المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
كلود ليفي ـ شتراوس..-٠٢


p14n03..
آخر المتوحشين
اعداد: عبد الحليم المسعودي
يشكّل المسار الفكري لكلود ليفي – شتراوس مغامرة مميزة في الثقافة الغربية المعاصرة التي شهدت طوال القرن الماضي انفجارات فكرية كبرى أعادت النظر في مجمل النظرة الوثوقية الغربية للعالم, خاصة في مجال العلوم الإنسانية المثقلة كاهلها بميراث فلسفة الأنوار التي صاغت منذ ما يقارب الثلاثة قرون رؤية الرجل الغربي لجواره الحضاري والجغرافي... وبالرغم من التقلبات و التعرجات و القطائع النسقية التي شهدها الفكر و الفلسفة الغربيين طوال القرن العشرين في أوروبا, فإن الجهد الفكري لكلود لفي شتراوس استطاع بتفرد و بمعزل عن إيقاع التحولات السياسية التي عاشها العالم الغربي في مغامرته الإيديولوجية الكبرى (التوتاليتارية والديموقراطية) تطوير مجال علم الإناسة من مجرد مجال يرتكز البحث فيه على دراسة المقابلة التقليدية بين الطبيعة و الثقافة إلى مجال دراسي تتجرد فيها الأنتتروبولوجيا من كل الحواجز الحضارية و الحدود التاريخية في دراسة الثقافة الإنسانية المرتهنة سلفا في الفكر الإناسي الغربي بين التحضر والتوحش...
إن المتأمل في مسيرة هذا المفكر والفيلسوف الذي تحتفل به الأوساط الثقافية الفرنسية هذه الأيام بمناسبة إدراج أهم أعماله الفكرية و الفلسفية في السلسلة الشهيرة «لابلياد «(أو الثريا) الصادرة عن دار غاليمار, سيدرك المعادلة الصعبة التي حققها هذا المفكر الغربي في التموقع العميق داخل مشاغل القرن العشرين بتمفصلاته الفكرية والسياسية و الاجتماعية الأساسية و في نفس الوقت القدرة على جعل المغامرة الفكرية نفسها تمرينا نقديا يعيد النظر في مصادرات الفكر الغربي نفسه تجاه صياغة ميثولوجياتها و موقفه من ميثولوجيات العلم الآخر المحايث لحدوده.
لقد بدأت هذه المغامرة الفكرية ذات التكوين الحقوقي و الفلسفي منذ عام 1927 حين نضجت على أيدي كبار المفكرين و الأكاديميين في ذلك الوقت في إطار الدراسة الجامعية في باريس ( كلية الحقوق البانتيون و جامعة السربون قسم الفلسفة )من أمثال الفيلسوف إيميل برييه و ليون برنشفيغ و جون لابورت, وجورج دوماس والتي سمحت لشتراوس بمناقشة رسالة الدراسات العليا التي حملت عنوانا نقديا لافتا للنظر « المصادرات الفلسفية للمادية التاريخية», توجت عام 1931بالحصول على شهادة التبريز في الفلسفة و ضمن جيل من الطلبة المرموقين الذين سوف يكون لهم شأن في مسار الفلسفة و الفكر الفرنسي كجون بول سارتر سيمون دي بوفوار و موريس مرلو بونتي و بول نيزان و فرديناند ألكييه ,غير أن شتراوس بعد تمام الخدمة العسكرية و الانخراط في التدريس في معهد لاوون الثانوي , لم يكن يدرك أن حياته و اهتماماته الفكرية ستنقلب رأسا على عقب عند اكتشافه لكتاب «المجتمع البدائي» لعالم الإناسة الأمريكي روبار لوفي , الذي اجترح فيه منهجية في البحث تعتمد بالأساس على التزام الباحث الملاحظ متجردا من الأنساق الفكرية و الفلسفية و إقامة بحثه على العشرة الدراسية في الفضاءات المفتوحة و الانقياد لمنطقها الخاص .وقد كانت رتابة التدريس في المعاهد و ضيق الأفق في التجديد الفكري التي كانت تفرضها تلك السنوات حافزا أساسيا لرغبة شتراوس في التطلع إلى آفاق جديدة, و تأتي مبادرة سييستان بوغلي مدير مدرسة المعلمين العليا لتغير مساره حين رشحه لمنصب شاغر لتدريس علم الاجتماع في جامعة سان باولو بالبرازيل.انتهز شتراوس الفرصة و التحق بالتدريس في هذه الجامعة مكتشفا عالما مجهولا لا يزال يحافظ على بكارته الحضارية و الثقافية, فقرر بدأ العمل الميداني بعد أن ضمن كرسي علم الاجتماع في ساو بولو يعاضده في ذلك كل من بيار مونبايغ و أستاذه القديم فرنان برودال. كان الحقل الميداني لبداية هذا البحث الإناسي منطقة ماتو غروسو داخل غابة الأمازون بين قبائل الهنود الكاديفيو و البور ورو.
