المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تقديم بقلم الأستاذ محمد المزوغي

تقديم

بقلم الأستاذ محمد المزوغي*

 

الرحال . . . اسم صافحني لأول مرة إثر استشهاد الشيخ الشهيد أحمد ياسين، في تلك الآونة صمت الشعر .. وكان لابد له أن يصمت فالحدث أكبر من الكلمات .. وأكبر من القصائد.. ثم على استحياء توالت القصائد وكأن الشعر أراد أن يقول كلمته التي لابد له أن يقولها.

ومن بين تلك القصائد كانت مرثية الرحال: ياسين شمسك قد علت

من هو الرحال؟ هكذا تساءلت . . . وكان الجواب لدى محركات البحث:

شاعر ليبي من غرب البلاد يعمل في الخارج ينماز بأخلاقه العالية ويكتب القصيدة التقليدية في ... لندن ... أيعقل هذا؟!!

هل مازال الخليل حاضرا في المشهد الشعري حتى لدى الشعراء المقيمين في عاصمة الضباب؟

ولم يمر وقت طويل في عصر القرية التي اسمها العالم حتى تعرفت إلى الرحال وإذا به يدفع إليَّ مجموعته الشعرية الأولى التي كان مترددا في نشرها كعادة المبدعين الليبيين لا يرضون عما أنجزوه ، ويبحثون دائما عن صياغة أعظم، ولولا إلحاح الأصدقاء لم ير نتاج كثير منهم النور.

طالعت الديوان وتوقفت طويلا عند العنوان الذي اختاره الرحال ( صرخة مكتومة) إذ أنني بعد تصفحي لعدد من القصائد تبينت بجلاء حجم الصراخ وتسمعت الدويَّ الذي لم يكن مكتوما بحال فمن أين جاءت صفة الكتمان هذه ؟ وهل هناك لبس ما؟

الحق أن المطالعة المتأنية لقصائد الديوان تكشف أن لدى الشاعر الكثير مما لم يقله بعد، وقد تكون هذه الصرخة صدى لصراخ أعظم مازال يعتمل في وجدان الشاعر لم يتحسس طريقه إلى الخروج بعد، ألم يقل البردوني رحمه الله:

             أجمل الشعر نغمة لم أوقعها   وصمتي يطوي لها ألف معنى

 هذا الذي لم يقل حتى الآن نلمحه في قول الرحال:

                     ولو تدري بما يشدو     به عقلي ووجداني

                     ولو تدري بما أهذي    ولو تــدري بألحاني

ونلمسه  أيضا في استقراء إيقاع القصائد، فالرحال جعل معظم قصائد الديوان من البحر الكامل، فلا نلمح حضورا لباقي البحور باستثناء الرجز الذي نظم عليه قصيدتين، والوافر والمتقارب والهزج، وقد ظفر كل بحر بقصيدة واحدة في الديوان وغابت بحور مهمة كالطويل والبسيط والرمل والخفيف وهذا يعني أن في جعبة الرحال مالم يقل؛ على الأقل على هذه البحور التي لا يمكن لشاعر في قامة الرحال أن يتجاهلها.

 شعر الرحال ينتمي للمدرسة الوصفية، فالرحال شاعر وصف من الطراز الأول ولعل الغربة التي عاشها وعاشته دفعته إلى تنمية هذه الملكة ، وقد ذكّرني حنينه لبلدته ودقة وصفه لها بالفنان عوض عبيدة الذي حمل معه ذاكرته في غربته الطويلة وهناك أعاد إنتاج الذاكرة فكانت لوحات فريدة للبيئة الاجتماعية في ليبيا في منتصف القرن الماضي، الرحال كذلك حمل معه ذاكرته وأطال البحث في تلافيفها وعاد بصور وصفية لايمكن ملاحظتها إلا عن بعد وخير مثال عن هذا قصيدته الممزوجة بالوجع والحنين ( هاتوا قليلا من تراب بلادي)

في هذه القصيدة حضور بهيٌّ للتراب وما يكتنزه من تفاصيل عن المكان والذكريات، لقد جعل الرحال تراب أرضه في هذا النص كائنا حيا له قدرة الأساطير على اجتراح المعجزات فهو زاد، وعبير، وماء يطفئ الظمأ، وكحل يجلو العين، ولوحة ممتدة بمساحة الوطن تحمل نقوش حضارة، وتاريخ شاهد على أصالة هذا الوطن.

وفي نص آخر عنونه الشاعربـ: يا ليبيا نلمس الحنين ذاته واللوعة نفسها، وقدرة على الرسم بالكلمات:

         

           من ليبيا أحضر دواء شافيــــــا     من أرضها أحضر ترابا أحمرا

           من نخلة أحضر بسيرتها ومن      زيتونها زيتـــــونة كي أبصـرا

           ومن الصحارى فأتني بعجاجها     وبحــــرها ورمالها كي أجبرا.

 

والرحال شاعر عربي ينتمي إلى هذه الأمة وإلى جراحها، ولهذا نراه سريع التأثر بالأحداث التي تمر بها يترجم تأثره شعرا يتجلى فيه الصدق إلى درجة لا يصعب معها رؤيته وتحسسه، يتجلى هذا الانتماء في قصائده عن الشيخ الشهيد أحمد ياسين والشهيد الرنتيسي وكذلك في قصائده عن العراق وفلسطين.

والرحال شاعر شفاف لا يتعالى على أحاسيسه ولايكتمها ربما لأنه واثق من سموها وطهرها ومن هنا نراه يستهل ديوانه بقصيدة إلى زوجته، وقد اعتاد الشعراء سنة الإهداء هذه لكن من النادر جدا أن يتحول الإهداء إلى قصيدة كاملة وإلى الزوجة تحديدا.

إن الرحال يتحدث في قصيدته إلى زوجته  في انسيابية تترجم صدق المشاعر ونبلها لم يسبقه إليها إلا شاعرنا الكبير راشد الزبير الذي أهدى هو الآخر ديوانا بأسره إلى زوجته عنونه بقصائد إلى زوجتي فكان بذلك أول شاعر يهدي ديوانا إلى زوجته وقد اشترك الشاعران الرحال والزبير في أن كليهما يتسامى بمشاعره حتى ليصبح البوح بها لوحة من الممكن أن تعلق على جدار فتضفي عليه جمالا تتقبله كل الأعين دون أن تجد حرجا في النظر إليه.

وبعد . . . هل هذه مقدمة للديوان؟

في الواقع هي مصافحة أردت من خلالها ان أحتفي بشاعر اكتسبته ليبيا ضمن باقة شعرائها ، شاعر تغنى بها كأجمل ما يكون التغني.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."