محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
اقتراحات في سبيل إعداد أفضل لطلبة الترجمة
اقتراحات في سبيل إعـداد أفضل لطلبة الترجمة
نسخة معدلة من الورقة المقدمة لندوة "تكوين مترجمي الغد" التي نظمتها
مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، 8-10 نوفمبر/تشرين الثاني 2006
أسفرت ثورة المعلومات والاتصالات وما رافقها من تكاثر ملحوظ للقنوات الفضائية عن أشكال جديدة من الترجمة السمعية البصرية منذ تسعينيات القرن العشرين المنصرم. وأدى تطور البرمجيات الحاسوبية واتساع نطاق شبكة إنـترنـت إلى نشأة أشكال جديدة من الترجمة بمساعدة الحاسوب، وانتشار المعينات الخاصة بالترجمة في نطاق ما يسمى بـ"الترجماتية"[1].
ومن الطبيعي أن تحث هذه التطورات من يهمهم تعليم الترجمة وإعداد المترجمين على التساؤل بشأن ما سيؤول إليه تعليم الترجمة وإعداد مترجمي الغد في ظل الثورة المعرفية والعلمية والتكنولوجية الحالية. ولما كانت الأسئلة في هذا الصدد كثيرة ومتشعبة، فقد يكون من الأيسر تلخيصها على النحو التالي: هل يمكن تحقيق التقدم في مجال إعداد المترجمين من دون تطوير المناهج الدراسية في المعاهد المتخصصة كي تلائم الأوضاع المستجدة؟ وهل يمكن تطوير المناهج الدراسية من دون تطوير الدراسات والبحوث الترجمية؟ وما هي السبل والأساليب الكفيلة بتحقيق التقدم المنشود في هذا المضمار؟
سأحاول فيما يلي أن أجيب عن بعض التساؤلات الرئيسية المرتبطة بهذه القضايا، وأن أقدم بعض الاقتراحات التي قد تفيد في الاستجابة لمتطلبات إعداد المترجمين للعمل في المرحلة المقبلة.
أولا – لمحة عن تطور أشكال الترجمة
تطورت أشكال الترجمة عبر مراحل تاريخية متعددة، انتقلت خلالها من شكلها الشفهي الأقدم: الترجمة التتبعية (التتابعية/التعاقبية !)، إلى الشكل الكتابي (الترجمة التحريرية). وظهر شكلها الفوري (الشفهي) منذ محاكمة نورمبرغ عام 1946، وكذلك شكلها الآلي في الفترة نفسها تقريبا، أي في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة.
وبعد تقلص نطاق البحوث والتجارب في مجال الترجمة الآلية خلال السبعينيات أساسا، انتعشت المحاولات الجديدة في هذا المضمار بفضل التقدم الهائل الذي تمخضت عنه ثورة المعلومات والاتصالات. ذلك أن حوسبة تجارب الترجمة "الآلية جزئيا أو كليا"، لا سيما منذ أوائل التسعينيات، أسفرت عن ظاهرة الترجمة بمساعدة البرامج الحاسوبية، أو "الترجماتية". وبدأ الحديث آنذاك عما ستؤول إليه "محطة عمل المترجم" في بداية القرن الحادي والعشرين[2]. أما في أواسط التسعينيات، فقد انطلقت التجارب الأولى للترجمة التحريرية عن بعد، مثلما حدث في المؤتمر العالمي المعني بالمرأة الذي عقد في بكين سنة 1996، ثم في مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية، الذي عقد في روما سنة 1998. وفي الفترة نفسها تطور العمل في الترجمة السمعية البصرية تطورا سريعا بفضل البرامج والأجهزة الحاسوبية الجديدة. والملاحظ أن هذا الشكل من أشكال الترجمة ينتشر انتشارا سريعا في ظل تكاثر القنوات التلفزيونية الفضائية والأرضية بمختلف اللغات.
