المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 5

 

العبادة
تعريف العبادة
التوحيد لا يتحقق إلا بأمرين :
الأول :
الشهادة لله بالوحدانية في ذاته وصفاته .
الثاني :
 قصده وإرادته وحده دون سواه في جميع العبادات .
والعبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، فالظاهرة كالتلفظ بالشهادتين والصلاة والصوم ، والباطنة كالإيمان بالله وملائكته والكتب والرسل والخوف والرجاء ....
 
المطلب الثاني
العابد هو الذي
 يتقلب بين الخوف والرجاء
العبادة الحقة هي التي يتقلب صاحبها بين حب الله ، والخوف منه والتذلل له ، ورجائه والطمع في رحمته .
فالعابد لا حباً ولا خـوفاً ولا رجاءً إنما يؤدي حركات جوفاء لا تعني بالنسبة له شيئاً .
والعابد حباً بلا تذلل ولا خوف ولا رجاء كثيراً ما يقع في الذنوب والمعاصي ، فيزعم أنه يحب الله ويترك العمل ويتجرأ على الذنوب ، وقديماً زعم قوم حب الله من غير عمل فاختبرهم الله بقوله:
( قل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ]
فمن ادعى محبة الله ولم يكن متبعاً رسوله فهو كاذب .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى :
 " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ، ويطير في الهواء فلا تصدقوه حتى تعلموا متابعته لرسول الله " .
وكذلك الرجاء وحده إذا لم يقترن بخوف الله وخشيته فإن صاحبه يتجرأ على معاصي الله ، ويأمن مكره :
( فلا يأمنُ مكر الله إلاَّ القومُ الخاسرون ) [الأعراف : 99] .
وكذلك الخوف إذا لم يقترن بالرجاء فإن العابد يسوء ظنه بالله ، ويقنط من رحمته ، وييأس من روحه ، وقد قال تعالى :
( إنَّه لا يَيْأَسُ من رَّوح الله إلاَّ القوم الكافرون ) [يوسف : 87] .
فالعبادة الحقة هي التي يكون صاحبها بين الخوف والرجاء
 ( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) [الإسراء : 57] ،
 ( أمَّن هو قانت آنَاء الَّليل ساجداً وقائِماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [ الزمر : 9 ]
 كما يكون بين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا عليهم السلام :
( إنَّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) [ الأنبياء : 90 ] .
فالعبد الصالح تارة يمده الرجاء والرغبة ، فيكاد يطير شوقاً إلى الله ، وطوراً يقبضه الخوف والرهبة فيكاد أن يذوب من خشية الله تعالى ، فهو دائب في طلب مرضاة ربه مقبل عليه خائف من عقوباته ، ملتجئ منه إليه ، عائذ به منه ، راغب فيما لديه .
المطلب الثالث
أركان العبادة
للعبادة أركان ثلاثة :
الأول :
 الإخلاص :
 بأن يقصد العبد وجه ربه والدار الآخرة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأةٍ ينحكها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (1) وترك الإخلاص يبطل العبادة .
الثاني :
 الصدق :
 ونريد به الصدق في العزيمة ، بأن يبذل العبد جهده في امتثال أمر الله واجتناب نهيه ، والاستعداد للقائه ،وترك العجز ،وترك التكاسل عن طاعة الله .
الثالث :
 متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يعبد الله إلا وفق ما شرعه الله ،
 وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، أمّا أن يعبد الناس ربهم بغير علم فهذه هي البدعة التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم وذم فاعلها ، وأخبر أن عمله ضلالة . فقال : " كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " . وصاحب البدعة عمله مردود عليه غير مقبول منه .
ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها –
 قالت :
 قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
 " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
 وفي رواية لمسلم :
" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " . (2)
لا عبادة إلا بهذه الأركان :
فما لم توجد العزيمة الصادقة لا توجد العبادة ، إذ تصبح العبادة تمنيات وآمالاً لا يكاد يهم المرء بفعلها حتى تخبوا إرادته وتنحل . وما لم يوجد الإخلاص ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن العبادة لا يقبلها الله تعالى .
المطلب الرابع
أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله
والعبادات التي لا يجوز أن يقصد ويراد بها غير الله أنواع :
الأول :
عبادات اعتقادية :
وهذه أساس العبادات كلها ، وهي أن يعتقد العبد أن الله هو الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر ، وبيده النفع والضر ، الذي لا شريك له ، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، وأنه لا معبود بحق غيره .
الثاني :
 عملية قلبية :
والعبادات القلبيـة التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله وحده ، وصرفها لغيره شرك كثيرة ، كالخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة ، والخشوع والخشية ،والحب ، والإنابة ، والتوكل ، والخضوع .
الثالث :
 قولية :
كالنطق بكلمة التوحيد ؛ إذ لا يكفي اعتقاد معناها ، بل لا بد من النطق بها ، وكالاستعاذة بالله ، والاستعانة والاستغاثة به ، والدعاء له ، وتسبيحه ، وتمجيده ، وتلاوة القرآن .
الرابع :
 بدنية :
كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والذبح ، والنذر ، وغير ذلك .
الخامس :
 مالية :
كالزكاة ، وأنواع الصدقات ، والكفارات ، والأضحية ، والنفقة .

