المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مع وقف التنفيد ( الجزء الثالث )

الجميل في التجارة أنك لست مضطرا للخروج كي تعرض سلعتك أو حتى القيام بالتبضع خارجا، لأنك تزاول أنشطتك التجارية في حدود مملكتك . و ربما هذا ما يفسر نعت التجار لمهنة التجارة بـ ( رزق العتبة )، فكل شيء يتم في العتبة وما أدراك ما تلك العتبة التي يحاول بعض المنافسين التجاريين الذين تكبدوا بسبب حدة منافسة جيرانهم التجار خسارة فادحة، لذلك يكون الحل البديل بعد المنافسة الشريفة الالتجاء إلى عتبة التاجر الناجح الذي طير النوم من عيون حساده لكي يرشوها على غفلة منه طبعا، بتركيبة كيميائية أو وضع وصفة سحرية من نوع ( حجاب ) على عتبة المتجر . فإن كانت النتيجة إيجابية، يعني نجاح مفعول الوصفة، فسيضطر هذا التاجر إلى الخضوع لحكم الإفراغ لأن مصير تجارته سيكون الكساد ولن تشفق عليه سوى العناكب التي لطالما بنت بيوتها في رفوف متجره و الفأران التي شيدت في نقانقه الأنفاق .

أحيانا يشفع لك لقب التاجر أو حتى ابن تاجر كي تكون محط أطماع البعض الذين بسببهم كنت أضطر و أنا بعد تلميذ بالمرحلة الابتدائية، إلى خداع الجميع و أقول لهم بأن والدي يشتغل سائق قطار . كنت مضطرا إلى تزوير الحقائق حتى أتفادى وجع الدماغ مع بعض النفوس المريضة التي تموت حبا في اللامقابل . و بما أن سوء الحظ حليفي الأزلي، فسرعان ما يكشف زملائي بالفصل حقيقة أمري ليعلم الجميع أخيرا بمن فيهم معلمي بأن والدي يمتهن التجارة . و بالمناسبة فهؤلاء الزملاء ( الغير الأوفياء )، هم إما أحد أبناء زبناء والدي أو أحد القاطنين بنفس الحي الذي أقطن به، فرب صدفة خير من ألف ميعاد .

لازالت ذاكرتي تستحضر بقوة ذالك اليوم الذي يتحول فيه الجميع بالمدرسة من تلميذ إلى بونضيف في إحدى أوراش النظافة الجماعية بالمؤسسات التعليمية، وهو اليوم المعروف باليوم الوطني للتعاون المدرسي .

قبل أيام من انطلاق ( موسم ) النظافة هذا، يفتح المعلم صندوق التبرعات استعدادا لذلك اليوم الموعود . كان على كل واحد منا أن يساهم و يتبرع حسب استطاعته بإحدى لوازم النظافة . الكارثة أني الوحيد الذي لا يتبرع بأي شيء، لأني ببساطة كنت مضطرا و مرغما على جلب مساحيق التصبين و الإسفنج و ماء جافيل وحتى المكنسة، فقط لأن والدي تاجر . فشتان طبعا بين أن تتبرع بالشيء عن طيب خاطرك و بين أن يغصبك عليه الآخرين . فهؤلاء القوم يحسنون العمل بتلك الحكمة الشعبية التي يرددها والدي في مثل هذه المناسبات ساخرا : ( الحبة و البارود من دار القايد ) !

على غرار هذا، هناك وجوه أخرى للاستغلال الممارس على كل تلميذ يمكن أن يساهم في إشباع أطماع بعض المعلمين أيام كان رجل التعليم يتمتع بالسلطة المطلقة . حتى في حفلة نهاية العام الدراسي، كان بعض التلاميذ يجبرون على إحضار ما لذ و طاب، خاصة إن كان هؤلاء التلاميذ من طينتي . و لكم أن تتصوروا حجم هذا الاستغلال عندما تطلب أو بالأحرى تجبرني إحدى المعلمات على أن أحضر لها علبة حلوى حسب شهوتها من متجر والدي و إلا فسيكون مصيري الرسوب . ربما نفعني عنادي الطفولي مع تلك المعلمة و استطعت بفضل هوايتي في شد الحبل، كي أقف في وجه طلباتها لا من سبب سوى أنها هددتني بالرسوب . و لو أنها لم تهددني لقمت بتلبية طلبها، فلطالما فعلت ذلك في مناسبات عدة .

