المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مع وقف التنفيذ ( الجزء الرابع )

إن لم تكن أعصابك من حديد تسري فيها عوض الدماء مادة الزرنيخ وتكون خصيتاك من نحاس، كما يردد أرباب الورشات دائما، فالأفضل لك أن تبقى في حضن ماما ريثما تتعود على الصبر قبل أن تفكر مليا في اختيار مصيرك كتاجر . وحده الصبر من يفتح لك آفاق واسعة كي تبقى تاجرا ناجحا، أو بالأحرى راضيا، بمقدوره البقاء قيد تجارته بكامل قواه العقلية و الجسمانية.

الصبر في التجارة له دلالة خاصة جدا، فمعنى أن تكون تاجرا صابرا فهذا يعني بالضرورة أن تتعود على التغاضي عن أشياء كثيرة على حساب مركزك الاجتماعي البسيط و أحيانا حتى على حساب كرامتك حتى تمر سحابة يومك في سلام وتنقلب إلى أهلك مسرورا عوض أن تنتهي في مخفر للشرطة أو في إحدى المصحات العقلية . وأظن بأن أقصى درجات الصبر هي عندما تداس كرامة المرء بطريقة رخيصة تجعل الكل يستهدف مناطق حساسة من كرامته لأنه لا تميز جيدا بين الذل و الصبر .

في كل مرة أحمل فيها أغراضي وأشد الرحال إلى متجر والدي كي أساعده كلما غدر به مساعده الخاص ويتركه لوحده، أضطر إلى التنازل شيئا ما عن بعض من مبادئي العنيدة نزولا عند رضا والدي وليس حبا في سواد عيون الزبناء . والدي على دراية تامة بأن ابنه هذا عنيد بما فيه الكفاية ورأسه أشد صلابة من الصمة، لذلك ولكي تسلم الجرة في كل مرة، لا يطلب مني سوى أن أكون بشوشا في وجوه الزبناء الكرام وأن أحاول ما استطعت إرضائهم، وما عدا ذلك فأنا حر . طبعا والدي لا يطلب مني أن أكون نسخة طبق الأصل لمساعده النبيه لأن ذلك مستحيل باعتباري صاحب سوابق جد سيئة في ميدان التجارة ولأني حالة ميئوس منها أو على الأقل تتطلب حلا عاجلا .

أحيانا أحب تجسيد دور التاجر الفاشل و المستهتر حتى أعطي انطباعا سيئا عن نفسي و حتى لا أوهم والدي بأني أنفع كتاجر في يوم من الأيام . عندما تتقن لعب دور الفاشل في ميدان ما، فإنك تحصل بكل ليونة على تأشيرة الإعفاء مباشرة من عند الذين ضلوا يتابعونك وأنت تمثل أمامهم، أو بالأحرى من تخدعهم . القناع أو حتى الدور غالبا ما يوشي بتلك النظرة النمطية لإحدى ضروب الغش أو النفاق . قد يبدو الأمر كذلك حقا، لكن يروق لي ذلك كثيرا حتى لا أعيش وأعيل الجميع في وهم قذر وأكون في ذلك قد عالجت النفاق بنفاق مثله .

عندما أرى صدفة صورة وجهي معكوسة على إحدى الواجهات الزجاجية لمتجر والدي، أكتشف كم كنت سخيفا وأنا أتصنع الضحك والابتسامة فقط لأن الزبناء يحبون ذلك ووالدي أيضا. عندما تبتسم ابتسامة نابعة من القلب تنشرح أساريرك ويرتاح لك الجميع ولو كانت ابتسامتك تسد النفس . بخلاف ما إذا كلفت نفسك وتصنعت ابتسامة عابرة فقط لترضي الآخر، عندها تكون ابتسامتك في غير محلها . لذلك لا أحب تصنع الضحك أو حتى ابتسامة بسيطة لأن أسناني على غرار كونها تعطي انطباعا خاطئا عن السرور، إلا أن عيناي تقولان عكس ذلك فأبدو سخيفا جدا .

ابتسامتي لا تسر الناظرين كثيرا، إلا أني أقتدي بسنة والدي الذي أحسده على سعة صدره و تحيرني أعصابه الهادئة بالرغم من كل الاصطدامات اليومية مع شتى أشكال وألوان آدمية . والدي يقول لي بأني إذا استمريت في عنادي فسأبقى وحيدا، والحال أني لا أحب فقط تلقي أوامر مباشرة غير لبقة من زبناء معدومين غير لبقين . وغالبا ما يحتدم الشجار بيني وبين أحدهم، بل يمتد الأمر أحيانا إلى أن أطير على وجه أحدهم كما يطير قط هائج بمخالبه على وجه صاحبه . شخصيا أنا معجب كثيرا بفلسفة والدي في الحياة وخاصة طريقته المثلى في التعامل مع الجميع على حساب عقله و سلوكه .

