المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عزيز عيد مبتكر أول مسرح عربي بالهواء الطلق

 





إذا اعتبرنا أن أبو خليل القباني من أوائل من دعم صناعة التمثيل بروايات عربية من تأليفه وألحانه كرواية ( الحاكم بأمر الله) التي قدمها على دار الأوبرا في مصر عام 1884 م أو غيرها من أعماله المسرحية في سوريا قبل هذا التاريخ فإنّ عزيز عيد المنشغل بالهم المسرحي خلال الثلث الأول من القرن العشرين في مصر وهو من أصل سوري كما كُتب عنه في /الموسوعة العربية الميسرة /. يعتبر بحق من أبرز الأسماء التي كافحت وناضلت لخلق هوية مسرح محلي مصري معتمداً على ما يملك من قدرات كبيرة ورؤية عميقة في التمثيل والإخراج وتدريب الممثلين.‏
فمثل بذلك ظاهرة تستحق الوقوف عندها والاهتمام بها كحالة من الجهد المتواصل لتحقيق أحلام كانت تتعثر من حين لآخر. لقد كانت بدايات عزيز عيد المسرحية عندما انخرط في فرقة /اسكندر فرح الدمشقي 1810- 1904- الفرقة التمثيلية التي بدأت عملها باسم أبي خليل القباني والتي شكل غياب (سلامة حجازي 1852-1917)عنها فراغاً كبيراً لما لهذا الفنان من قدرات متميزة في الغناء والتمثيل بحيث أصبح عميد الغناء العربي في مصر حتى عام 191. وحين جاءت الحرب العالمية الأولى امتلأت مصر بجنود الإنكليز والمستعمرات واكتسحت القاهرة موجة من الانحلال وشاعت الملاهي الرخيصة فانكمش المصريون على حياتهم . وتقلصت بالتالي الفرق المسرحية ولم يبقَ منها غير فرقة /جورج أبيض/ -1880 -1950- ( وهو أحد أقطاب المسرح العربي من أصل لبناني أوفده الخديوي إسماعيل عام 1904م في بعثة إلى فرنسا لدراسة فن التمثيل) وكانت هذه الفرقة تحمل في جعبتها ثلاث مسرحيات قديمة مترجمة. وقد كان المسرح المصري على ما يبدو يعتمد على أسماء كبيرة للتمويل وبالتالي فإن ممولي هذه الأعمال المسرحية كان همهم اجتذاب الناس لتحقيق الربح بالدرجة الأولى. أما عزيز عيد لم يكن يملك سوى الموهبة كممثل هزلي متميز ومخرج ناجح يستطيع تحريك الممثلين على الخشبة بشكل جيد مما جعل جورج أبيض يوظف موهبته هذه دون أن يتحقق الانسجام الكامل بينهما. بل أكثر من ذلك حاربه مادياً ولم يلتزم بإعطائه أجوره المتفق عليها.‏