وعلى الرغم من كل هذه المستجدات، فإن أشكال الترجمة المعتادة في إعداد طلبة الترجمة في معظم البلدان العربية بقيت بدون تغيير يذكر. فهي أساسا التحريرية (الكتابية) والفورية (إضافة إلى التتبعية و"الترجمة بالنظر")[3]. وبجانب الدورات الدراسية في هذين الحقلين الرئيسيين، قام عدد متزايد من مؤسسات إعداد المترجمين بإضافة دورات تدريـبية خاصة باستخدام الحاسوب وبرامجياته. بيد أن عملية تعليم/تعلم الترجمة ذاتها، بما في ذلك حوسبة دروس الترجمة، ما زالت غير مكتملة...
لقد كان العديد من المترجمين في أواخر الثمانينيات يحسبون أن اعتماد الأجهزة الحاسوبية في عمل المترجم هو قمة التطور، على الرغم من أن الحواسيب لم تكن بعد مجهزة بمشغلات الأقراص المدمجة (الليزرية أيضا!) التي كانت من أسرار المختبرات في ذلك الوقت. وكانت الحواسيب بالفعل عونا كبيرا، لأنها كانت تيسر عمل المترجم[4] بإعفائه من إعادة طباعة صفحات كاملة لمجرد ارتكاب خطإ بسيط أحيانا. وحينما ظهرت الأقراص المدمجة، ظن الكثير أنه "لن يكون بالإمكان أحسن مما كان" في مجال تيسير أعمال الترجمة، وأن "محطة عمل المترجم" المحاط بالقواميس المخزنة في الأقراص أصبحت واقعا يصعب تجاوزه. إذ لم يكن أحد يحلم بأن الوقت آت قريبا بعجائب الإنترنت في شبكة الشبكات. ثم ظهرت الترجمة السمعية البصرية في شكلها الحاسوبي المعتمد على برامج في غاية الدقة. وما زالت الابتكارات والتطورات تتوالى بلا انقطاع...
سينشأ مترجم الغد في كنف "عالم محوْسَب" يجد نفسه فيه جزءا من نسيج كوني. وسيتسع نطاق "الترجمة عن بعد" إلى أن تصبح هذه الطريقة، ربما، هي الحالة العادية للعمل، وليست الاستثناء. وقبل أن ينطلق هذا المترجم في ممارسة مهنته سيكون متعودا على أن تأتيه المعارف والعلوم بين يديه حيثما كان، لأنه مواطن في عالم "مشبوك" أصبح فعلا قرية كونية.
وبناء عليه، أصبح أستاذ الترجمة مطالبا اليوم بأن يتابع عن كثب ما تتطلبه ثورة المعلومات والاتصالات من تغيير في نظرته إلى تعليم الترجمة وإعداد مترجمي الغد، وما تحدثه من تأثير في منهجيات البحث في قضايا الترجمة ودراستها. ومن ثم أصبح ملزما بأن يرصد انعكاس كل هذه التطورات على كيفية تدريس الترجمة. لكن هذا الأستاذ ليس المعني الوحيد في هذا المضمار. ذلك أنه يتحتم على من تعنيهم مباشرة شؤون تعليم الترجمة أن يدركوا طبيعة تأثير أنواع التكنولوجيا الخاصة بالمعلومات والاتصالات في الممارسة المهنية للترجمة. ثم عليهم أن يعكسوا وعيهم بذلك في تدريس الترجمة وسبل إعداد طلبة الترجمة مستقبلا، إضافة إلى ضرورة الارتقاء بأساليب دراستها والبحث في مشكلاتها.