في اليوم الواحد يحدث أن يفد العشرات على المتجر، من الوزير الذي يوقف سيارته أمام متجرك ويرسل سائقه إليك ليطلب منك أن تسرع وتعطيه علبة التبغ حتى لا يتأخر سعادة الوزير عن موعد جلسة برلمانية، إلى أحد المخمورين الذي خرج لتوه من إحدى الحانات ويطلب منك شيئا بدون دفع ثمنه وإلا فسيترك توقيعه الخاص على وجهك بشفرة الحلاقة . عليك أن تحسن التصرف يوميا مع الجميع وتحاول قدر الإمكان إرضاء الكل ولو بالكلمة الطيبة حتى تسدل ستار يومك في سلام . في نظري يبقى اليوم المميز عندي عندما يُقفل المتجر، هو عندما يمر اليوم دون استعمال تلك العصا التي يضعها جل التجار في مكان غير بعيد عنهم لكي يؤدبوا بها المحتالين ولكي يخيفوا بها أولئك الذين لا يحترمون منطق ( ممنوع الطلق والرزق على الله ) . المهم أن يمر يومك دون اللجوء إلى قرص أسبرين .

التاجر مثله مثل حلاق الحي الذي يحيرك دائما بتحليلاته للمواضيع الآنية بطريقة عجيبة تجعلك تعيد النظر في تكوينه العلمي . لا أدري في الواقع ما مشكلتي مع الحلاق ؟ ليس لأن مقصه يذكرني بذاك الرجل الذي يخرج طرف لسانه ويأمرك بالنظر إلى الأعلى حيث العصافير، إلى أن يباغتك الحقير بمقصه ويقطع شيئا من عضوك الحميمي ويتركك في بركة من الدموع من شدة الألم . الحلاق وحتى الاسكافي لطالما حسبتهما يعملان تحت إمرة جهاز المخابرات، لا أدري كيف ركبتني هذه الظنون منذ صغري، لكن الذي أحرس عليه هو إبقاء هذا اللسان الطويل في جوف فمي وأنا في حضرة الاسكافي أو الحلاق .

إلى جانب أنك تاجر تفتح يوميا باب متجرك في وجه الزبائن، فإنك تفتح بالمقابل عدة أبواب يدخلها الكل حسب مراده وحسب حاجياته التي تخرج أحيانا عن نطاق الخدمة الطبيعية التي يقدمها التاجر لزبنائه . أحيانا يتوجب عليك وضع رداء التاجر جانبا وتلبس زي المثقف أو محلل سياسي أو رياضي، وليس من الغريب أيضا أن تستقبل شكايات الثرثارات ... عليك أن تتحمل كل هذا رغما عن أنفك، لأن هناك دائما من يخطئ المكان ويظن نفسه في ديوان المظالم ويتقيأ عليك همومه التي لا تنتهي، أو في مقهى شعبي يحتسي الشاي ويخوض في السياسة أو الرياضة كيف يشاء .

لَكم أكره الثرثارات اللائي ما إن أراهن يقصدن المتجر حتى يقف شعر رأسي لأني سأسمع من جديد نفس الأسطوانة وإحداهن تحكي عن زوجها الذي يخونها مع زوجة بائع اللبن، أو مع زوجة بواب العمارة . لم أشفق على واحدة منهن قط بقدر ما أشفق على والدي الذي يستقبل يوميا حماقات ثرثارات في أرذل العمر . مرارا حاولت مطاردة الثرثارات لأنهن لا يجلبن سوى المتاعب وغالبا ما يحرجنني مع والدي، لذلك حاولت مرارا أن أصرخ في وجوههن عاليا حتى يفهمن بأن هذا متجر للبيع والشراء وليس صالونا لحلاقة السيدات أو دارا للعجزة، إلا أني أحجم عن ذلك في آخر لحظة احتراما لسنهن ليس إلا .

من يرى بعض التجار وهم في أخذ ورد مع أحد زبائنهم حول قضايا سياسية، تكاد تظنه محللا سياسيا محنكا . والحال أن المسكين ليس بينه وبين السياسة سوى الخير والإحسان كما يقال . والدي ليس من هؤلاء ويفضل البقاء بعيدا عن رائحة السياسة الكريهة وأنا أيضا أقف في صفه، ليس لكوني أربط السياسة بالسجن أو بغياهب المعتقلات، لكن لطالما اعتبرت السياسة لعبة قذرة لا تستحق حتى متابعة أطوارها وما عساك بالمشاركة فيها .

في كل مرة يعجز فيها والدي عن مجاراة أطوار النقاش مع أحد زبائنه حول البطولة الوطنية أو الاسبانية، فإنه يعمل على إرسالهم إلي كي أتولى الأمر نيابة عنه وكأني مراسل لإحدى القنوات الرياضية أو محلل رياضي لا يشق له غبار . والدي العزيز لا يحب كرة القدم كثيرا لكنه يتابع مباريات المنتخب الوطني باهتمام . في الواقع لم أفهم هذا التناقض و لا أذكر أني سألته يوما عن سبب كرهه العجيب لكرة القدم، إلا أني أفترض أنه كغيره من التجار الذين يطاردون الأطفال وهم يلعبون الكرة بمحاذاة متاجرهم خوفا على واجهاتها الزجاجية من الهلاك . أذكر جيدا يوم كرهت كرة القدم وعاهدت نفسي ألا ألعبها مجددا عندما قذفت الكرة بقوة وعوض أن أصيب الهدف أصبت جدتي رحمها الله وهي على مثن كرسيها المتحرك . كان منظرا مروعا جدا وتمنيت ساعتها لو بترت قدمي .