--------------------------------

(1) رواه البخاري ومسلم ، وهو حديث مشهور تغني شهرته عن تخريجه . وانظر كتابنا (( مقاصد المكلفين )) ص : 519 ، فقد ذكرنا فيه طرقه ومخرجيه .
(2) عزاه ابن الأثير في جامع الأصول : 1/289 ، ورقمه : 75 إلى البخاري ومسلم وأبي داود .
 
 

 

 
 
ما يضاد التوحيد وينافيه
الذي ينافي التوحيد ويضاده الشرك ، يقال : شركته في الأمر إذا صرت له شريكاً ، ومنه قوله تعالى :
( وأشركه في أمري ) [ طه : 32 ]
أي اجعله شريكي فيه .
الشرك نوعان :
 وفي مصطلح الشريعة الإسلامية الشرك نوعان :
الأول :
 الشرك الأكبر :
والمشرك شركاً أكبر هو الذي يجعل مع الله رباً آخر كشرك النصارى  الذي جعلوه ثالث ثلاثة ، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور ، وحوادث الشر إلى الظلمة ، وكشرك الصابئة الذين ينسبون إلى الكواكب العلوية تدبير أمر العالم ، ومثل هؤلاء كثير من عُبّاد القبور الذين يزعمون بأن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت ، فيقضون الحاجات ،ويفرّجون الكربات ، وينصرون من دعاهم ، ويحفظون من التجأ إليهم ، ولاذ بحماهم . ومن الشرك الأكبر أن يجعل مع الله إلهاً آخر : ملكاً ، أو رسولاً ، أو ولياً ، أو شمساً ، أو قمراً ، أو حجراً ، أو بشراً ، يُعبد كما يُعبد الله ، وذلك بدعائه والاستعانة به ، والذبح له والنذر له ، وغير ذلك من أنواع العبادة .
لا تشترط مساواة الشريك لله حتى يصبح شركاً :
ولا يشترط أن يساوي المشرك في شركه مع الله غيره من كل وجه ، بل يسمى مشركاً في الشرع بإثباته شريكاً لله ، ولو جعله دونه في القدرة والعلم مثلاً .
فأما حكايته تعالى عن المشركين قولهم :
 ( تالله إن كُنَّا لفي ضلالٍ مُّبينٍ – إذ نسويكُم برب العالمين ) [ الشعراء : 97-98 ] ،
 فهي التسوية في المحبة والخوف والرجاء والطاعة والانقياد ، لا في القدرة على الخلق والإيجاد ، لأنهم كانوا يقولون بوحدانيته في الخلق والإيجاد .
خطورة هذا الشرك :
الشرك الأكبر في غاية الخطورة فهو يحبط العمل ، قال تعالى :
 ( ولو أشركوا لحبط عنهم مَّا كانوا يعملون ) [ الأنعام : 88 ] .
وقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم :
( ولقد أُوحِيَ إليك وإلى الَّذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين ) [ الزمر : 65 ] .
وصاحبه خالد مخلّد في نار جهنم لا يغفر الله له ، ولا يدخله الجنّة :
 ( إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] ،
 ( لقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيحُ ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربَّكم إنَّه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنَّة ومأواه النَّارُ وما للظَّالمين من أنصارٍ ) [ المائدة : 72 ] .
أعظم جريمة وأفظع ظلم :
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر عند الله ؟
 قال :
 ( أن تدعو لله نداً وهو خلقك ) متفق عليه (1) ،
 وقال تعالى : ( إنَّ الشرك لظلم عظيمٌ ) [لقمان : 13] ،
 وقال : ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ) [ النساء : 48 ] .
النوع الثاني :
 الشرك الأصغر :
والشرك الأصغر كيسير الرياء ، والتصنع للمخلوق ، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة ، بل يعمل لحظ نفسه تارة ، ولطلب الدنيا تارة ، ولطلب المنزلة والجاه تارة ، فلله من عمله نصيب ، ولغيره منه نصيب ، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ كالحلف بغير الله ، وقول : ما شاء الله وشئت ،وما لي إلا الله وأنت .
وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده .
وهذا النوع من الشرك : ( الشرك الأصغر ) وإن كان لا يُخْرِجُ من الملة فإن صاحبه على خطر عظيم ، ينقص من أجره شيء كثير ، وقد يحبط منه العمل ، ففي الصحيحين عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال :
 الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . (2)
وفي صحيح مسلم فيما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه :
 ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) . (3)
وفي المسند أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )
قالوا :
 يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟
 قال :
 ( الرياء ) .
 وزاد البيهقي في شعب الإيمان :
 ( يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم :
اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً وخيراً ) . (4)
وفي النهي عن هذا الشرك نزل قوله تعالى :
 ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )
 [ الكهف : 110 ] .

