محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يوميات قد تهم أحدا (6)

السبت
المتمرسون في الكتابة يعرفون أن الأفكار هي التي تلاحق الكاتب وليس العكس. وهذا بديهي لأن أساس الكتابة هو التفكير، غير أن حضور ذهن الكاتب دليل على تمثل الحال الذهنية أو حال الكتابة فيه. وبنات أفكاري - حفظهن الله لي ولكم من كل سوء - تلاحقنني من حين لآخر، وخاصة عندما انقطع عن الكتابة لفترة كما حدث خلال الشهور الماضية.
كنت قد أعددت موضوعا للنشر وأعلنت عنه في ذيل تدوينة سابقة عنوانه " المصالحة مع الألم.. بالقراءة"، ولكنه موضوع ثقيل نوعا ما لم أستحسن نشره في الصيف الماضي، فضلا عن ضرورة وضع لمسات أخيرة عليه. وفي تلك الأثناء أُلهِمت لكتابة موضوع آخر سميته "المنعطف الأخير"، وراقت لي كتابته لأنه يتناول مفهوم الكلمة على طريقة جزء من النص مفقود، وهي التدوينة التي وصلتني منكم تعليقات وردود فعل رائعة عنها.
وكنت قبل فترة أقلب ملفات جهازي المحمول (اللاب توب) لمراجعة الموضوع الأول تمهيدا لنشره، فاكتشفت أنني نسيت أن عندي موضوعا آخر لم ينشر بعد (أعني "المنعطف الأخير"). لكن فكرة كتابة اليوميات - طابع الكتابة الأثير عندي – ظلت تراودني منذ أيام بل أسابيع، حتى غلبت كل شيء، فكانت هذه التدوينة الجديدة الطازجة التي أخّرت مرة أخرى كتابات مؤجلة آمل ألا يطول أمد تعليبها وتتأثر فترة صلاحيتها.
الأحد
في رحلتي الأخيرة إلى لندن قضيت أياما وليالي في فندق متوسط الحجم (4 نجوم) ثم أياما وليالي أخرى في فندق أكبر (5 نجوم)، لكني ارتحت أكثر في الفندق الأول مع أن غرفته ذات السرير المفرد تعادل ربع المساحة التي شغلتها في الفندق الآخر، لأنها عبارة عن جناح ذي صالون فسيح وغرفة نوم ذات سرير مزدوج ودورة مياه أكبر.
والسبب ببساطة يكمن في الراحة النفسية بعيدا عن المظاهر، فالفندق الأول بغرفته الصغيرة ألفته وتعودت عليه، والحي بكل مكونات محيط الفندق متكامل الخدمات لزائر مثلي، من ميني ماركت ومطاعم ومقاه ومحل قرطاسيات وآخر للكاميرات ولوازمها ومصرف ومكتب بريد ومحل إنترنت ومحطة قطارات تحت الأرض underground. بينما فندق الخمسة نجوم على شارع عام لا يعنيني من محيطه سوى مطعم ومقهى لا أكثر. واخترت الإقامة فيه لقربه الشديد من مكان عملي على مدى ثلاثة أيام متواصلة.
الاثنين
اضطرتني الظروف للتعامل مع مستشفى آخر غير الذي تعودت عليه، فأخذت أتأمل في نوع الخدمات ومستواها مقارنة بمرضى ومراجعين يفتقدون لأبسط مقومات الخدمة الصحية. هناك رفاهية قد يكون لها داع أحيانا وقد لا يكون، فأحد المستشفيين يقدم خدمة إيقاف السيارة مجانا (valet parking) أي تترك سيارتك أمام المستشفى ويستلمها عامل لإيقافها مجانا في موقف خاص، ثم يعيد إليك السيارة وأنت تهم بمغادرة المستشفى (هذه الخدمة متوفرة أصلا في الفنادق والمجمعات المكتبية الكبيرة). والمستشفى الآخر يعرض في أماكن الانتظار في العيادات الخارجية قنوات فضائية بحيث لا تفوتك الأخبار أو مباراة تتحمس لها أو حتى مسلسل تتابعه، والطريف أن بعض المرضى الذين لا توجد في بيوتهم قنوات فضائية يصحبون أطفالهم إلى المستشفى لمشاهدة ما لا يتوفر في منازلهم.