علينا جميعا أن ندرك أن عصر العلاقة القديمة بين القلم والورق في الترجمة قد انتهى: نحن الآن في مرحلة "لوحة المفاتيح" التي حلت محل القلم. فالترجمة التحريرية تنتقل من تفكير المترجم إلى لوحة المفاتيح، ومنها إلى شاشة الحاسوب ثم الطابعة. وبذلك انحصرت دائرة استعمال الورق في علاقته بالطابعة المرتبطة بالحاسوب. وغدا أو بعد غد، سيكتفي المترجم، ربما، بإملاء ترجمته على الحاسوب شفهيا، بحيث تنحصر وظيفة لوحة المفاتيح (أو النقر على الشاشة) في بضع عمليات بسيطة وقليلة. والبقية لا بد آتية...
ثانيا - العـوامل الرئيسية المؤثرة في تطوير تعـليم الترجمة
إن تحسين إعداد طلبة الترجمة، ولاسيما في المعاهد المتخصصة في تخريج المترجمين المهنيين، يتطلب تعديل البرامج التعليمية في هذه المعاهد، بحيث تستطيع مواكبة تطور سوق الترجمة والاستجابة لمتطلباتها. ويمكن تلخيص العناصر الأساسية التي تـؤثر في عملية إعداد مترجمي الغد في العوامل التنظيمية، والتعليمية، والمادية على النحو التالي:
1 – العوامل التنظيمية
تشمل هذه العوامل المسؤولين عن التخطيط والبرمجة والتنظيم في إدارة معاهد إعداد المترجمين، بالإضافة إلى أعضاء هيئة التدريس. ذلك أن تغيير المقررات والمناهج الدراسية يجري في هذا الإطار، أو يفترض أن يتم فيه. ويشارك فيه الأساتذة والمسؤولون في إدارة معاهد المترجمين. وتتمثل المهام الأساسية على هذا المستوى في ملاءمة البرامج والمناهج الدراسية للاحتياجات المستجدة بإضافة دورات دراسية و/أو حذفها (المعلوماتية؛ الترجماتية؛ الترجمة السمعية البصرية...). غير أن هذه المهام ليست سوى جزء من عدد كبير من الأنشطة التي يتعاون في الاضطلاع بها الأساتذة مع الهيئة الإدارية. وقد يكون أهمها ما يلي:
§ توسيع نطاق التعاون مع المؤسسات المناظرة، وذلك بتبادل المزيد من المعلومات والمطبوعات والزيارات؛
§ إنشاء موقع، أو مواقع، على الشبكة؛
§ إصدار مجلة/نشرة متخصصة في معالجة شتى قضايا الترجمة؛
§ إصدار الكتب المتخصصة في "علوم الترجمة"؛
§ المشاركة في الندوات والمؤتمرات المتخصصة؛
§ عقد الندوات المحلية والدولية.
2 - عوامل التعليم/التعلم
تطور الاهتمام بالترجمة جنبا إلى جنب مع تطور نشاط الترجمة، واتسع نطاق دراسة قضاياها اللغوية وغير اللغوية، وتحليل مشكلات ممارستها. فبعد أن كان هذا الاهتمام عبارة عن آراء وأفكار عرضية متفرقة لا يكاد يربط بينها رابط، وبعد أن كان منحصرا في نطاق الدراسات الأدبية والنقد الأدبي أساسا خلال مرحلة طويلة نسبيا، انتشر وتشعب فبدأ يشمل فقه اللغة إلى جانب الأدب المقارن. واستمر تطور هذا الاهتمام إلى أن أخذ علماء اللغة يعتبرون دراسة الترجمة فرعا من فروع اللسانيات الحديثة. ثم اتسع نطاق المساهمة المباشرة للمهنيين من التراجمة والمترجمين أنفسهم في معالجة مشكلات الترجمة، فانتقلت بعض البحوث من الاهتمام بنتائج الترجمة و إجراء الدراسات اللغوية المقارنة إلى التركيز على عملية الترجمة في شكلها الشفهي الذي كان مهملا إلى عهد قريب. وانبرى البعض لتحليل العوامل النفسية، والاجتماعية، والجوانب الثقافية المؤثرة في عمل المترجم، فتكاثرت النظريات وتفاعلت سلبا وإيجابا، واشتهر بعض المنظرين وعرفت نظرياتهم بأسمائها المميزة أحيانا.[5] وكان من نتائج ذلك الاقتناع بأن دراسة الترجمة دراسة شاملة تعني، فيما تعنيه، ضرورة الجمع بين عدة فروع علمية في هذه الدراسة، ورواج الدعوة إلى اعتبار أن نظريات الترجمة بلغت بتراكمها وتنوعها وتطورها مرحلة من النضج يحق معها الحديث عن نشأة "علم الترجمة" كعلم من العلوم الإنسانية، مثل اللسانيات[6]، مع التأكيد على استقلال هذا العلم بذاته، وتميزه عن اللسانيات "التقليدية"، بعد أن أصبح جامعا لعدة تخصصات فيما يعرف بـ"لسانيات النص" عند بعض المنظرين في هذا المجال، وبتسميات أخرى عند باحثين آخرين يرون أن دراسة الترجمة لا بد أن تكون جامعة للتخصصات العلمية...