--------------------------------

(1) مشكاة المصابيح : 1/21 ، ورقمه : 49 .
(2) رواه البخاري : 6/28 . ورقمه : 281 . ورواه مسلم : 3/1512 . ورقمه : 1904 .
(3) رواه مسلم . انظر جامع الأصول : 4/545 . ورقمه : 2651 .
(4) مشكاة المصابيح : 2/687 ، ورقمه : 5334 .
 
نظرة في تاريخ العقيدة
هل تطورت العقيدة
 عبر الزمان
يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة ، ولكنها ترقت ، وتطورت في فترات وقرون متعاقبة .
ولا عجب أن يقول بهذا القول الباطل قوم لم يمنحهم الله كتابه الذي يحكي تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه ، إلا أن العجيب أن يذهب هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم باحثين مسلمين .
فهذا عباس محمود العقاد يرى في كتابه (الله) (1) - وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية – أن
" الإنسان ترقى في العقائد " ،
 ويرى أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماماً لترقيه في العلوم .
ويقول :
 " كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى ، وكذلك كانت علومه وصناعاته ، فليس
 أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات ، وليس عناصر الحقيقة في واحدة
 منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى " .
بل يرى أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات ، يقول في هذا :
" وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدّين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات ؛ لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى " .
ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة ، يقول :
 " فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدلّ على بطلان التدين ، ولا على أنها تبحث عن محال ، كل ما يدلّ عليه أنّ الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد " .
ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة ، فمنهم من يرى أنّ السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء ، ... وبعضهم يرى أن العقيدة الدينية حالة مرضية في الآحاد والجماعات ، ويرى بعضهم أن أصل العقيدة الدينية عبادة
(( الطوطم )) ،
 كأن تتخذ بعض القبائل حيواناً (طوطمياً)
تزعمه أباً لها  . وقد يكون شجراً أو حجراً يقدسونه ، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين .
ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية (2) إلى كثير من الكتّاب ، واعتنقها جملة من الدارسين (3) ،
 والذي أوقع هؤلاء في هذا الخطأ أمور :
الأول :
 أنهم قدّروا أن الإنسان الأول خُلق خلقاً ناقصاً ، غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة ، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان .
الثاني :
أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بنفسه بدون معلم يعلمه ، ومرشد يوضح له . فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقى في العلوم والصناعات .
الثالث :
أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة ، فجعلوها ميدان بحثهم ، فأخضعوها للدراسة والتمحيص ، وأنى لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة .
القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة :
ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله سبحانه وتعالى ، ففيه علم غزير في هذا الموضوع ، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكاً وافياً لأسباب :
الأول :
 أن ما نعرفه عن التاريخ قبل خمسة آلاف عام قليل ، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل ، وما قبل ذلك فيعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئاً ، لذا فإن كثيراً من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني .
الثاني :
 أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير ، بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف ، ومما يدل على ذلك أن كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشقّ الأمور ، فكيف بتاريخ يمتدّ إلى فجر البشرية ؟ !
الثالث :
أن قسماً من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض ، بل في السماء .
لذا فإن الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله – سبحانه وتعالى –
( إنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء )
[ آل عمران : 5 ] .

