المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الأخطاء الطبية.. من يحمي المريض ومن يحمي الطبيب؟

الأخطاء الطبية.. من يحمي المريض ومن يحمي الطبيب؟

قصة بعض الآباء المكلومين الذين عرضوا مأساتهم في الملتقى العالمي لسلامة المريض والذي أقيم في فندق الإنتركنتيننتال في العاصمة الرياض، ومنهم أب جاء إلى القاعة ومعه جزء من جمجمة ابنه في كيس عادي من البلاستيك الشفاف، وهو الأمر الذي أصاب الحاضرين بالذهول وأثار بكاء بعض السيدات؛ والحكاية بدأت عندما شكا الطفل (11 سنة) من صداع وألم مستمر في الرأس، وتبين إصابته بورم في الرأس وقرر الأطباء إجراء العملية بعد طمأنة الأب أنها بسيطة، وأجريت العملية عن طريق الفم خرج بعدها الطفل للبيت بصحة جيدة ثم راجع الأطباء فأصروا على استكمال العلاج بإجراء عملية أخرى تعرض بعدها الطفل لنزيف ففتح الأطباء الجمجمة لإيقاف النزيف وقطعوا الجزء الأمامي من الجمجمة، وبعدها بقي الطفل في العناية المركزة مدة ليست بالقصيرة، ثم سافر الطبيب المسؤول عن حالة الطفل، ولدى مرور طبيب آخر رأى سائل في الجمجمة فقام بعملية لسحبه دون علم الأب وموافقته، وانتهى الأمر بإعطاء الأب الجزء الأمامي من الجمجمة بعد أن بقي لديهم ما يقارب ستة شهور ليأخذه وابنه لعلاج العطب الذي تعرضت له الجمجمة في إحدى الدول الأوربية؛ ثم ماذا كان موقف الأطباء الأوربيين؟ يقول الخبر: تعجبوا من طريقة إحضار الجمجمة واستغربوا أن يكون هذا المستشفى في السعودية وأخبروه أن الجمجمة كان يجب أن تحفظ في حافظة لا تقل درجة الحرارة فيها عن 70 درجة مئوية تحت الصفر، وأوضحوا للأب أنهم سيعملون على محاولة إنقاذ حياة الصبي بتركيب جمجمة صناعية، وفعلوا وتحسنت حالته ثم عاد مع والده الذي قام برفع دعوى على المستشفى مطالبا بتعويض، فتشكلت لجنة طبية وفشلت ثم لجنة أخرى، وأثناء التحقيق توفي الولد وما زالت القضية في المحكمة.
نقلت الخبر بتفاصيله المؤلمة لي كإنسانة والغريبة علي كطبيبة، فمن الناحية الطبية توجد بعض العمليات على الرأس التي تحتاج فك جزء من الجمجمة ثم إعادة لصقه - مع ضآلة معرفتي بهذا النوع من العمليات كونه نادراً وبعيداً عن اختصاصي - لكن إذا كان الأطباء قد أخطأوا بإجراء تداخلات جراحية بدون موافقة الوالد، فأين ضميرهم المهني الإنساني الذي يردعهم عن خداعه بهذا الشكل؟ كيف يمكن لنسيج حي - عظمي أو غيره - أن يعيش خارج الجسم البشري بدون الحفاظ عليه بطريقة محددة؟ لا أعتقد أن طالب طب في السنة الأولى يجهل هذه الحقيقة، هذا إذا لم تكن بدهية من بدهيات الحياة؛ ولست بالطبع في معرض محاكمة هؤلاء الأطباء، لكن الخطأ الطبي غير المقصود شيء وتعمد استغلال سذاجة المريض وأهله شيء آخر، وكم كنت أتمنى لو أن "الوطن" تابعت هذه القضية لنطمئن أن هذا الرجل قد نال حقه بالتعويض المادي كالأب الآخر الذي جاء إلى الملتقى ذاكرا أنه نال تعويضاً قدره مليون ريال مقابل إعاقة ابنه التي نجمت عن خطأ طبي، وصحيح أن مال الدنيا كلها لا يعوّض عن فقد الأحباء ولكن لا بد أن ينال العقاب كل من يشوّه المضمون الحقيقي لممارسة الطب، ألا وهو الميزة الإنسانية التي تضع هذه المهنة في مصاف المهن الأقدس والأسمى.
 ولكن السؤال: إذا لم يُلقِ الإعلام الضوء على فداحة الأخطاء الطبية فمن الذي يقوم بهذا الدور؟ في الوقت نفسه لا بد من حماية الطبيب - أو المركز الطبي - من الغوغائية والتشهير بغير وجه حق، فمن الذي يفصل في الأمر؟ لا أدري في الحقيقة إذا كان هناك قانون مكتوب يوضح أوجه العلاقة بين الطبيب والمريض ويحدد واجبات الطبيب وحقوق المريض، ولكن ما أعلمه أن ما ينقص القطاع الصحي هو ما ينقص كثير من القطاعات ألا وهي المنظمات الأهلية التي سمعنا أن مجلس الشورى الموقر يدرس إمكانية إنشائها لتكون مكمّلة وموازية للمسؤوليات الحكومية الجسيمة التي لم تعد تكفي وحدها في إقامة الحق والعدل بين الناس، خاصة أن تراثنا المضيء فيه الكثير مما ينظّم علاقة الناس بعضهم ببعض بما فيهم الطبيب والمريض، هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكن الاستفادة من تجارب بعض الدول العربية وغيرها في هذا الأمر، إذ يوجد في الكثير منها ما يحمل اسم نقابة الأطباء أو الهيئة الصحية لكل العاملين في القطاع الصحي حكومياً كان أم خاصاً، ودورها في حالة الأخطاء الطبية لا يخفى من حيث إنها يمكن أن تدافع عن الطبيب إذ تكشف عن تكرر بعض الأخطاء الطبية - المقبولة نسبياً - بشكل عام في كل بلاد العالم، كما يمكن أن تشارك في تحديد أين هي مسؤولية كل من الطبيب والممرض والصيدلي في حال وقوع خطأ طبي، والأهم من ذلك أنها - وهي المسؤولة عن حقوق الأطباء - عندما تقر بعقوبة طبيب مهمل أو مخادع أو عديم المسؤولية فإنها تحمي بقية الأطباء من النظرة الخاطئة التي يمكن أن تعمّ الصالح والطالح، وبهذا الشكل يمكن أن يُحمى الطبيب ويصل المريض إلى حقه كاملا، مع تفعيل منظمة أهلية كجمعية أصدقاء المرضى لتأخذ دورها في المجتمع أيضاً، وبذلك لا تعود القضية بين طبيب قد يملك الحجة أكثر من المريض الذي قد لا يملك المال لتوكيل محام، أو بين طبيب "لا ظهر له" وبين أهل مريض يستطيعون كفّ يد الطبيب عن العمل ظلماً وعدواناً، بل تصبح دعوى قضائية بين مؤسستين أو منظمتين إحداهما تحفظ حق المريض والأخرى تحمي الطبيب، فما يميز الفعل المؤسساتي الأهلي هو بعده عن البيروقراطية وخلوه من المحسوبية مما يحقق المصلحة للجميع، ويبقى الحكم الفصل لوزارة الصحة .




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."