أما من حيث التسلسل الزمني، فقد تطورت دراسات الترجمة ونظرياتها بموازاة التحولات التي طرأت على أشكال الترجمة ووسائلها. وكان التلاقح بين الدراسات والممارسة أحد الدوافع المحركة لكل منهما على طريق التجدد والتقدم. ذلك أن علم الترجمة الحديث النشأة انطلق أصلا من محاولة فهم مشكلات الترجمة، والبحث في عناصرها اللغوية (وغير اللغوية لاحقا)، ومراحلها الإجرائية، وآلياتها الذهنية. وستبقى عملية الترجمة بمختلف أوجهها ومظاهرها المورد الذي تنهل منه نظريات الترجمة، والتربة التي تتغذى منها اكتشافات علم الترجمة. وفي المقابل، ستظل عملية الترجمة في حاجة إلى التفسير والتحليل، وسيحتاج المترجم إلى ما يقدمه علم الترجمة من شروح وإرشادات وقواعد تنير له الطريق في عمله، وتساعده على تحسين أدائه.
ثمة إذن تناضح طبيعي بين الفعل والوعي بالفعل، وتنافذ مستمر بين الممارسة والمعرفة النظرية، وتأثير وتأثر بين الصنعة والعلم. ولا بد من مراعاة هذا التفاعل عند التفكير في تحسين منهجيات تدريس الترجمة.
ومن الأمور البديهية التي يفترض ألا تثير أي جدل التذكير بأن أساليب تدريس الترجمة تتباين بتباين الأزمنة والأمكنة والغايات، إضافة إلى اختلاف منهجيات التدريس، بصفة عامة، باختلاف المعاهد والدورات الدراسية والأساتذة والطلبة. ذلك أن منهجية تدريس الترجمة الاقتصادية، على سبيل المثال لا الحصر، تختلف بعض الشيء عن المنهجيات المعتمدة في تعليم الترجمة العامة أو تلقين فنون الترجمة الأدبية. المطلوب هو أن يُدرَّب الطالبُ على إتقان عمله المزدوج في فهم النص أو الخطاب الأصلي فهما صحيحا، ثم نقله نقلا أمينا وسليما في آن واحد. وفي سبيل ذلك، يستند الأستاذ في عمله إلى عدد من الأسس النظرية والإجراءات العملية.
ولما كانت النظريات في هذا الميدان كثيرة، فبإمكان الأستاذ أن يخـتار منها ما يناسب احتياجات طلبته واحتياجاته الخاصة في الظروف التي يعمل فيها. كما أن بإمكانه أن يجتهد فيـبتكر لنفسه منهجيته الخاصة في تدريس الترجمة. كل شيء جائز وممكن ومقبول، إلا "منهجية": "خيو، الأستاز في الصف سلطان"! [7] وهذا يثير مسألة تأهيل أساتذة الترجمة أنفسهم، أو تحسين مهاراتهم وتجديد معارفهم خلال العمل (موضوع ندوة مقبلة؟).