--------------------------------

(1)نشرته دار الهلال – القاهرة: انظر : ص : 10 وما بعداه .

(2) ممن جنح إلى القول بهذه النظرية مصطفى محمود في كتابه (الله) .

(3) لست أدري أي عقيدة هذه التي تطورت ، أهي العقيدة اليهودية المحرفة ، أم النصرانية المبدلة ، أم عقيدة الفلاسفة ... إن هذه العقائد لا تمثل إلا انحرافات عقائدية ، ولا تمثل العقيدة السليمة .
 
تاريخ العقيدة كما يرويه
 القرآن الكريم
أعلمنا الله سبحانه
 أنه خلق آدم
 خلقاً مستقلاً سوياً متكاملاً ،
 ثم نفخ فيه من روحه ،
 وأسكنه جنته ، وأباح له أن يأكل هو وزوجته منها كيف شاء
ا إلا شجرة واحدة ، فأغراه عدوّه إبليس بالأكل من الشجرة ،
 فأطاع عدوه ، وعصى ربّه
فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض ،
 وقبل الهبوط وعده الله
– سبحانه –
بأن ينزل عليه وعلى ذريته هُداه ، كي يعرف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه ، ووعد المستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الأخرى ، وتوّعد المستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدّنيا وبالشقاء في الآخرة :
 ( قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون – والَّذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا أولئِك أصحاب النَّار هم فيه خالدون )
 [ البقرة :38-39]
وفي سورة طه يقول :
 ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعضٍ عدوٌّ فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى – ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى – قال رب لم حشرتني أعمى
وقد كنت بصيراً – قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى )
[ طه : 123-126 ] .
الجيل الأول من البشرية
كان
 على التوحيد :
هبط آدم إلى الأرض ، وأنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال الله تعالى :
 ( كان النَّاس أمَّةً واحدة ً ) [ البقرة : 213 ]
، أي على التوحيد والدين الحق فاختلفوا
( فبعث الله النَّبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقَّ ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه )
 [ البقرة : 213 ] ،
وفي حديث أبي أمامة أن رجلاً سأل الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
 يا رسول الله أنبي كان آدم ؟ قال :
 ( نعم ، مكلم )
 قال :
 قال :
 فكم بينه وبين نوح ؟
 قال ( عشرة قرون )
 رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه . وقال ابن كثير : " هذا على شرط مسلم ، ولم يخرجه " . (1)
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال :
 ( وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ) . (2)
ومقدار القرن مائة سنة ، وعلى ذلك يكون بين آدم ونوح ألف سنة .
وقد تكون المدة بينهما أكثر من ذلك ، إذ قيد ابن عباس هذه القرون العشرة بأنها كانت على الإسلام ، فلا ينفي أن يكون بينهما قرون أخرى على غير الإسلام .
وقد يكون المراد بالقرن الجيل من الناس كما قال تعالى :
 ( وكم أهلكنا من القُرُونِ من بعد نوحٍ )
[ الإسراء : 17 ] ،
 وقوله :
( ثمَّ أنشأنا من بعدهم قرناً آخَرِينَ )
[ نوح : 23 ] . (3)
أول انحراف عن العقيدة
 وأول رسول :
وبعد أن كان الناس أمة واحدة على التوحيد حصل الزيغ والانحراف ، وكان أول انحراف حدث هو الغلو في تعظيم الصالحين ، ورفعهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة .
ففي صحيح البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى :
( وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ ودّاً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً )
[نوح : 23] .
 قال :
 " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ، وانتسخ العلم ( نُسي ودرس ) عُبدت " . (4)
فهذا أول انحراف وجد في تاريخ البشرية عن التوحيد ، فأرسل الله إليهم أول رسله نوحاً عليه السلام مصداقاً لوعده الذي أعطاه لأبي البشر آدم بإرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للبشرية .
والدليل على أن نوحاً كان أول رسول مبعوث حديث الشفاعة الثابت في الصحيح ، وفيه :
( أن الناس يأتون بعد آدم نوحاً فيقولون له فيما يقولون :
 يا نوح ، أنت أول الرسل إلى الأرض ، وسماك الله عبداً شكوراً ) (5) .