صحيح أني أمقت التجارة من كل أعماق قلبي، إلا أني أعترف بفضلها في تكوين شخصيتي وكيف أصبحت أتمتع بحاسة لا يتمتع بها إلا من شب على التجارة واحتك بأناسها وتجرع من مرها أكثر من حلوها . فمن كثرة الوجوه الآدمية التي تتردد على المتجر وغيرها من الوجوه التي لا تمت بالآدمية بصلة، اكتشفت أني أتمتع بحاسة جديدة ساعدتني كثيرا لأميز بين الخبيث و الطيب من الناس وسلوكهم .

إن كنت تتمتع بهذه الحاسة، فأنت في غنى عن الحديث مع من تشك فيهم، فوحدها هيئة الشخص وتقاسيم وجهه كافية وكفيلة لتحسب حسابك وتقوم بانتقاء أوراق حيلك بعناية كي تبرز عن دهائك وتبرهن على وجودك قبل الدفاع عن رزقك . أكيد أن الحدس يخطئ أحيانا وتخدعنا المظاهر، لكن في الواقع الحاسة تصبح أكثر فعالية مع توالي التجارب والشكوك والصدف . فغالبا ما يصيب حدسي كلما رأيت شخصا توحي هيئته بأنه لص أو محتال، لا أدري كيف أشرح ذلك، لكن التجربة ربما تفرض نفسها أحيانا .

المحتالون تكون خطاهم دائما حثيثة وعيونهم بارزة ويحبون ممارسة نشاطهم في أوقات الذروة كي يمدوا أياديهم الطويلة باحترافية عالية . منهم من يوهمك بأنك أخطأت الحساب بدعوى أنك لم تركز جيدا وسط حشد من الزبناء . اللصوص الكلاسيكيون أعرفهم من سحنات وجوههم ومن نظراتهم الأولى حيث يتصفحون المكان بعيونهم بدقة ومكر قبل أن يختلسوا شيئا بسرعة عفاريت سليمان ويطلقوا سيقانهم للريح . اللصوص المحترمون يسألونك دائما عن أحوال السوق والأهل والأقارب وكأنهم على معرفة تامة بك . أعرفهم بتلك الابتسامة الخبيثة و الوقحة . أغلبيتهم لا يشهرون هويتهم المهنية في وجهك ويدعون بأنهم يعملون لمصلحة إحدى اللجن المتخصصة في حماية المستهلك ومراقبة الأثمان و الجودة . المحتالون . هندامهم وربطات عنقهم ودخولهم على شكل جماعات، كلها صفات بعض أولئك اللصوص الذين يتكلمون بلسان المستهلك ويدعون أنهم يحرصون على أمنه الغذائي وصيانة جيبه . الأوغاد دائما يستغلون الفوضى لأنها رأس مالهم الوحيد، وسلطتهم المزورة واستغلال جهل البعض لما له وما عليه في سبيل النصب . أعرف أيضا ذاك الموظف المحترم الذي يخجل من طلب مساعدة عينية وتقوم بتلبية طلبه قبل أن يصارحك هو، لأنك أحببت فيه عزة نفسه . أعرف حاجة من تمشي على استحياء وتحمر خجلا وتتردد كثيرا قبل أن تطلب منك فوطة صحية وقد نست إخبارك عن تلك التفاصيل الأخرى المصاحبة لطلبها، لذلك توفر عنها مشقة التردد والحياء وتعطيها ما طلبته منك دون التمادي في إحراجها عن الحجم الذي تريده، بعد أن تجتهد وتعطيها المقاس الملائم مستعينا بقولة الأجداد ( حدو .. قدو ) !

مرة اقترح علي أحد أصدقاء والدي أن أتفرغ في يوم من الأيام لعمل أدبي على شكل يوميات أدرج فيها الحياة اليومية للتاجر وما يصاحبها من خيبات وطرائف ... في الواقع فكرت في ذلك أكثر من مرة لأن الأمر يستحق فعلا كذلك . لكن يبقى هاجس الكتابة التي لا أجيد أصولها، هو العائق الوحيد للحيلولة دون ذلك . كنت أبتسم في كل مرة تُعرض علي الفكرة من طرف صديق والدي وقطعت له وعدا غير ما مرة كي أنصرف للكتابة يوم أصير شيخا . وعوض الانزواء في ركن قصي أمسك السبحة بيميني منتظرا نحبي، سأمسك بالقلم وأدون كل ذلك على شكل مذكرات ...      




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."