محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مدينة الألعاب

توقف كل شيء خلق للحركة والحياة، في مكان وظيفته بعث الأمل والفرح في نفوس هدها الحزن والألم وهموم لا تنوي الرحيل. فاحت رائحة الموت فتغلغلت سريعا تقبض أروح الألعاب الملونة التي تدور بسرعة جنونية مخرجة موسيقى صاخبة.
جلست تراجع ما حدث في لحظة لم يدر في خلدها أن تحدث، أبهذه السهولة تنقلب الحياة على رأسها ويتحول الفرح حزنا وتتوشح الدنيا السواد ويتوارى النور خلفه مسرعا وكأنه لم يكن حاضرا قبل قليل؟! هل نسيت بالفعل أم تعمدت النسيان أم هو الذي نسي ودفعها لنسيان أيضا؟!.
- اليوم موعدنا في مدينة الألعاب!
- في انتظارك..
أن يطلب اللقاء، فهذا أمر غير مستهجن منها، فهو من يقدم الدعوة ويحدد المكان والزمان..أما هي فلا عليها إلا القبول!. أغلقت سماعة الهاتف، فتحت باب دولابها وقلبت ملابسها، لم تشعر أن أيا من فساتينها قد أغراها لكي تلبسه، فلمحت ذلك القميص البرتقالي والجنز الرمادي الضيق فابتسمت متذكرة أنه يحب هذا القميص المحفور الذي يجعل أعلى صدرها بارزا وذلك الجنز الضيق الذي تحشر نفسها فيه بصعوبة فتبدو وكأنها طاووس منفوش الريش!.
رنّ هاتفها رنة واحدة، كرمز بينهما في حالة اللقاء أي (أنا في الخارج ، هيا اخرجي). نثرت على نفسها عطر باريسي فاخر بشكل عشوائي..ثم خرجت تسابق الخطى وتتأمل القادم والذاهب في وجل!.
- سنلعب اليوم كثيرا..أريدك ِ أن تركبي معي قطار الموت والصحن الدوار ونتشارك بالتجديف في تلك البحرية الصغيرة.
لم تجب، فقد كانت تمارس التجديف في عينيه السوداويتين وتلحظ حركة فمه وهو يتحدث مبتسما.
- سنذهب إلى تلك المدينة.. حيث التقينا أول مرة.. كم اشتقت إليها.
حينها ظل يطاردها طويلا، وهي تمسك تلك الوردة الحمراء غير خافية الدلالة. رمى الرقم عليها فخطفته قبل أن تلمحها عيون من تصفهم بالمتطفلين!.
غريب أمر ذلك الرجل لم يطلب لقاءها سريعا كما كانت تتوقع، فهذا ما يفعله أي رجل يتعرف عليها حتى يقضي معها ليلة محفوفة بالمال والهدايا.. ثم تكون النهاية. ولكنه فضل أن يحتضن هاتفه الجوال يوميا بعد منتصف الليل ليسمعها مختارات من أشعار نزار قباني ..
أحبيني بلا عقد ِ
وضيعي في خطوط يدي ..
أحبيني .. لأسبوع .. لأيام .. لساعات ِ
فلست أنا الذي يهتم بالأبدي ..
أحبّت نزاراً من حبه له، فلم تسمع يوما كلاما كهذا الكلام الساحر الذي يلج في النفس فلا يخرج منها إلا بآه مديدة. من يحدثها عن الحب ؟! أبوها الذي لم تره يوما بوعيه حتى تحدثه فهو مخمور منذ أن عرفته! أم أمها؟ كيف تحدثها عن الحب وشجونه وهي لا تراها إلا ووجها متورم ومليء بالكدمات! فهي تجمعهم حولها في غرفة مظلمة كالدجاجة التي تحمي صغارها من الغرباء وذلك لما يعود الأب في الليل مترنحا. يصرخ ويطرق الباب والأم ترفض الإجابة، فيكسر الباب ويجرها من شعرها بقوة ويقذفها على الأرض، فتسقط مغشيا عليها. يستفرد بإحداهن وهن كنعاج أمام الذئب لا يملكن إلا الصراخ.
أحبته، فهو بالنسبة لديها شاب خارج عن نطاق العادة والمألوف، شاعر مثقف واعي حنون سلسل التعامل. اندفعت إليه بكل قوتها حتى لم تعد تسأل كما هي العادة (متى النهاية) إنها لا تريد النهاية بتاتا ، بل تريد هذه العلاقة بداية النهاية وطمس لكل علاقة ماضية.
بنشوة تفوق نشوة الأطفال بزيارة مدينة الألعاب، قطعا تذكرتين ودخلا. فور دخولهما طلبت منه شراء الأس كريم من المحل الذي رآها فيه أول مرة. زحام شديد عند البائع ، همس في أذنها..
- كل هؤلاء عشاق مثلنا أتوا يستعيدون الذكرى!
ضحكت وهي متكئة عليه تلاعب شعر يده الكثيف، فهو من الكثافة بحيث تقوم بتفريق الشعيرات يمينا ويسارا ثم تعود إلى تجميعها مرة أخرى. ناولها اللون الأصفر وأمسك باللون البني وراح يحاسب البائع.
أحدهم غرس شيئا في يدها خلسة وسط الزحام، تفحصت يدها فإذا هي ورقة صغيرة جدا. دنا منها وعينيه تثير سؤالا، بلعت ريقها والأس كريم يذوب شيئا فشيئا..
- ما هذه الورقة؟!
فتحت الورقة فوجدت بداخلها رقم هاتف جوال ودون فوقه اسم لأحدهم. همت أن تبرر، تلعثمت تأرجحت الكلمات ولكنها لم تخرج. بصق في وجهها ورمى الأس كريم أرضا..
- يا لي من أحمق .. كيف نسيت من أنتِ في الأصل!
ثم تركها لوحدها، وظلت غريبة وحيدة وسط جموع الناس التي تفد تباعا محدثة موجة عالية من الضجيج تلتهمها؛ انسحبت لتلقي نفسها بجوار البحيرة التي تتوسط مدينة الألعاب، هناك حيث قذفت بالأس كريم وعجنت الورقة اللعينة حتى تفتت!.
--------------------
* نشرت في العدد التاسع عشر من مجلة دارين الصادرة عن النادي الأدبي بالدمام
عبدالله الدحيلان
(سفير الكتابة)
|