محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
كل عام * جزء من النص مفقود * وأنتم بخير !

كل عام * جزء من النص مفقود * وأنتم بخير !
أنت وأنا وهو وهي من بين عشرات وربما مئات الملايين في عالمنا العربي والإسلامي الذين تبادلوا التهاني بعيد الفطر السعيد من خلال رسائل الهواتف المتنقلة القصيرة (sms)، وقبلها التهاني بدخول شهر رمضان المبارك.
وعبارة "جزء من النص مفقود" مألوفة لدى من يتعامل مع هذا النوع من الرسائل، وهذه العبارة كثيرا ما تظهر (ربما ليس في جميع الدول بنفس الصيغة) ضمن نصوص الرسائل المتبادلة لسبب فني يتعلق بسعة الرسالة، وعادة ما تجد هذه العبارة في الرسائل ذات النصوص الطويلة التي لا يستلمها جهاز الهاتف المستقبل دفعة واحدة، بل على دفعتين أو أكثر.
والأصل في الـ (sms) أن يكون نص الرسالة محدودا، لأن الفكرة قائمة على تبادل الرسائل القصيرة بسرعة، والسرعة تتطلب الإيجاز، بما في ذلك اختزال الكلمات في حروف لاتينية مختصرة متعارف عليها.
ونادرا ما يتم اختزال الكلمات في الرسائل القصيرة العربية، لأن اختزال الكلمات غير شائع وغير متعارف عليه في الثقافة العربية، ولأن العرب بوجه عام يميلون إلى الإطالة وحشو الكلام الذي يمكن اختصاره. وفي بعض الأحيان تقرأ رسالة عبر الهاتف المتنقل وكأنك تقرأ رسالة ورقية عادية لأن النص يحتوي على مقدمة وخاتمة وبينهما تضيع الفكرة الأساسية.
هناك من يفضل النصوص الموجزة والمباشرة، وهذا الأصل في الرسائل القصيرة (sms)، وهناك من يفضل النصوص المتوسطة والطويلة التي تحتوي أحيانا على أبيات شعرية واستشهادات واستطرادات يمكن الاستغناء عنها في معظم الأحوال.
من بريد تهاني رمضان والمعايدة الذي وصلني اخترت لكم بعض الأمثلة. أنا على يقين بأن هناك أمثلة كثيرة جدا ومعظمها أفضل مما لدي، لكني سآتيكم ببعض ما أحتفظ به حتى الساعة في جهازي، لأني أمسح معظم الرسائل أولا بأول.
هناك أدعية مختصرة وجامعة وذات صياغة أدبية رفيعة مثل:
تقبل الله طاعتكم وأتمّ بالعيد فرحتكم
جعل الله الريان بابك والفردوس ثوابك والكوثر شرابك
وهناك تهانٍ أقرب إلى الشعر الغنائي مثل:
أمانينا تسبق تهانينا
وفرحتنا تسبق ليالينا
ومبارك الشهر (أو العيد) عليك وعلينا
من بستان الحب وريحانه
أهديك الورد بكل ألوانه
وأهنيك برمضان قبل أوانه
ولا يخفى عليكم أن بعض هذه التهاني طابعها بنّوتي، أي مما تتداوله الفتيات بينهن، وهذا صحيح لأنها وصلتني من بعض بنات شقيقاتي.
وأحيانا تأتي هذه العبارة - وعادة ما تأتي عشوائية - لتغير المعنى أو تضفي عليه معنى غير متوقع لا يخلو من طرافة، وهذا مثال ظريف من واقع بريدي:
* جزء من النص مفقود * إلى الأبد
والأجمل أن يقترن هذا الحب بالدعاء منا ومنهم
فجعل الله * جزء من النص مفقود*
جزء من النص مفقود، ليس في نصوص الرسائل القصيرة فحسب، بل في ثنايا أفكارنا وطيات مشاعرنا ودفقات أحاسيسنا وصفحات ذاكرتنا ودفاتر ذكرياتنا الذهنية. وهذا النوع من النص الجزئي المفقود، أو المفقود جزئيا، هو بيت القصيد.
قد يكون مفقودا بفعل الإهمال، وربما التناسي أو النسيان، وأحيانا بسبب تقادم الزمن، وربما لأسباب أخرى تختلف من شخص لشخص.
هناك جزء من النص مفقود في كلامنا مع بعض الناس، وفي بعض الأحوال.
وهناك جزء من النص مفقود في كتاباتنا، لأننا لسنا قادرين على التعبير عنه أو لأننا عاجزين عن البوح به.
وهناك جزء من النص مفقود في قراءاتنا، لقصور أو عجز في أفهامنا، أو لعدم امتلاك الكاتب الأدوات الكافية أو اللازمة لإيصال أفكاره ومشاعره إلينا.
وهناك جزء من النص مفقود في أفكارنا.. في أحلامنا.. في حركات أجسادنا التي تعيننا على التعبير، وأحيانا تخوننا في التعبير.
وهناك جزء من النص مفقود في حياتنا وأعمارنا.
تُرى، هل يلزمنا البحث عن كل مفقود من هؤلاء وأولئك؟
ليس بالضرورة! فالأفضل أن تشغل نفسك بما بين يديك وما هو أمامك، لا أن تشغلها بما هو مفقود. وكل مفقود غير موجود.
كل عيد – وهذا الجزء من النص موجود! – وأنتم بخير!
|