محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
دمــع البحيرة
حين تضيع القدم فلا تعرف طريقها، أو يهيم العقل فلا يفهم مزاجه، وحين تختلف المسالك فلا تهدي رفيقها، أو يتلاطم موج القلب فلا يعرف جراحه، حين تنهال على الجسم سهام، أو تتألم الروح من المعاني، حين تقيد اليدين حبال، أو يتلعثم اللسان عن البيان . . حينها تكثر الشكوى فلا تعرف مصدرها، ويزداد العتاب حتى يستسلم الملوم، حينها تتعاقد أوهام على خيالات، ويتخاصم المأسور والمكلوم، ويتعارف المجهول والمعلوم ، تسقط أمطار لا تبدو علاماتها، ولا تسيل غدرانها، لا تخضر حدائقها ولا صحراؤها، حينها أسير كالأسير في موكب آسر، وأتبرم من كل شيء حتى البشائر، ألست أنا من سار كالمصفوع كالجاني، ألست أنا من لم أجد شراييني ولا أوصال إنساني، ألم أحطم البئر وأعجز الشجرة، هاهي الآن تنقلي بغربتي إلى هذه البحيرة لأرى صورة وجهي على صفحتها الصافية.
يا إلهي . . تعكر صفو البحيرة، ترى لماذا؟ لماذا أيتها البحيرة؟ يا من أنعشت هذه الواحة فجعلتها جنة جميلة في قلب الصحراء المحرقة . . لماذا تتمعرين من حضوري؟ هل كانت هذه طبيعتك؟ أم أنك تأثرت بما أحمله؟
أيتها البحيرة . . أنا لا أطلب منك شفقة ولا إحسانا . . ولا أريد منك سوى الهدوء لعلي أكتشف ما ارتسم على وجهي الغريب من تعاريج لم تصنعها السنون ولا الهموم، وإنما صنعتها الغربة والبعد.
تحركت البحيرة حركة من هزه الكلام . . صاحت وماؤها ينثر غضبها أو فزعها حتى حيرت الغريب . . . أيها القادم من الأيام، والسائر في الأعوام . . أيها الغريب ويحك، ألم تجد غيري فتفزعه؟ ألم تجد سواي فتجرعه، لماذا جئتني وأنا التي في هذه الواحة أنشر فيها رائحة الماء لتمتزج مع نسائم أعشابها وأزهارها وأشجارها.
تلعثم الغريب مرة بعد مرة، وإذا بدموعه تسيل لتختلط بماء البحيرة الصافي وبدأت الفرقة تعزف ألحانا تمزج ماء بماء ودمعا بدمع . .
في نواح . . أو صياح
من أنين في رياح
سالت الآهات دمعا . .
واستوى الماء جراحا . .
فاستحال الماء دمعا . . . ودماء
وإذا الأوجاع تصحو. .
تشرب السم خمورا في قداح . .
عادت الذكرى جراحا في جراح . .
من حكايات العذاب المحرقات . .
من سنين الشوق طلت لاهثات . .
صفحة الماء استدارت . .
ليرى المسكين فيها ما أثارت . .
ليرى فيها طقوسا من عذاب . .
ليرى فيها أنينا من عقاب . .
وإذا البحرة تشكو من نواح . .
أيها المسكين غادر قبل غوري . .
لا تلمني وانصرف قبل الصباح . .
ومن قبل طلوع الفجر غار الماء، ونزف البكاء الدموع، ليعود الغريب إلى غربته شريدا في صحراء العذاب وهو ينظر إلى السماء، لعله يرى غيمة يطمع في ظلها أو غيثها . . . .
|