محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مع وقف التنفيد ( الجزء الثاني )
إنها حقا لمسؤولية جسيمة تلك التي يحملك إياها أولئك الذين وضعوا ثقتهم فيك لكي تتكلم بلسانهم، ليس لأنهم عاجزين عن سرد مجريات إحدى محطات حياتهم الأكثر وقعا في نفوسهم و لا حتى لأنهم قاصرين أدبيا أو ببساطة غير راضين عن مقطع معين في شريط ذكرياتهم . يفعلون ذلك لأنهم يرون فيك ناطقا رسميا باسم ترددهم و لأنهم يجمعون على انتخابك ممثلا عنهم كي تنصف ضمائرهم و حتى تكون شكواهم تبريرا يلتقطه اللبيب عبر السطور و ما وراء السطور .
ترفض بادئ الأمر طواعة هذه الأمانة لأنك تخشى أن يجرك سحر الأدب و تنسيك أضواء العظمة عن أداء واجبك كرسول عن ضمائر مضطهدة . لكن في النهاية تأخذ المبادرة لأن التنازل يعبد طريق السكوت و لأنك في حاجة ماسة إلى اجترار تلك الأحداث لتتخلص من عقدة العتاب و اللوم و أنت مؤمن بأنك معرض في أمانتك تلك، إلى أنك مجرد مندوب عن من هم أفضل منك بكثير، قادرين على أن يجعلوا من اللحظة إبداعا هادفا غير الذي ستقوم به أنت . يبقى فقط أن تكون عند حسن ظن من اصطفوك عليهم و أن توصل رسالتهم .
ما تقدم من طفولتي في حدود علاقتي بعالم التجارة، لا يجدر اعتباره مأساة أو حتى معاناة، لأني نزلت ضيفا على هذه الحياة ولم أختر التجارة بل هي التي اختارتني . لكن في الحقيقة هناك من يعتبرها مأساة حقيقية مقارنة مع من أطلق صرخة الحياة ولم يجبر على الأخذ من تاويل التجارة منذ صغره رغما عن أنفه و لم يحرم من حق التعليم و من حق الاستمتاع بطفولته ...
بلسان هؤلاء سأكمل سرد تلك الحقائق التي أتفهم بسببها أن يأتيك أحدهم و يدرف الدموع لأن والده أخرجه من مكانه الطبيعي بقمطره الدراسي لكي يساعد والده . سأكتب أصالة عن نفسي لأني أحس برغبة ماسة في الكتابة، ونيابة عن أشخاص يدفعون إلى الآن أقساط أنانية ولاة أمورهم . أشخاص لا يزالون إلى غاية الأمس يتذكرون أساتذتهم الذين يأتون تباعا لمقابلة ولاة أمورهم كي يستفسروا عن سبب انقطاع أبنائهم المتفوقين عن الدراسة بتلك الطريقة الغامضة و المفاجأة و كأن الأرض انشقت وابتلعتهم .
من حسن حظي أن والدي طيلة حياته لم يرغمني على ممارسة التجارة عكس الكثيرين الذين يجبرون على تسليم آذانهم لكي يشدها آبائهم كل مساء لأنهم لم يلتحقوا بالمتجر لمساعدتهم . كنت أمقت التجارة من كل أعماق قلبي و في ذات الوقت كنت أحبها لأنها مركز أنشطتي التي لا تنتهي، خاصة إن تعلق الأمر بإغضاب والدي عندما يشتكيه الزبناء مني لأني حرمت دراجاتهم النارية من مصابيحها الصغيرة أو عندما أدهب في رحلة على مثن دراجة أحد الزبائن ( الكرام ) و لا أعود إلا و أنا أجر هيكل الدراجة أو بالأحرى أطلالها، ولا يفوتني طبعا درف ما تيسر من دموع التماسيح حتى أتقي التعبئة المضاعفة للعقاب على يد والدي و المطالب بالحق المدني !