ومنذ سنة 1936 بدأ شتراوس يتلمس أثر بحوثه المنشورة عند العودة إلى باريس حيث نجح في تنظيم رحلة دراسية ميدانية في البرازيل مولها قسم البحوث العلمية لمتحف الإنسان, عاد شتراوس ليباشر حملته العلمية صحبة زوجته دينا درايفوس إلى جانب باحثين آخرين, و هدف الرحلة اكتشاف المنطقة العذراء المجهولة في قلب غابات الأمازون بين منطقة ماتو غروسو و ريو ماديارا و المغامرة الاستكشافية التي سمحت لشتراوس بدراسة أصغر مجتمع إنساني تمثله قبيلة نابيكوارا الهندية و التي سوف تكون دراستها موضوع كتابه الأنتروبولوجي الشهير « المدارات الحزينة» الذي صدر عام 1955 وهو الكتاب الذي يعتبر جنسا أدبيا جديدا حيث يجد الكاتب نفسه عاجزا عن وصف ما هو بصدد معاينته كشيء خارق ينفصل عن الحضارة بالمفهوم القسري للحضارة الإنسانية و يدخل في نطاق الميتولوجي و الميتافيزيقي المحسوس, كما أن الكاتب يقف على عجز اللغة الواصفة التي تضطر للاستعانة بلغة الخيال أي لغة الشعر للتعبير عن المحسوس المذهل لكن شتراوس لاينكر في نفس الوقت القرابة الخفية لهذا المشروع في الكتابة بجون جاك روسو. في هذه الرحلة الدراسية الفريدة و على إثر حادث يتعرض له أحد مرافقيه يضطر شتراوس للعمل وحده و بمفرده داخل هذه القبيلة الهندية مواجها لأول مرة تجربة المخاطرة بالحياة, غير أن الدراسة كللت بالنجاح و عاد شتراوس إلى باريس عام 1939 ليغذي متحف الإنسان بمجموعة من الآثار الإثنية , لكن المغامرة بالحياة تعود مرة أخرى , حين يواجه شتراوس خطر الاستهداف النازي باعتباره يهوديا , و كاد شتراوس يذهب إلى حتفه عام 1940 حين قرر الاتصال بوزير التعليم العالي في حكومة فيشي , حين نبهه أحد الموظفين بخطورة ذلك و نصحه بالهروب و قد ارتبط شتراوس من أجل ذلك ببرنامج مؤسسة روكفيلار لإنقاذ العلماء الأوروبيين ذوي الأصول اليهودية و تمكن من الحصول على تأشيرة سفر للولايات المتحدة الأمريكية حين وصلته دعوة من المعهد الجيد للبحوث الاجتماعية بنيويورك فقرر شتراوس عام 1941 السفر غير أن الرحلة لم تكن سهلة بل مليئة بالتعقيدات والإجراءات الجمركية ... وفي نيويورك تعرف على مجموعة من الوجوه الفكرية و الثقافية التي اضطرت لهذا المنفى من بينهم أندري بروتون زعيم السرياليين ومارسال دي شان وماكس أنست وأندري ماسون و ألكسندر كالدر و غيرهم, غير أن أهم لقاء مهم بالنسبة لشتراوس هو تعرفه على أهم مؤسسي الإتنولوجيا الأمريكية: روبار لوفي و أ. ل.كراوبر. انكب شتراوس في التدريس و البحث و في عام 1942 تعرف على شخصية فكرية أكاديمية ستؤثر في أبحاثه المستقبلية من زاوية النسق المنهجي ألا وهو أبو اللسانيات الحديثة رومان جاكبسون حيث أدرك شتراوس أنه كان يتبع المنهج البنيوي دون أن يكون واعيا بذلك, و أن جاكبسون نبهه إلى أن البنيوية كنسق منهجي و إجرائي قد اكتملت بلورته في مجال اللسانيات وبالإمكان تجريبه في مجال الإتنولوجيا, و هذا التنبيه سيدفع بشتراوس لاحقا إلى تأسيس مجال الأنتروبولوجيا البنيوية ذلك أن شتراوس وجد نفسه في ستينات القرن الماضي محشورا في موجة البنيوية إلى جانب رولان بارت و جاك لاكان وميشال فوكو وألتوسير باعتبارها الموجة الفكرية البديلة للتيار الوجودي الذي كان يمثله جون بول سارتر بقوة , غير أن شتراوس يعتبر البنيوية آلية و نقدية و تحليلية ممكنة و ليست بالتامة و أهميتها بالنسبة إليه تكمن في قدرتها على الأقل في مجال الأنتروبولوجيا في تجاوز التقسيم أو الانفصام القائم بين الطبيعة و الثقافة من زاوية العقلية الفكرية الغربية .