 والنصوص التي بين أيدينا من كتاب ربنا تدل دلالة واضحة على أن نوحاً قد دعا إلى التوحيد الخالص ، فقد قال لقومه :
( اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ ) [ الأعراف : 59 ]
 وقال :
( أن لاَّ تبعدوا إلاَّ الله إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ أليمٍ ) [ هود : 26 ]
 وقال : ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره أفلا تتَّقون ) [ المؤمنون : 23 ] .
والذين استجابوا لدعوته للتوحيد هم ضعفاء الناس ، وتنكّر لها السادة والزعماء الذين يظنون في أنفسهم العقل والذكاء حيث استكبروا عن متابعة الحق :
 ( قال الملأ ُ من قومه إنَّا لنراك في ضلالٍ مُّبينٍ ) [ الأعراف : 60 ]
والملأ المذكورون في الآية هم السادة والكبراء ، وقالوا له :
( وما نراك اتَّبعك إلاَّ الَّذين هم أراذلنا بادي الرَّأي ) [هود : 27] ؛
 أي : اتبعوك بدون تأمل عميق ، وتفكير ونظر ، وهذا الذي رموهم به هو ما يجب أن يُمدحوا به ، فإن الحق إذا ظهر لا يحتاج إلى نظر ، بل يجب اتباعه .
وتعجبوا أن يبعث الله رسولاً بشراً فقالوا :
 ( ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا ) [هود:27]
، ( فقال الملأُ الَّذين كفروا من قومه ما هذا إلاَّ بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضَّل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائِكةٍ ) [ المؤمنون : 24 ] ، وطلبوا منه أن يطرد الضعفاء والمساكين الذين تابعوه فرفض طلبهم
( وما أنا بطارد الَّذين آمنوا إنَّهم مُّلاَقُو ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون ) [ هود : 29 ] .
وقد تطاول الزمان وكثرت المجادلة بينه وبينهم كما قال الله تعالى :
 ( فلبث فيهم ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً ) [ العنكبوت : 14 ]
 فدعا عليهم :
( وقال نوحٌ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً – إنَّك إن تذرهم يضلُّوا عبـادك ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفَّاراً )
 [ نوح : 26-27 ]
 فأهلكهم الله بالطوفان :
( وقوم نوح لَّمَّا كذَّبوا الرُّسل أغرقناهم ) [ الفرقان : 37 ] ،
 وأنجى نوحاً والمؤمنين برحمة منه ، وخلت الأرض من الظالمين ، ولم يبق فيها إلا الموحدون ، فلما انحرفوا عن التوحيد أرسل الله إليهم رسولاً
 ( ثمَّ أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين – فأرسلنا فيهم رسولاً منهم ) [ المؤمنون : 31-32 ]
 فدعاهم إلى توحيد الله
( أن اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره )
[ المؤمنون : 32 ] .
وهكذا استمرت رحمة الله وعنايته ببني آدم كلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم هُداه يضيء لهم الظلمات :
 ( ثُمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء أمَّةً رَّسولها كذَّبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقومٍ لاَّ يؤمنون )
[ المؤمنون : 44 ] .
هذه هي قصة البشرية الحقيقية صراع طويل بين الحق والباطل ، بين الرسل الذين يعرضون الهدى والحق ، وبين الضالين المعرضين عن التوحيد المتمسكين بما ألْفَوْا عليه الآباء والأجداد ، وبأهوائهم ومعتقداتهم الباطلة :
 ( ألم يأتكم نَبَأُ الَّذين من قبلكم قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والَّذين من بعدهم لا يعلمهم إلاَّ الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردُّوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنَّا كفرنا بما أرسلتم به وإنَّا لفي شكٍ مّمَّا تدعوننا إليه مُريبٍ – قالت رسلهم أفي الله شكٌّ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجلٍ مُّسمّىً قالوا إن أنتم إلاَّ بشرٌ مثلنا تريدون أن تصدُّونا عمَّا كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطانٍ مُّبينٍ )
 [ إبراهيم : 9-10 ] .
وبالتأمل في دعوة الرسل التي عرضها القرآن تتبين لنا الحقائق التالية :
الأولى :
 أن الله خلق الإنسان منذ البداية خلقاً سوياً مكتملاً لغاية محددة ، هي عبادته ، وأن خلقه مؤهلاً لذلك .
الثانية :
 أن الله عرفه على نفسه منذ البداية ، ولم يتركه لفكره يتعرف على ربه بطريق التفكير والتأمل ، بل أرسل إليه رسلاً ، وقد كان هؤلاء الرسل من الكثرة بحيث إنهم بلّغوا البشرية كلها
( وإن من أمَّةٍ إلاَّ خلا فيها نذيرٌ ) [ فاطر : 24 ] .