وفي هذه الظروف الخانقة ترك عزيز عيد فرقة جورج أبيض وهو يفكر بتقديم الرواية المصرية النابعة من أعماق الحياة المصرية وبقي على تفكيره رغم التشرد والإفلاس حتى التقى عام 1917م بأمين صدقي وشكلا ثنائياً جميلاً كنجيب الريحاني وبديع خيري فيما بعد . واستطاعا أن يؤلفا دراما ريفية مصرية من فصل واحد كان أسمها (الوردة الحمراء) مثل فيها عزيز عيد وتلميذه نجيب الريحاني. ولم تستطع هذه المسرحية مواجهة الشارع الفني المصري الذي تسيطر عليه الملاهي والعروض الرخيصة فأسدلت المسرحية ستارها بعد أسبوعين ليعود عزيز عيد يلملم أحلامه من جديد وهو في حالة التشرد والإفلاس الذين لازماه فترات طويلة من حياته. لم يكن نجيب الريحاني راضياً عن عناد وتشبث أستاذه بأفكاره. ورغم المحاولات العديدة لم يستطع إقناع عزيز عيد بالتراجع عن قيمه ومثله وهواجسه المسرحية في حين أنّ نجيب الريحاني انزلق أخيرا مع بعض أعضاء الفرقة لتقديم عروض - فرانكو اراب - معتمداً على شخصية - كشكش بيك - المأخوذة عن شخصية العمدة في رواية عزيز عيد الوردة الحمراء. (وكشكش) في الأصل اسم الدلع لنجيب الريحاني من صديقته (لوسي) التي تعمل راقصه في الملهى الذي يقدم فيه نجيب عروضه وهو لرجل رومي. ومن هنا انتشرت الشخصية الخالدة في المسرح المصري (كشكش بيك ). وكان عزيز عيد يتردد من حين لآخر لحضور ما يقدمه نجيب الريحاني ويجلس في الصفوف الخلفية متحسرا ً على صديقه الذي تراجع عن قيمه الفنية ليتضاعف أجره من -25- جنيه إلى -200- جنيه في الشهر خلال فترة وجيزة 0واستمر عزيز عيد مع نخبة من تلاميذه مشردين في الشوارع لا تملأ جيوبهم سوى الأحلام.‏
ومرة أخرى يغامر هذا الفنان بتأثير مباشر من صديقه -عزيز صدقي - أن يعمل في كازينو تديره امرأة فرنسية فعمل مع زملائه متفائلين بالاستمرار لتجميع رأسمال ما يساعدهم على تحقيق أحلامهم التي أصبحت هموم حقيقية تعترضها مصاعب مادية إلا أنّ هذه التجربة لم تستمر إلا أيام قليلة خرجت الفرقة من المسرح في اليوم الخامس مغسولة بالبيض والبندورة رغم الحضور الكبير ولكن من الأجانب الذين اعتادوا على نمط آخر من العروض. ولم يستكن عزيز عيد بل بقيت أحلامه تراوده في تقديم الرواية المصرية المحلية الحقيقية على مسرح حر وبقي تلاميذه يؤمنون به ويواجهون معه أياماً أُخرى من الفقر. في هذه الفترة أسس عزيز عيد لأول مسرح مصري في الهواء الطلق حيث كان كل مشاهد يحضر إلى هذا المسرح يصطحب معه خادماً يحمل له كرسيه وكان إذا حضرت عائلة احتاجت إلى عربة من المقاعد (كما وصفت هذا المسرح فاطمة اليوسف في ذكرياتها المطبوعة أواخر الخمسينات عن مطابع روز اليوسف ) وقد لاقى هذا المسرح رواجاً منقطع النظير وكان على حد تعبيرها من أعجب المسارح. (وفاطمة اليوسف هذه أهم ممثلة مصرية عاصرت هذه التجارب المسرحية و عملت أيضاً في الصحافة وأصدرت روز اليوسف ووالدة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس الذي كتب مقدمة هذه الذكريات)‏
ولكن فصل الشتاء حارب تلك الظاهرة لعدم أمكانية العرض في الهواء الطلق مما جعل هذا الفنان الظاهرة يستميل إلى جانبه من جديد صديقه وتلميذه / كشكش بيك ) الفنان نجيب الريحاني الذي أصبح ميسوراً وقدم له الدعم المادي في تقديم مسرح محلي مصري حر وكان ثمرة هذا التعاون أن التقى عزيز عيد بالكاتب محمد تيمور التركي الأصل ليؤلف له رواية / العشرة الطيبة / التي وضع ألحانها الخالدة سيد درويش. وتتحدث فاطمة اليوسف في مذكراتها أيضاً أن عزيز عيد دفع ثمن ذلك غالياً لأنّ إصراره على إنجاز العمل جعله جنباً إلى جنب مع الشيخ سيد لمدة عشرين يوماً . وتضيف أن عزيزاً شارك بشكل أو بآخر في ألحان العشرة الطيبة لما قدمه من تعديلات وملاحظات حول هذه الألحان. وكانت العشرة الطيبة وكان الإقبال المنقطع النظير والنجاح الباهر رغم ما فيها من انتقادات لاذعة للطبقة الأرستقراطية.‏