أما الإجراءات العملية، فتشمل اعتماد أساليب ومعايير عديدة، من بينها اختيار أنواع النصوص والتمييز بينها استنادا إلى مبادئ ثابتة، مثلا، بحسب موضوعاتها، أو بحسب مصادرها، أو مستواها اللغوي، أو غير ذلك...
بالإضافة إلى التمييز المنهجي في اختيار النصوص، يعمل الكثير من الأساتذة وفقا للمعايير التالية:
· تنويع المجالات والموضوعات التي تتناولها نصوص التمارين المدرجة في إطار مادة الترجمة العامة، بحيث تشمل القضايا السياسية، والسياحية، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، و"شيئا"[8] من الأدب والشؤون الثقافية، الخ...
· التدرج من الأسهل إلى الأصعب؛
· ومن الأقصر إلى الأطول؛
· ومن الملموس إلى التجريدي؛
· وتجديد النصوص سنة بعد سنة؛
· ومواكبة أحداث الساعة من خلال ربط النصوص المتناولة في تمارين الترجمة بتلك الأحداث.
وعلاوة على هذه المعايير، يعمد الأستاذ إلى تغيير أساليب التدريب. ففي حالة الترجمة التحريرية، مثلا، يبدأ التدرب بترجمة النصوص في البيت ثم القيام في الصف بمناقشة ما ترجمه الطلبة. وبذلك تتاح الفرصة كي يتعود المتدربون على هذا العمل، ويستفيدوا من فرصة إنجاز الترجمة وفقا لوتيرة وقدرات كل واحد في البداية.كما أن هذا الأسلوب يتيح لهم إمكانية التدرب على استخدام القواميس والمعاجم والاستفادة من شتى المراجع التي يحتاجونها في عملهم. ثم ينتقل الأستاذ المدرب إلى أسلوب الترجمة "بالنظر"[9]لتعويد المتدربين على الإسراع في الأداء وإنجاز العمل من دون الاتكال على المعاجم والمراجع.
بيد أن تنمية البحوث والدراسات في مجال منهجيات تدريس الترجمة أمر يحتاج تحقيقه إلى تجديد مهارات الأساتذة قصد تمكينهم من الارتقاء بأدائهم المهني.
ومن المعروف أنه لا توجد في بلداننا أي مؤسسة جامعية تُعنى بتأهيل فئة محددة من الأساتذة لممارسة "مهنة إعداد المترجمين". ذلك أن معاهد أساتذة الترجمة وكلياتهم الفعلية هي "سوق" الترجمة التي يمارسونها ممارسة مهنية، وشهاداتهم الحقيقية هي الخبرة العملية التي اكتسبوها بفضل المران والدربة. ولا شك أن الخبرة العملية شرط لازم لا بد منه كي يستطيع المترجم/الأستاذ أن ينقل خبرته، أو شيئا من هذه الخبرة، إلى طلبة الترجمة. ولكن هذا الشرط اللازم غير كاف، إذ يـبقى المترجم/الأستاذ في حاجة إلى تعلم "فن نقل الخبرة" إلى الآخرين، إضافة إلى امتلاك هذه الخبرة.
وما حدث هو أن إعداد المترجمين أ ُلقي في البداية على عاتق بعض أساتذة اللغة والأدب في كثير من الحالات. وكان من بين أساتذة الترجمة أحيانا اختصاصيون من فروع أخرى كالقانون والرياضيات والتاريخ، ممن مارسوا الترجمة قليلا أو كثيرا... في حين أنهم كانوا في حاجة إلى التوجيه والتدريب للقيام بمهامهم على أحسن وجه. ولا بد من الإقرار بهذا الواقع، والاعتراف بضرورة التغيير في هذا المضمار. إذ لا يعقل اليوم أن يتخذ الأستاذ موقفا سلبيا من نظريات الترجمة، ويجاهر بعدم حاجته إلى أي "منهجية"، فلا يتصرف إلا بحسب ما يمليه عليه ذوقه أو مزاجه أو تجربته[10]... من دون الاستناد إلى أسس علمية دلت التجربة على صحتها ووفائها بالمطلوب.