لذا فإننا لا نعلم أسماء جميع الرسل الذين أرسلهم الله
 ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم مَّن قصصنا عليك ومنهم مَّن لَّم نقصص عليك ) [ غافر : 78 ] .
ومما يدل على ذلك أن الأمم المكذبة في يوم القيامة تقر وتعترف بتبليغ الرسل لها دعوة الله قوله تعالى :
( كلَّما ألقى فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذيرٌ – قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ فكذَّبنا وقلنا ما نزَّل الله
من شيءٍ إن أنتم إلاَّ في ضلالٍ كبيرٍ )
[الملك : 8-9]
وما هذا التتابع في إرسال الرسل على مدار التاريخ إلا رحمة من الله بعباده ، ووفاء بوعده الذي وعد به آدم أبا البشرية ، وإعذاراً منه لخلقه:
 ( لئلاَّ يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسل ) [النساء : 165]،
 ( وما كُنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولاً ) [الإسراء :15 ] .
الثالثة :
دعوة الرسل واحدة ، فأصل دعوتهم جميعاً ولبها التوحيد ، بتعريف الناس على ربهم ومعبودهم ، وبيان الطريقة التي يعبدونه بها .
الرابعة :
 أن دين الرسل جميعاً الإسلام لا دين لهم سواه :
( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ آل عمران : 85 ]
 فنوح يقول :
( وأمرت أن أكون من المسلمين ) [ يونس : 72 ] .
 وقال الله عن التوراة :
( يحكم بها النبيُّون الَّذين أسلموا للَّذين هادوا ) [ المائدة : 44 ] ،
 وقال موسى لقومه :
 ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكَّلوا إن كنتم مُّسلمين ) [ يونس : 84 ] ،
 وأمر الله خليله إبراهيم بالإسلام ، فقال :
( أسلمت لرب العالمين ) [ البقرة : 131 ] ،
( ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إنَّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مُّسلمون ) [البقرة : 132].
وعندما سأل يعقوب بنيه عن معبودهم من بعده
( قالوا نعبد إلهك وإله آبائِك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون ) [ البقرة : 133 ] ،
 وملكة سبأ قالت : ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) [ النمل : 44 ] ،
 ويوسف كان من دعائه : ( توفَّني مسلماً وألحقني بالصالحين ) [ يوسف : 101 ] ،
 والرسول صلى الله عليه وسلم  يقول : ( والأنبياء إخوة لعلاّتٍ ، أمهاتُهم شتى ودينهم واحد ) . (6) (7)
وهذا التنوع الذي نراه في الشرائع لا يدل على أن دينهم كان مختلفاً ؛ لأن الله قد يشرع أمراً لحكمة ، ثم يشرع أمراً آخر في وقت آخر لحكمة أخرى ، بل قد يكون هذا في الشريعة الواحدة ، كما شرع الله في بداية الأمر الاتجاه إلى بيت المقدس في الصلاة ، ثم نسخ ذلك بأن أمر بالتوجه إلى البيت الحرام فكان الإسلام أولاً التوجه إلى القدس ، ثم أصبح التوجه إلى الكعبة ، وكذلك شرائع الأنبياء ، فالمتأخر ينسخ المتقدم ، وأصبحت الشريعة المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم هي الشريعة الخاتمة الناسخة لما قبلها من الشرائع .
الخامسة :
 ليس الترقي في الاعتقاد عبر القرون هو السبب في الشرك واتخاذ معبودات من دون الله كما ذهب إليه ( العقاد ) والذين تابعهم من الغربيين ، بل سبب انحراف أتباع الرسل عما جاءت به الرسل ، وتركهم ما جاءت به الرسل
( ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكاً ) [ طه : 124 ] ،
 واتباعهم الظن والهوى وتركهم الهدى :
 ( إن يتَّبعون إلاَّ الظَّنَّ وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من رَّبهم الهدى ) [النجم :23] ،
 ( ولا تتَّبعوا أهواء قومٍ قد ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواء السَّبيل ) [المائدة : 77] .
وقال في اليهود :
 ( فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به ) [ المائدة : 13 ] ،
 وقال في النصارى :
( ومن الَّذين قالوا إنَّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )
 [ المائدة : 14 ]
 وقال فيهم مبيناً انحرافهم عن التوحيد الذي أمروا به :
 ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاَّ هو سبحانه عمَّا يشركون )
[ التوبة : 31 ] .
لذا فإن الرسل يتبرؤون من الذين انحرفوا عن منهجهم
 ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علاَّم الغيوب – ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربَّكم )
[ المائدة : 116-117 ] .