عام 1943 بدأ شتراوس في تحرير أطروحته « البنى الأولية للنسب» و عاد في السنة الموالية إلى فرنسا على متن باخرة للمارينز على إثرها تمت تسميته كمستشار ثقافي في السفارة الفرنسية في واشنطن و بعد ثلاثة أعوام في هذا المنصب تمت تسميته كأستاذ بحث في المركز الوطني للبحث العلمي و نائب مدير متحف الإنسان في باريس, كما ناقش في جامعة السربون رسالة الدكتوراه, وتعرف على ميشال ليريس و جاك لاكان, وعلى إثر صدور الأطروحة في كتاب تم الاهتمام بها من طرف علماء الأنتروبولوجيا الأنغلوساكسونيون كما اهتم بها الوسط الفكري الفرنسي وعلى رأسهم سيمون دي بوفوار التي استعانت بها في كتابة «الجنس الثالث» كما كتب عنها بإسهاب جورج باتاي في كتابه حول الإيروسية .
في عام 1950قام شتراوس برحلة إلى باكستان على حساب اليونسكو و فشل في الدخول إلى مدرسة الكولاج دي فرانس بالرغم من معاضدة جورج دي موزيل و إيميل بونفنيست لكنه نجح في الحصول على مرتبة مدير للدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا قسم الدراسات الدينية. وعلى إثر كتابه «العرق و التاريخ»عام 1952تعرض شتراوس الى انتقاد لاذع من طرف عالم الاجتماع روجي «كايوا تحولت في مابعد الى عداوة واضحة بين الرجلين تواصلت الى حدود وصول شتراوس إلى عضوية الأكاديمية الفرنسية عام 1973. أما بعد صدور كتابه الشهير «مدارات حزينة» تحول شتراوس إلى أهم عالم في مجال الأنتروبولوجيا الغربية دون منازع, ثم أردفه عام 1958 بكتابه«الأنتروبولوجيا البنيوية» التي مكنته بعد سنة من الدخول إلى الكولاج دي فرانس و الذي بعث داخله مختبرا للأنتروبولوجيا الاجتماعية . بعد ذلك بدأت سلسلة إصدار المجلدات الأربعة الرئيسية المعروفة تحت عنوان « ميتولوجيات»و التي تضم: (1) النيئ و المطبوخ (2) من العسل إلى الرماد (3) أصل عادات المائدة (4) الإنسان العاري.
كما أنه بعد هذه الموسوعة الأنتروبولوجية اصدر شتراوس كتابه «طريق الأقنعة» عام 1975 و الذي يعد نتاج تجربة التأمل في المنفى النيويوركي لقوة الفن عند الهنود الحمر و قدرتهم على اختزال اللغة بل الثقافة كلها في فنون الأقنعة, كما أن هذا الكتاب يعود في نفس الوقت إلى ذلك التأثير المتبادل بين شتراوس و أندري بروتون. سنة 1982 تقاعد ليفي شتراس, واصدر في السنة الموالية كتابه «النظرة المبعدة», في عام 1984 ترأس في إسرائيل ملتقى دوليا حول الفن كوسيلة للتواصل, ثم نشر كتابه « أحاديث موعودة» و «الخزافة الغيورة » ...في عام 1985 عاد شتراوس إلى البرازيل التي لم يزرها منذ 1939 في الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتيران...و تكريما له نظم متحف الإنسان في باريس معرضا ضخما عام 1989 يحمل عنوان «أمريكات كلود ليفي شتراوس», وفي عام 1991 صدر كتابه « تاريخ اللنكس» ثم « النظر و السمع و القراءة» ولعله من الكتب الفريدة المنفصلة و المتصلة في نفس الوقت بالمجال الإناسي غير أنه يعد مساهمة جادة في مجال الجماليات خاصة و أن هذا الكتاب قد خصصه شتراوس لدراسة أعمال فن الرسم عند بوسان و أشعار رامبو, وفن الكتابة عند رامبو و بروست, وبمناسبة عيد ميلاده التسعين أصدرت مجلة كريتيك الشهيرة عددا خاصا به عام 1999 و في انتظار الاحتفال بعيد ميلاده المائة في شهر نوفمبر القادم يعتبر كلود ليفي شتراوس من بين المفكرين الغربيين القلائل الذين ساهموا في إعادة النظر في مسلمات الإنسان الغربي تجاه الإنسان و المجتمع و الطبيعة و الثقافة.
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."