وهنا يمكن أن يتساءل متسائل: من يدرب من؟ وكيف؟ وبناء على أي معايير؟ الخ.
- المسألة في حاجة إلى أن تدرس وتناقش. وبمستطاع الفرد أن يدلي فيها برأيه. ولكن الأجدى هو أن تطرح الإجابات والاقتراحات الخاصة بإعداد أساتذة الترجمة في إطار جماعي كي تحظى بتوافق الآراء، وتوفر لها فرص التطبيق...
وعلاوة على ذلك، لا بد أن تشمل عوامل التعليم/التعلم رصد احتياجات السوق (المحلية أولا)، والاطلاع في الوقت نفسه على حاجات الطلبة وتطلعاتهم، وإشراكهم في عملية التطوير المتوخاة.
3 – العوامل المادية
إذا كان عصر الترجمة بـ"الورقة والقلم" قد انتهى في بعض مناطق العالم، فإن منطقتنا ما زالت في حاجة إلى القيام بما يلزم لتحقيق هذا الانتقال، وذلك بتوفير المعدات والأجهزة الضرورية في هذا المضمار.
وقد كانت التجهيزات تشمل إلى عهد قريب قاعات الاجتماعات التي يتدرب فيها الطلبة على محاكاة الترجمة التتبعية في المؤتمرات الصحافية أو اللقاءات بين الوفود، إضافة إلى الحجرات الخاصة بالترجمة الفورية. وأحيانا، كانت المؤسسات الكبرى تضيف "مختبرات اللغة" لتحسين المهارات اللغوية لدى طلبة الترجمة. ثم أضيفت منذ بضع سنوات قاعات التدريب على استعمال الحواسيب. ولكنها لا تستخدم مباشرة في "التدريبات الحية" على الترجمة إلا لماما.
أما اليوم، فقد غدا من الضروريات تجهيز معاهد المترجمين بالمعدات اللازمة للتدرب على ترجمة البرامج التلفزيونية والأشرطة الوثائقية والسينمائية سواء في الدبلجة أو في "الترجمة أسفل الشاشة"[11]. وتشمل، فيما تشمله أجهزة عرض وتسجيل الأشرطة والأقراص ومعدات الارتباط بالفضائيات، فضلا عن البرامج الحاسوبية الخاصة بالترجمة السمعية البصرية...
ومن الطبيعي والمعتاد أن تقع مهمة توفير المعدات والأجهزة الحديثة على عاتق الوزارة المسؤولة عن مؤسسات إعداد المترجمين، أو الجهات الممولة في مؤسسات القطاع الخاص. بيد أنه يمكن الاستعانة، في حالات معينة، بمنظمات وهيئات مانحة، سواء على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي، لتوفير التجهيزات الضرورية لتحسين إعداد مترجمي الغد. وباستطاعة مؤسسات إعداد المترجمين أن تقوم على الصعيد المحلي بعدد من الأنشطة التي تمكنها من الحصول على الموارد المالية اللازمة في هذا المضمار، أو على جزء كبير منها.
ولتحقيق هذا الهدف أيا كانت الظروف، قد يكون السبيل الأمثل هو أن تتضافر الجهود على كل صعيد: من الوزارة أو الهيئة المسؤولة، إلى إدارة المعهد وهيئة التدريس، فطلبة اليوم الذين يجري إعدادهم ليصبحوا مترجمي الغد.
[1] المقابل المقترح للمصطلح الفرنسي la traductique وذلك نحتا من "الترجمة" و"المعلوماتية".