--------------------------------

(1) البداية والنهاية : 1/101 .

(2) البداية والنهاية : 1/101 .

(3) راجع  البداية والنهاية : 1/101 .

(4) صحيح البخاري : 8/667 . ورقمه : 4920 .

(5) رواه مسلم : 1/185 . ورقمه : 194 .

(6) رواه البخاري : 6/478 ، ورقمه : 3443 .

(7) إخوة لعلات هم الأخوة لأب ، أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة ، وكذلك الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة .
 
تصورات الأمم الضالة
 للمعبود
لا نريد من وراء هذا البحث في هذا الموضوع أن نؤرخ للجانب المنحرف في العقيدة ، فذلك ليس في مكنة الباحث لكثرة أنواع الانحراف ، وما الفائدة من التأريخ للجانب المظلم والكفر ملة واحد ! إنما مرادنا من وراء ذلك أن ندرك شيئاً مما وقعت فيه الأمم ، كي نعلم القيمة العظيمة التي تمتاز بها العقيدة الإسلامية.
إنّ الذين يدركون الباطل ويعرفونه هم أقدر على معرفة الحقّ إذا اعتنقوه وإنّ الذين يتبعون الإسلام ولا يعلمون الجانب المقابل له ، وهو الباطل يخشى عليهم من الانزلاق في طرق الباطل ، وصدق عمر بن الخطاب حيث يقول : "توشك أن تنقض عُرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، ولا شك أنّ الذي يعرف ظلام الليل أقدر على معرفة ضوء النهار ، والصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى .
وقد أدرك هذه الحقيقة سيد قطب حيث يقول : " الإنسان لا يدرك ضرورة هذه الرسالة ، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التي كانت البشرية تائهة في ظلماتها ، وضرورة الاستقرار على يقين واضح في أمر العقيدة ... حتى يطّلع على ضخامة ذلك الركام ، وحتى يرتاد ذلك التيه ، من العقائد والتصورات ، والفلسفات والأساطير ، والأفكار والأوهام ، والشعائر والتقاليد ، والأوضاع والأحوال ، التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان ، حتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد التي كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية التي دخلها التحريف والتأويل ، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية والتي التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير " .
ونكتفي بثلاثة نماذج : واحد منها يمثل عقيدة دولة من الدول التي يعدها الناس متمدنة في القديم . والثاني انحراف أهل ديانة سماوية عن الحق . والثالث الوثنية العربية قبل عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .
الرّب عند الرومان (1)