وجهت أنظار نجيب الريحاني بوقف الدعم عنها لأن مسرحه الذي كان يعمل به كاد يتوقف من النجاح المبهر لعرض( العشرة الطيبة). وحوربت من ممولها بالذات ليعود عزيز عيد من جديد يراجع حساباته بعد أن توقف عرضه الناجح هذا.‏
في الوقت الذي كان يسطع فيه أسم فني آخر أسمه عبد الرحمن رشدي (أول ممثل مصري يحمل شهادة الحقوق. أنفصل عن فرقة جورج أبيض لأسباب مادية عام 1912 واستطاع أن يؤلف فرقة تحمل أسمه عام 1917 تنافس فرقة جورج أبيض بتقديم أعمال محلية وكان منافساً شريفاً لعزيز عيد ومن مآثر عبد الرحمن رشدي بالإضافة إلى عروضه المميزة اكتشافه المبكر لموهبة غنائية قدمها تغني وتمثل لأول مرة أسمها /محمد عبد الوهاب / في جولات لعروضه المسرحية في الريف المصري . وكان يعتني به كالمربية للطفل نظراً لصغر سنه ونحافة جسمه. ولا يعرف أحد من قدم هذا الصبي المعجزة لعبد الرحمن رشدي.‏
كانت خيبات الأمل تتكرر على عزيز عيد فهو يمتلك الموهبة ولا يمتلك المال كوسيلة لتحقيق مشروعه الفني الذي يكافح من أجله. وفي كل مرة يتعلق بأمل جديد. وقصته مع يوسف وهبي حين ذهب عزيز إلى إيطاليا مع /مختار عثمان / لإقناع يوسف بالعودة إلى مصر والعمل سوياً على متابعة المشروع الفني الذي يعمل ويكافح من أجله عزيز عيد. عاد الثلاثة إلى الوطن وأسسوا سوياً بالتعاون مع نخبة من الممثلين في مصر (مسرح رمسيس )عام 1923م الذي قدم المسرحية المعروفة في تاريخ المسرح المصري (غادة الكاميلية ). ورغم احتجاج الممثلين على طريقة أداء يوسف وهبي التي لا تصلح إلا للأدوار الشاذة على حد تعبيرهم لضخامة صوته وعدم استجابته لتغيير نمط أدائه بالشكل الذي ينسجم مع الدور الذي يمئله. ولعدم رضوخ يوسف وهبي لآرائهم النقدية. كان عزيز عيد يدربه ويهذب له ألفاظه لتنسجم مع الحدث وهو حريص على عدم إغضابه خوفاً من أن يخسر هذا الممول المهم والداعم المادي لهذا المشروع الفني (الذي دخل تاريخ المسرح العربي من أبوابه الواسعة فيما بعد باسم نجيب الريحاني بالذات )0 ورغم الإيرادات الباهرة لهذه المسرحية إلا أنّ عزيز عيد بقي مفلساً ومرتبطاً بإرادة الممول يوسف وهبي الذي كان يغادر المسرح بسيارته الفاخرة تاركاً عزيز ينتظر خروج المشاهدين والممثلين ليجد له مكاناً وراء الكواليس يرتاح فيه لليوم التالي لأنه لا يملك مسكنا وراتبه الذي يتقاضاه كان لا يكفيه.‏
هذا هو عزيز عيد نجم المسرح المصري في الثلث الأول من القرن العشرين وأستاذ أجيال من كبار الفنانين والممثلين في تاريخ مصر أمثال نجيب الريحاني وحسين رياض وأستفان روستي وغيرهم عمل ممثلا ومخرجاً ذكياً وكان من أبرع الممثلين الهزليين الذين عرفتهم مصر. قالت عنه أيضاً فاطمة اليوسف ( لا أعرف فناناً مصرياً ضحى من أجل الفن مثل عزيز عيد وتشبث بمبادئه الفنية في جميع الظروف مثله لم يكن فناناً على المسرح فحسب بل كان فناناً في حياته الخاصة وعلاقاته بالناس فناناً حتى أطراف أصابعه )‏
مراجع البحث
كتاب ذكريات فاطمة اليوسف مطابع روز اليوسف القاهرة الطبعة الأولى 1958 و الموسوعة العربية الميسرة دار نهضة لبنان للطباعة والنشر بيروت.‏

المسرحي عزيز عيد..مبتكر أول مسرح في الهواء الطلق في مصر



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدراجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."