الثلاثاء
مجتمعاتنا العربية الأقل دخلا عرفت أيضا في السنوات الأخيرة المجمعات التجارية العصرية (المولات malls) وأصبحت مركز جذب للأفراد والعائلات على مدار العام للتسوق والتسلية والفُرجة والأكل والشرب وإهدار فراغ الوقت، شأنهم شأن المجتمعات الأيسر حالا التي عرفت هذه الظاهرة قبل غيرهم، وهي ظاهرة تدور في إطار حمى الاستهلاك المتفشي في كل أركان الكرة الأرضية من أقصاها لأقصاها.
كنت ذات شتاء في عَمّان، ودخلت بصحبة أصدقاء في مول جديد، فوجدت الناس مستمتعين بوقتهم تحت سقف هذا المكان الدافئ ودرجة الحرارة في الخارج تقترب من الصفر. نفس الحال ولكن بصورة عكسية في دول الجزيرة العربية والخليج حين تتصاعد درجة الحرارة صيفا إلى ما يقارب الخمسين، فيهرب الناس إلى المولات المكيفة الهواء التي يمكن أن يقضي فيها المرء يوما كاملا ويجد فيها ما يشغل وقته ويفرغ جيبه.
الأربعاء
الميسورون في كل بلد بالعالم لكثيرين منهم مزارع خارج المدن لقضاء نهايات الأسبوع والعطلات، ومع توسع المدن وتنوع أسباب الراحة وأساليب الترفيه ظهرت ما يعرف عندنا بالاستراحات، وهي مزيج وسطي بين المزرعة وديوانية المنزل (أو الملحق أو الخيمة المنزلية بيت الشَعر). وإلى جانب الاستراحات الخاصة المملوكة لأفراد هناك استراحات عامة للتأجير لعموم الناس. وأصبحت الاستراحات ظاهرة اجتماعية لدرجة أن جريدة "الرياض" اليومية خصصت إحدى افتتاحياتها مؤخرا لتناول هذه الظاهرة بسلبياتها وإيجابياتها.
في المقابل، أين يجد الفقراء وذوو الدخل المحدود والمسدود أماكن ترفيه؟ أم أن ليس من حقهم وحق أطفالهم الترفيه والترويح عن النفس بعد أن أصبح دخول الحدائق العامة وأماكن الترفيه برسوم مالية، والألعاب والخدمات داخلها بمبالغ إضافية ومُبالَغ فيها؟
كنت في طريق العودة هذا المساء إلى منزلي بعد تلبية دعوة عشاء في استراحة فخمة في الثمامة خارج الرياض، ولاحظت أن مواقف سيارات أماكن الترفيه العامة (ذات رسوم الدخول والخدمة) على جانبي الطريق مملوءة. لكن ما شغل بالي هم أولئك الأفراد وتلك الأسر التي افترشت الأراضي الخالية وبعض جوانب الطريق بجوار سياراتهم وأشعلوا نيرانا باهتة للتدفئة وربما للإضاءة، وربما لمجرد التسلية.. وهي بالنسبة لهم مجانية على كل حال!
صدقوني، قد يكون هؤلاء الذين افترشوا الأرض والتحفوا السماء أسعد بكثير من الآخرين الذين سعوا للترفيه خلف الأسوار العالية وتحت الأنوار الزاهية. فالقناعة كنز لا يفنى.
الخميس
الفكرة الرئيسية في يوميات هذه المرة المكان وعلاقته بالإنسان.
هذه العلاقة، المكان والإنسان أو الإنسان والمكان، أعيشها بحب وأتأملها بشغف لأنها تحمل في طياتها أسرار الإنسان وكوامن المكان. والأجمل في هذه العلاقة حين يضاف إليها بُعدها الثالث.. الزمان.
فكرت في هذا الموضوع منذ فترة، وسجلت عنه بعض الخواطر ورؤوس الأقلام، وبقي أن أبني فوق هذا الهيكل الذهني ما يستحق القراءة. وعلى العموم، لم أقرر بعد إن كنت سأدوّن هذا الكلام هنا في "فنجان شاي" أو هناك في "أوراق مسافر - لابن بطوطة".
الجمعة
مع غروب عام وشروق عام جديد
يرتفع الدعاء إلى السميع المجيب
ويحلو الأمل ويتجدد
بالسعادة والتوفيق والنجاح
(هذه خاطرة/ إهداء كتبته لشخص عزيز في دفتر يوميات (مفكرة 2009) "غير شكل" أهديته إياه. وأعيد نشرها هنا متوجها إلى الله بالدعاء، وبالأمل إلى الجميع)
جديدي المقبل:
- بين حذاء الزيدي وحذاء الطنبوري
- المصالحة مع الألم بالقراءة (مع الاعتذار على تأخر نشره)
- المنعطف الأخير (كلام حول المفهوم)
|