يعد الباحثون الرومان من الأمم المتحضرة في القديم ، فلننظر إلى عقيدة هذه الأمة الضالة . يزعمون أنّ (( جوبيتر )) هو ربّ الأرباب عندهم ، وكانت صورته عندهم أقرب إلى صورة الشيطان منها إلى صورة الأرباب المنزهين ، فقد كان حقوداً لدوداً مشغولاً بشهوات الطعام والغرام ، لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات إلا ما يعينه على حفظ سلطانه والتمادي في طغيانه ، وكان يغضب على (( أسقولاب )) إله الطب ، لأنّه يداوي المرضى ، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية .
ويزعمون أنه كان يغضب على (( برومثيوس )) إله المعرفة والصناعة ، لأنّه يعلّم الإنسان أن يستخدم النّار في الصناعة ، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب ، وقد حكم عليه بالعقاب الدائم ، فلم يقنع بموته ولا بإِقصائه عن حظيرة الآلهة ، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له ، فقيّده إلى جبل سحيق ، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار ، حتى إذا جنّ الليل عادت سليمة في بدنه ، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ... ، ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء .
ومما تخيله الشاعر الوثني الفيلسوف (( هزيود )) عن علة غضب الإله على ((برومثيوس)) : أنّه قسم له نصيبه من الطعام في وليمة الأرباب ، فأكثر فيه من العظام ، وأقل فيه من اللحوم والشحوم ، فاعتقد (( جوبيتر )) أنه تعالى عليه بمعرفته وحكمته وفطنته ، لأنه اشتهر بين الآلهة بمعرفة وافرة وفطنة نافذة لم يشتهر بها الإله الكبير .
وقد اجتهد (هزيود) الشاعر الفيلسوف قصارى اجتهاده في تنزيه (( جوبيتر )) وتصويره للناس في صورة القداسة والعظمة ، تناسب صورة الإله المعبود بعد ارتقاء العبادة شيئاً ما في ديانة اليونان الأقدمين .
ومع ذلك فإن الباحثين الرومان يتحدثون عن (( جوبيتر )) أنّه كان يخادع زوجته (( هيرة )) ويرسل إله الغمام لمدارة الشمس في مطلعها حذراً من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار ومفاجأته بين عشيقاته على عرش (( الأولمب )) .
وحدث مرة أنّها فاجأته وهو يقبل ساقيه (( جانيميد )) راعي الضأن الجميل الذي لمحه في الخلاء ، فاختطفه ، وصعد به إلى السماء ، .... فلم يتنصل (( جوبيتر )) من تهمة الشغف بساقيه ، ومضى يسوغ مسلكه لزوجته بما جهلته من لذة الجمع بين رحيق الكأس ورحيق الشفاه .
هذا نموذج للعقيدة الشركية الضالة صنعتها الخرافة والوهم ، فغدت أساطير . إنّ الآلهة عند الرومان آلهة متعددة تتصارع وتتقاتل ، ويعذب بعضها بعضاً ، وهي كالبشر تأكل وتشرب ، وتتزوج ، ويخون الإله زوجته ، ويلوط ويبرر خطأه ، فكيف يكون أثر هذه العقيدة في ن



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."