في الواقع و دون الخروج عن نطاق هذا الاستغلال، أعترف بأن حالتي أفضل بكثير من أولئك الذين يتعرضون لشتى أنواع الضرب في حالة عدم قبول الطلب، لكن هذه المرة من طرف زملائهم . أتذكر أحد أصدقائي الذي رفض الخضوع و الامتثال لطلبات بعض زملائنا بالفصل، وكان عاقبة أمره أن تربص به أحدهم و قام بوخز مؤخرة صديقي بالبركار . و إن لم تخني ذاكرتي أعتقد بأن صديقي الضحية كانت والدته تشتغل بمحل لصناعة و بيع الحلويات، و كان صديقي قد طلب من والدته أن تعطيه بعض البيض نزولا عند رغبة زملائه حتى يتراشقوا بها صبيحة يوم عاشوراء . و لما سطعت شمس عاشوراء ولم يتحمل صديقي مسؤولية وعده بجلب البيض، ثار في وجهه أصحاب الطلبية و البقية تعرفونها .

لحظة توديعي للمرحلة الابتدائية تمنيت حقا لو كان والدي سائق قطار لكي يدخل بقطاره طولا و عرضا في بنايات مدرستي و يسحق به كل معلم أو معلمة أرغمتني على جلب علب الطباشير ليدرس الجميع على حسابي و ليس على حساب وزارة التربية و التعليم .

أعتقد بأنه من حقي أن آخذ تعويضا باسم والدي من وزارة السيد أحمد أخشيشن، لأني ساهمت في تغطية بعض التكاليف التي من المفروض أن توفرها الوزارة المعنية حتى لا يضطر المعلم و معه التلميذ إلى سد الخصاص على حسابهم و يدفعوا فاتورة هذا الخصاص !

من العار حقا أن يلعب التلميذ دور صندوق الدعم أو بيت مال المدرسة لتمويل كل ما من شأنه أن يوفر جوا دراسيا مناسبا يقيه مغبة تحمل مسؤوليات هي في الأصل ليست من مسؤولياته، و إنما هي من اختصاصات الإدارة و الجهات التي ترفع التقارير إلى الوزارة الأكثر حساسية بالمملكة بيدها تنشئة أجيال قادرة على ضخ دم سليم يسري بسهولة في أوصال و أوردة قلب هذا البلد قبل أن يصاب بالسكتة القلبية و لن يكون هدا إلا بالوعي و بالتعليم .

في الحقيقة لا ألوم كل معلم مد يده يوما إلى تلميذه يستنجده بثمن علبة طباشير كي يكمل لتلامذته الدرس، لأن الجميع على دراية تامة بالواقع المرير الذي يتخبط فيه رجل التعليم صاحب الوزرة التي تتخاطف عليها التلميذات كي تحضين بشرف غسلها و كيها . اللائمة تقع أولا و أخيرا عل تلك الوزارة التي جربت كل مخططاتها للسير قدما لتحسين وضع التعليم بالمغرب ونسيت بالمقابل تحسين وضعية ركيزة التعليم الذي هو المعلم . كم من وزير تعاقب على كرسي وزارة التعليم ولم يضع على رأس أجندة مخططاته تحسين وضعية هذا المعلم . كم وكم وكم ... فالظاهر أن امنحند العنصر وزير الفلاحة في حكومة جطو قد أصاب كبد الحقيقة عندما قال : " هادشي بزاف على الانتقال الديمقراطي "  . التلاميذ يأتون إلى المدرسة باعتبارهم طلبة علم وليسوا بمحسنين . كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ... 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."