المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
" بِطاقَةُ تِجْوالٍ في حُلُم " - أغيد صالح

بِطاقَةُ تِجْوالٍ في حُلُم

 

 

في بيتهِ

يرنو لماضٍ من حرير القول

ماضٍ كأنّ حجارة الماس الثمينة رصّعته

و يمدُّ في عَجَلٍ يديهِ إلى الهَواءِ

لعلَّه شَرِبَ العُذوبةَ مِنْ صَفاءِ الذِّكرياتْ.

 

في بيتهِ مكتبةٌ

حديثة الرفوفِ مصقولةٌ

فيها الشعوب و القرون و العصور و الأنواء

و لونُها كلونِ طينِ بِلادِهِ

أو صبغةِ الحناء

لافرقَ

فقد تعلّم أن لون الأرض قاتم لشدّةِ اختلاطها بحُمرةِ الدماء

و يومها قد كان أولَ مرةٍ يرى مِن أمّهِ

طيناً يُخَضِّبُ كَفَّها

قالتْ لهُ: يا ابني

هذا هو الحناءْ

هو ما تبقى من أريج الشهداءْ

بعدما ابتلّتْ بملح دموعنا

و اختلطتْ بتربة السماء.

 

في بيتهِ مكتبةٌ

كلما أطل في فنائها

لمح الصحابة في مغازيهم

و شاهد نخوة الأعراب في الصحراءْ

سمع البلاغة من فم المتنبي

و رمته أشجانُ ابن عُذْرَةَ في احتراقْ

لحبيبةٍ

قد قطّعَتْهُ – إلى مَلامِحِها –

لظى الأشواقْ.

 

في بيتهِ

ذاكَ سريرُهُ قابعٌ في الزاويةْ

وردٌ

و محبرةٌ

و حفنةُ الأوراق كدّسَها

كي لا يُعينَ نفسهُ على

نسيانِ عمق الهاويةْ.

و على جدار الغرفة الصفراء

مرآةٌ تخبّره عن آخر تقليعةٍ للشعر سوف يصوغها

بالمشط والأصباغ

كي يخفي ملامحَ كُرْهِ هذا الدّهرِ لهْ

أو ربما هي تعبيرُ امتنانٍ على إبداع يد الدهر بحقّهِ

فهو مازال يقوى على الأحلام.

في سرّهِ يبكي لفرط سخافته:

" مهما فعلتُ بخارجي السطحيّ ..

لن أقوى على تغيير شكل الروح في المرآةْ"

يستجمع الكمّ القليل من انحناء الروح فيه

ويعودُ للذكرى القديمةِ

علّهُ يبني انتصاراً شاملاً في وِقفتهِ معَ المَرايا.

 

في بيتهِ

شرفةٌ حجريةٌ تطلُّ على شارعٍ

يسكنهُ خليطٌ منَ الأرمَنِ و السّياحْ

يقتسمون المكانَ مع حزن المدينةِ على مَنِ انجَرَفوا نحوَ إغتِراب

بائعٌ متجولٌ

في نَفْسِ ذاكَ الوقتِ مِنْ كلِّ صَباحْ

يُسمِعُ السياحْ

ديباجةً مستوردةْ

فيصم آذانه عن التحديق في صوتِ البائعِ

ويصغي في صمتٍ إلى لون السماء.

كم مرةً قد غاب جمالُ هذا اللازَوَرْديِّ عن بالهْ

مُذْ رَحَلَتْ – مْنْ كانتْ تملؤهُ – عنْ فضائِهْ.

يَجْفَلُ عَنْ كُرسِيّهِ بَعدَما قَطَعَتْ لحظةَ السكونِ تلكَ

صافرةٌ لسيارةِ إسعافْ

تَبِعَتْها أخرى لنقل المَوتى

فجنازةٌ لجارهِ الذي لم يكمل الستين.

بعدها بنصف ساعة أو أقلْ

عرسٌ في أول ذاكَ الشارعِ

لجاره الشاب الذي لم يكمل العشرين.

هجس بفضول تملؤه الحَيْرَة:

مَلَكُ الموت

ملائكة الحياة

كلُّها تُطلُّ على شارعٍ واحدٍ

في أقلَّ مِنْ ساعةٍ مَرَّتيْنْ.

 

لم يكن يخشى من تكرار إطلالة الموت في حيهم مجدداً

قد يكون هو التالي

و قد لا يكونْ

لا بأس – لم يكترث

لكنَّ قلبهُ كانَ مفطوراً لأنّ لهُ مَلاكاً لمْ تلمَحْ عذوبةَ رَسْمِها

جدرانُ بيتهِ ..

أزقةُ حيّهم ..

بل حتى صقيعُ مدينتِهِ منذُ سنين.

 

متثاقلاً في خطوهِ

فرّ نحو فنجان قهوتهْ

علّه ينسى هموم مدينتهْ

فيصحو من سبات الواقع المغموس فيه.

و ما أن أتمّ شربَ القهوة

اندفعَ منطلقاً

يجدّدُ لقاءهُ بمَلاكِهِ

على طاولةٍ مهترئة الأرجل ..

بباب شرفتهِ ..

قبالة مكتبتهِ و المرآةْ

و بيده بطاقةُ تجوالهِ في عالمٍ حقيقيٍّ بعيدٍ عن المدينةْ:

حُلمٌ قديمٌ

و محبرةٌ قديمةْ.

 

 

(في 3 من كانون الأول عام 2007)




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."