لكم كنت أشفق على والدي لأن الله ابتلاه بابن شقي مثلي لا يتوانى عن جلب متاعب تضطره إلى فرض حراسة مشددة علي و أنا بجواره في المتجر كما يفعل المروض باحدى قروده النشيطة ( سكر زيادة ) ! تبقى الشقاوة في الحقيقة متنفسا طبيعيا لصبي وجد نفسه بين أربعة جدران محكوم عليه بالإقامة الجبرية في مكان ليس مناسبا لطفل في مثل سني، خاصة إن كان لا يشكو من احتياجات خاصة في الشغب و الشقاوة و إثارة أعصاب والده .
بالرغم من كون العديدين تنبؤوا لي بمستقبل غير زاهر في التجارة لأني صاحب سوابق تجارية خيبت ظن والدي، إلا أنه لم يقنط من رحمة الله و بات يلمح لي بأني أصلح كتاجر . الواقع أني فعلا أصلح كتاجر و لي كل المؤهلات لذلك، و ليس أمثالي الذين تسلموا مسؤولية تسيير مقاولات ولاة أمورهم أفضل مني، لكن الفرق بيني و بينهم يكمن في اختيارهم و ميولهم الشخصي للميدان و حبهم له منذ الصغر . و لعل تنازلهم الشخصي عن الدراسة عن طيب خاطرهم، دليل على حبهم للتجارة و رضاهم عنها . بينما أنا و في صفي الكثيرين، و جدت نفسي مجرد قوة اضطرارية تتدخل بشكل ربما عشوائي، لكنها قوة صالحة لسد الخصاص و الفراغ الذي يخلفه مساعد والدي عندما يأخذ حسابه أو ينهي عقده و خدماته مع والدي . لم أنظر إلى نفسي إلا من هذه الزاوية، يعني مجرد خلف لمساعد والدي و نائب عنه، تاركا وراءي دراستي و مضحيا بدروسي لأيام، ريثما تعود المياه إلى مجاريها و أفعل ذلك بكل افتخار ما دمت مقتنعا بأني أفعل الصواب و لا أحتاج حتى إلى استغاثة والدي بي، لأننا في هذه الحياة لن نأخذ معنا شيئا إلى تلك الحفرة المريبة و المظلمة و لن تشفع لنا سوى أعمالنا ورضى ذوينا عنا .
عندما كبرت اكتشفت بأن التجارة لا تقتصر فقط على تعويض غياب مساعد صاحب المتجر و خدمة الزبائن، بل إن هناك مهام أخرى عليك أن تبادر بنفسك لتعلمها قصد فرض نفسك و اثبات ذاتك، لأن في بعض الأحيان إن لم تسارع بأخذ المبادرة، فلا شك ستباغثك الأيام و تجد نفسك في متاهة و دوامة ما لها من قرار .
أحيانا عندما أدخل مع والدي في جدلية القبول و الرفض لميدان التجارة، أجدني قد خسرت الجولة و أن علي أن أسلم نفسي ( مؤقتا ) لقراره . و كم تعجبني تلك الحكمة الشعبية التي لطالما رددها والدي على مسامعي حتى يوقعني في حب التجارة حبيا و يقول : ( اتبع صنعت بوك ليغلبوك ) . المصيبة أني أعلم علم اليقين بأن هذه الحكمة سيكون مصيرها في يوم من الأيام : ( اتبع صنعت بوك الله ينعل بوك )، يعني يوم أجبر على تسلم مقاليد الحكم رغما عن أنفي .
لعل من بين الأشياء المفيدة التي تركت بصمتها في شخصيتي طيلة علاقتي بالتجارة، أني تعلمت الصمود و البقاء بين أربعة جدران لمدة طويلة، و ليس ذلك سهلا بحكم دينامية الشباب التي تقتضي كثرة التنقلات و الحركة . في كل مرة أعوض فيها غياب مساعد والدي، أجد نفسي ملزما كي أتسمر في المتجر منذ السابعة صباحا حتى الثانية بعد الزوال، ومن الرابعة حتى العاشرة ليلا أو إلى منتصف الليل حسب التوقيت المعتمد تجاريا . كنت أشعر بضيق حاد في التنفس و في رغبة ماسة للهروب، إلا أني كنت أعشق أن أتحدى هذا الضيق و هذا الضعف و أسلم أمري لله حتى اعتدت أخيرا على ذلك ...
|