محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
5 أكتوبر 2008.. عشرون سنة مرت...
عندما تعود بك الذاكرة إلى عشرين سنة إلى الوراء بالضبط.. وتعرف أنك تتذكر ذلك اليوم جيدا..بل وتذكر المشاهد كاملة وكأنها كانت بالأمس فقط...ربما يتغير مفهوم الزمن داخلك.. ربما تخاف.. ها قد مرت الكواكب والأرض حولك عشرين مرة وأنت القابع في وردة العمر لا تشعر بأنك تتقدم في السن وفي الشغب..
حدث ذلك عند الخامس من أكتوبر 2008.. ورجعت إلى 5 أكتوبر 1988.. في ذلك اليوم بالضبط..كنت مع جدي وجدتي- رحمهما الله- في مدينة المدية والتي تبعد بـ60 كلم عن مدينتي قصر البخاري.. المدينة التي شكلت طفولتي وذاكرتي كاملة..كنت أشكو منالتهاب اللوزتين وسبب لي ذلك مضاعفات فراجعت طبيبا للقلب.. كان عمري 11 سنة وكنت على أهبة امتحان شهادة التعليم الأساسي..
في الصباح الباكر انتقلنا إلى هناك وعند الحادية عشر صباحا كنا قد أنهينا الفحص.. جدتي رحمها الله كانت تشكو الروماتيزم.. أما جدي فلا أذكر أنه كان يشكو من مرض ما.. ورغم انه تعرض لعدد من العمليات الجراحية إلا أنه دائما في مخيلتي بصحة جيدة.. كان صاحب كريزمة خاصة تقف بجبروت خارق..
وركبنا الحافلة.. طعم تلك الحافلات لا يزال بحلقي.. فيها رائحة السجائر والمازوت وكذا البسكويت والعلكة وأيضا الحقائب الصغيرة التي تحتوي هي الأخرى على الأكل المخزن فيها.. البيض المغلى لا يزال عالقا بذاكرتي واشمه الآن...
كنت وعلى الرغم من ذلك السن أجلس تارة في جحر جدتي وتارة أخرى في حجر جدتي.. ولكن صدقاً كنت أزعج جدتي لان جدتي كانت إلى جانب النافذة.. دوما تجلس المرأةإلى النافذة والرجل بعدها ربما هي حماية ما ولكن توقفت الحافلة عن المسير عند مشارف البرواقية...قالوا لنا
- الطريق مقطوعة
أتذكر جيدا حزن جدتي عندما عرفت أن هناك أعمال شغب في البرواقية فأبي يعمل هناك.. لا اعرف كم كانت جدتي تحب والدي.. هو وحيدها وسط ثلاثة بنات.. وعدد من الرضع الموتى
عندما توقفت الحافلة نزلنا جميعا.. عدد كبير من الحافلات.. السيارات.. سيارات الأجرة الصفراء.. ورغم لفحة الخريف إلا انه يوم مشمس...
ما اسم ذلك المكان بالضبط.. لا اعرف... حقا لا أعرف هو على مشارف البرواقية ولكن ما اسمه.. وزرة لا ليست وزرة.. بن شكاو لا اعتقد.. لا أعرف..
ولكنه مكان جميل فيه ضلال كثيرة ساعدت ذلك الكم الهائل من الوافدين الذين تعثرت بهم الطريق.
ظلت جدتي تبكي والدي الذي يعمل في تلك المدينة كما قلت..وجدي هناك رفقة الرجال يتحدثون.. سمعته يقول كنت أعمل في واد الحكم... لا استطيع نسيان هذا الاسم.. واد الحكم.. هو اسم جميل وأفكر في رسمه فضاء لرواية قادمة..
المثير أنني الآن عندما أصبحت وحدي من دونهما تراودني الأسئلة والذاكرة...
الذاكرة تسقط كاملة عندما لا يكون هناك من يساعدها...
ساعتين .. ثلاث.. أربع.. ربما وواصلنا الطريق..وعند الرابعة وصلنا إلى قصر البخاري.. وكثير الحكايات
كان الشغب كذلك في المدينة الصغيرة.
وهرعت إلى ملتقى الحي عند سكنى المعلمين حيث حرق مصنع النسيج.. والحق أنني جمعت بعض الأوراق والتي فيها ثقوب مستمرة منحنية عرفت فيما بعد أنها تقدم للعاملات الجدد كي يتحكمون في آلات الخياطة.. قال لي طفل هناك:
- لوكان شفتي واش صرا
- ماذا
- وليد خالتي جاب سلسلة ذهبية..وكان الشارع يموج بالسلع والنقود
هكذا الأطفال..
ولكن أبي لم يعد..
البرواقية بها مركب كبير لعتاد الراي يشتغل فيه ولدي وهو يذهب إلى عمله كل يوم بواسطة القطار.. ينهض صباحا ولا يعود إلا عند السادسة مساء...
كانت الساعة الثامنة ليلا...فاجتمعت عائلات كاملة عند مشارف مدينتي.. لا اعرف عدد العاملين من قصر البخاري في ذلك المركب.. ربما كلهم .. وجاءهم أحد بخبر مفاده أن القطار قد حرق..
وانتظرنا.. وانتظرنا ووصل أبي عند العاشرة ليلا...
أمي كانت أيضا تبكي.. لقد أخبروها أن خالي قد اعتقل.. لأنه شارك في أعمال الشغب...
5 أكتوبر 1988 – 5 أكتوبر 2008
عشرون سنة..
ربما هذا العالق بذاكرة.. والعالق بالوعي..
ونحن لا نزال بذات المكان.. والاحتمال مفتوح على كل شيء..
عشرون سنة ولا أفهم السياسة..
فكرت مرة واحدة .. في 1995 عند الانتخابات الرئاسية لقد قدمت صوتي لحزب التجديد.. لعبد الوهاب بوكروح لقد قالوا لي أنه تلميذ مالك بن نبي.. فتوقعت أنه الخلاص..بعدها تأكدت أن الخلاص هو أنا.. هو نفسي.. هو سياسة النجاح الفردي.. لا اعرف لماذا حددت ذلك مبكراً وأصبح كل شكل من أشكال التجمع يضحكني.. حتى في الجامعة لم أشأ الانضمام إلى أي تنظيم طلابي.. قد أكون أنانية ولكن ما الوطن لو كنت أنا من دون هوية.. هوية إنسانية تجعلني على خارطة أمل؟؟؟؟؟؟
عشرون سنة..
يا كل الضائع من العمر ومن السياسة..
عشرون سنة والحقيقة ملك للشغب...
الشغب الذي يشعل النار ويتأخر الآباء في العودة ويصير عمال مصنع النسيج بطالين..
فكرت كثيرا ذلك اليوم.. ولكن فكرة واحدة أدخلتني عالم الدهشة.. مفادها أنني استطيع تحريض ذاكرة عمرها عشرين سنة.. واوو لقد أصبح لي ماضي وذاكرة..
اصدقائي.. سأفتح الذاكرة وأكتب لكم..
|