمعون اصواتا لايسمعها الكبار....ويلتفتون لاشياء لا يلتفت اليها الكبار...
وعدم فهمي لوجود تلك النافذة الواسعة بلونها الازرق في ذلك المكان كان امرا طفوليا بدون شك!..
فهي لم تكن تطل على المروج الخضراء...
ولا على تماثيل الثلج التي تشكلها الغيوم على القماش الازرق
وبالتأكيد لم تكن تطل على البحر!
بل على شارع بائس جدا في حي فقير جدا...لمدينة عربية جدا!
مشيت في ذلك الشارع مرات عديدة ..في جميع فصول السنة ولم اصادف الشمس مثلا تتلصص على تلك النافذة...فالشمس ليس لها وجود في ذلك الشارع...ولا العدالة ايضا!
ولا الناس..
كان هناك
الكثير من التماثيل....واطفال يلعبون بكرة رخيصة..
واحلام كثيرة كانت هناك..
وتلك النافذة..
وشخص قادم من ارض البرتقال كان يحمل حقيبة سفر حمراء صغيرة..
كان لايفهم ابدا فكرة وجود نافذة واسعة زرقاء تطل على شارع بائس...
تلك النافذة مسروقة من شرفة تطل على البحر...
كان يقول لنفسه.
ثم لو وقفت خلف ستائرها الداكنة فتاة ما ماذا كانت لترى...؟!
اي خيالات كانت سوف تداعبها عندما تنظر من نافذتها الى ذلك الزقاق!
بؤس يأكله بؤس.
ليس اكثر...
رغم ذلك كان يلمح من وقت لاخر عينان تلمعان من خلف الزجاج...ولم يتوقف ابدا ليفهم سر تلك العينان..لم يكن ذلك ممكنا في زقاق فقير في مدينة عربية!...حيث تأمل نوافذ الاخرين يعتبر خطيئة كبرى...
عندما تضمحل الحياة وتقسو يصبح تخمين البراءة مجرد ترف لايصدقه احد!
تمنى مرة ان تختفي تلك النافذة ...لانها شيء لاينتمي الى ذلك المكان...واعترف اليوم بان امنيته لم تكن صعبة المنال ..ففي بلاد تهطل من سمائها الامطار في الشتاء والموت في جميع فصول السنة من الممكن جدا ان تختفي المنازل وليس النوافذ فقط....
هناك في السماء اشياء اكبر من الطيور واكثر جدية وقسوة بكثير...
القسوة هل بمقدور احد ما ان يفهم معنى تلك الكلمة مثل صاحبة العينان اللامعتين..
قسوة البرد
الوحدة...
العيش لكي تتنفس فقط...
ان يتضاءل طموحك في العتمة الى درجة ان تتحول نافذة تطل على زقاق عافته الشمس الى نافذتك على الحياة...
قسوة اخ يظن نفسه نبيا لدين جديد يعتبر النساء مجرد زوائد للخليقة...
اخطاء كانت يجب الا تقترف..وشعورك الدائم بان احدا لا يصدق...
جميلة تلك النافذة رغم محيطها البشع لانها صلتها الوحيدة بعالم الاحياء...
صارت اجمل منذ توقف امامها صاحب الحقيبة الحمراء ذات يوم...
ترى من يكون...
هل ممكن ان تختبيء في حقيبته وتهرب الى الشمس؟..
لماذا يمر من هنا في اوقات متباعدة جدا؟..
لماذا ينظر الى نافذتي هكذا...
اسئلة كان يبعثها الليل المعتم حين لايعود بمقدورها ان تقف على النافذة...
ولغة الليل تختلف كثيرا عن لغة النهار...اكثر حزنا...واكثر صدقا ...
هل جربت ذلك مرة؟...
تلك الفتاة كانت تعلم ان الكثير من الناس يتناسى الخوف وهدايا الغزاة المميتة على عتبة الملاهي المشعة ...وربما في زجاجات الخمر..
او عيني طفل...
وايضا الاتقياء يقتلون الخوف في الصلاة...
كذلك الناس يصنعون...
لكنها لم تكن ماجنة...ولاقديسة...لم تكن اما..لم تكن معشوقة احد...
كانت كتلة من خوف داخلي انساها ان الحياة تدور تحت نافذتها...
والخوف اما ان يقتلك واما ان يدعوك لقتله...
حامل الحقيبة الحمراء توقف عن السفر منذ زمن طويل...
وسمعت من قريبة لي بانهم وجدوا تلك الفتاة ميتة ...وقبل ذلك بوقت قصير كانوا قد اغلقوا النافذة بجدار من الاسمنت...فقد ارتاب شقيقها بشخص كان يحمل حقيبة حمراء وينظر الى تلك النافذة نظرات غريبة...
انا لم اعلم ابدا من قتل تلك الفتاة...
ولكنني متأكد بان صاحب الحقيبة الحمراء لم يعد يلتفت الى النوافذ...ولم يعد يتمنى اختفاء اي نافذة..
ولم يسامح نفسه ابدا على فرحه السخيف عندما مر من ذلك الزقاق قبل سبع سنوات لاخر مرة وشاهد النافذة قد اختفت......
انا واثق تماما بانه لم يسامح نفسه ابدا...
ابدا..
وهو يعلم بان حزنه لن يجدي نفعا...فحكاية النافذة لم تنتهي بعد...ولم تنتهي الازقة....
من المؤسف ان احدا لن يصدق...
شكرا...
الفارس المتأخر
|