المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مجرد سؤم

سأكون أفضل بكثير هناك عوض المكوث في مدينة قالوا إنها عاصمة المغرب .

هناك فقط أشعر و كأني ولدت من جديد .. قوة ما تجذبني دوما إلى تلك الأرض التي و ثقت شهادة ميلادي .

إنها قوة المغناطيس .. مغناطيس الأصل و مسقط الرأس .

هناك .. في تلك المروج و الهضاب و السهول حيث تعلمنا أولى مبادئ صيانة الأرض .. إنها أسطورة الأرض .

في تلك البقاع التي أرخت لكبريات نزاعات و حروب الأراضي .. تلك الأراضي التي يشقها المحراث فتنبعث رائحة دماء أجدادنا في سبيل حفنة من التراب .

سأزيد من صبري الذي دام عامين على آخر مرة ارتميت فيها في حضن تافراوت .

إنك يا غزالة سوس، كما تسميك كتب التاريخ، الوحيدة التي تفك عزلتي عن غربتي المحلية التي تقض مضجعي وأنا هنا في مدينة لم تعد رئتاي قادرتان على تحمل المزيد من تقلبات جوها الكئيب .. من تناقضات الحضارة .. وأية حضارة ؟ !

أسبوع في تلك الجنة الفيحاء كفيل لأسترد عافيتي و نشاطي بعد أن نخر جسدي وباء السؤم .

أكيد سأضعف من جديد أمام أدوات الذكرى تلك .. ذاك الكرسي المتحرك .. ذاك السرير .. و ذاك الجبل اللعين، لكن سينتهي عهد الشعور بالذنب عندما أقف على قبر جدتي لأول مرة و أترحم على روحها و لأسئلها أن تغفر لي لأني تركتها مرغما و هي تحتضر .. لم أقل لها حتى وداعا لكي لا .. يا لسخرية القدر !

سأكون بخير هناك بالرغم من كل هذا لأني سئمت روتين المدينة ...

سئمت الاستيقاظ متأخرا وأن أخرج بدون إفطار و أن أتسلل السلالم حتى لا تراني والدتي لكي لا أقلقها على معدتي التي ألفت رحاها أن تدور على الفراغ .

مللت من حلاقة ذقني مرة أو مرتان في الأسبوع بحسب حالتي النفسية المتقلبة .

تعبت من تكرار كل تلك المشاهد التي أصادفها و أنا في طريقي إلى أسباب مستقبلي .. تلك المرأة العجوز التي تدعو لي بالتوفيق كل صباح بدون مقابل .. من أولائك الذين يعرضون عاهاتهم على أناس لا يجيدون ثقافة التضامن و الرأفة .

ضقت ذرعا ببعض شبابنا القليلي الحياء الذين يتحرشون ببنات الناس صباح مساء .. سئمت من جرأتهم المفرطة وهم يهمسون لهن في آذانهن بعبارات سوقية أسمعها بوضوح .. مللت من وقاحة بعضهم عندما يقطعون الطريق على بعضهن .. عندما يمسكون غصبا بذراع إحدى ضحاياهم ...

سئمت من تلك الابتسامة التي أراها صادرة من بعض المراهقات وهن ينجرفن إلى التيار .. وهم يستجبن إلى نداءات من يتحرش بهن جنسيا .. وهن يفترشن مساحات خضراء مع رفقاء السوء و الكل يدخن النرجيلة .. وا أسفاه !

سئمت من قراءة عناوين الجرائد البارزة على الرصيف قبل أن أجسدها على أرض الواقع .. أقرأ أخبار البطالة قبل أن أرى كيف يهان العلم في عاصمة دولة البطالة .. كيف يسقط الدكاترة و المجازون تحت رحمة ركلات أصحاب البذلة الخضراء .

سئمت تلك الوجوه التي تظهر على الجرائد .. تلك الوجوه الرائدة في الكذب و النفاق و الخداع ...

سئمت ضحايا الموت البطيء وهم يقطعون علينا الطريق بشفرات الحلاقة .. و هم يستنشقون تلك المادة التي تجردهم من رزانتهم .. و هم يقتاتون على تلك الحبوب المهلوسة التي تدمر خلايا إنسانيتهم ...

سئمت من تلك الظروف التي تتكلم بلسان ضحايا الموت البطيئ عندما تقول : يا ليتنا لم نولد !

سئمت من مجادلة تلك الكاتبة التي لا تراعي ظروف تغيبي .. سئمت بدوري من كتابة سيناريو الأعذار لأضعه على مكتبها .

سئمت من لعب دور الفكاهي و أنا أحوج الناس إلى مقعد في المسرح لأرى مشهدا مضحكا في مسرحية هزلية إسمها الحياة .

مللت الخوض في الحديث مع أناس يعتبرونك رجعيا لأنك أصيل المبادئ .

سئمت من خيانات الأصحاب و طعناتهم .. من وضع أوراق التين على عورات المتهورين و المتسرعين منهم .

سئمت المشاركة في مؤامرات الصمت لكي لا أخرب بيوت بعضهم قبل أن ينقلب علي النظام و أكون بدوري الضحية .

سئمت التضحية في سبيل الآخرين مقابل راحتي و مصيري .

سئمت التردد نهاية كل أسبوع على شاطئ البحر لأرى الشمس تغرق وقت الغروب في الأفق وقد أتت مياه المد و الجزر على تلك القصور الرملية التي شيدتها أنامل الأطفال .. تلك القلوب التي تخترقها نبال الحب و التي يرسمها العشاق على رمال الشاطئ .

سئمت من ترتيب أفكاري بذاكرتي المشردة خلال النهار لأعود بها في المساء على الورق .. من نبش أرشيف قصائد لم يكتب لها أن ترى النور حتى الآن .

و إني كما قال زهير بن أبي سلمى :

              سئمت تكاليف الحياة و من يعش     ثمانين حولا لا أبالك يسئم      

إنه مجرد سؤم و سرعان ما ستنقضي عدته !!!

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."