بالإضافة إلى هذا المصطلح ذي الأصل الفرنسي، هناك مصطلح: Computer Assisted Translation (CAT) ومقابله الفرنسي: Traduction assistée par ordinateur (TAO) = الترجمة بمساعدة الحاسوب [المستعينة بالحاسوب/المستعان فيها بالحاسوب]. ما زالت المصطلحات العربية في هذا المجال متذبذبة وخاضعة للأذواق "الفردية" و"المحلية"...
[2] L'environnement traductionnel : la station de travail du traducteur de l’an 2001, Actes du Colloque de Mons 1991, Presses de l'Université du Québec, Sillery, 1992.
[3] وهنا أيضا أعود إلى التذكير بتذبذب المصطلحات في هذا المضمار. فهذا الشكل (on sight/à vue) يسمى أيضا "الترجمة المقروءة"، و"المرئية"، وغير ذلك من التسميات... بل إن مصطلح "الشكل" forme المعتمد عند البعض في الفرنسية (ومقابله форма في روسيا وبلغاريا) غير معروف ضمن المصطلحات العربية الخاصة بعلم الترجمة (أو "الترجميات"، أو "الترجمية" أيضا !).
وما زال الالتباس قائما في هذا الصدد بين "النوع" و"الشكل"، فضلا عن عدم وضوح الفرق بين "الجنس" و"الصنف"...
[4] ومعه الراقن أو الراقنة، لأن معظم المترجمين آنذاك كانوا يسوِّدون ترجماتهم خطيا ويعتمدون في تبيـيضها على الراقنات والراقنين المهنيين في الإدارات والشركات والمنظمات، بينما يتولى طباعتها أصحاب الاختصاص في الصحف ودور النشر.
[5] كوميساروف (الروسي): مستويات التكافؤ(الخمسة)؛ سليسكوفيتش (الفرنسية): نظرية المغزى (أو النظرية التفسيرية/التأويلية)؛ فرمير(الألماني): نظرية "سكوبوس"؛ فيناي وداربلنيه (الكنديان): الأسلوبية المقارنة؛ وشتى النظريات أو "المذاهب" الوظيفية والدلالية والفلسفية، الخ...
[6] أو "علم/علوم اللغة"، أو "الألسنية"، أو "اللغويات"، فكل يغني على ليلاه...
[7] أو بعبارة أخرى: دَرِّسْ كما تشاء، فأنت الآمر الناهي في الصف، ولا تتعب نفسك بالبحث عن "منهجية في العمل"...
[8] هناك مؤسسات جامعية ما زالت تؤمن بأن النصوص الأدبية وحدها تستحق أن تعتمد في تدريب الطلبة على الترجمة. وهناك مؤسسات أخرى تلغي النصوص الأدبية إطلاقا من برامجها وتصر على ألا تعتمد إلا النصوص "التداولية" في مقرراتها. وقد ارتأيت أن أُدمج ما بين 3 و 4 نصوص أدبية بجانب 20/21 نصا من النصوص ذات الطابع التداولي في المقرر الدراسي للترجمة العامة في مدرسة باريس (بعد 4 سنوات من التدريس)، وذلك حينما اقتنعت بضرورة الجمع بين الفئتين قصد إتاحة فرصة المقارنة بين أنواع الصعوبات والعراقيل في كل فئة منهما.
[9] "المقروءة"/"المرئية"/"المنظورة"/"بالنظر" ! مقابلا لمصطلح: on sight / à vue
[10] وقد تكون تجربة الأستاذ ممتازة، أحيانا، ولكن الآراء الذاتية ومواقف الانكفاء على الذات، والادعاء بأن نظريات الترجمة ومنهجياتها مجرد "تـهجيص" كثيرا ما تؤدي إلى نتائج سلبية في نشاط يحتاج إلى مرتكزات موضوعية...
[11] هناك من يقترح "السترجة" مقابلا لمصطلح sous-titrage الفرنسي، والإنكليزي: subtitling.
|