يبدو أن النظام السوري لا يتحمل وحده مسؤولية التخلف والفساد والتضييق السياسي وكبت الحريات الذي يصيب الدولة السورية منذ عقود بل الحقيقة ان المسؤول الأول هو تحالف مقصود جرى لإبقاء الأمور كما هي منذ أربعين سنة وإلى الآن. ومن أجل هذا وبسبب عدم فهم عائق الإصلاح والتغيير في البلاد ذهب الكثير من الضحايا وخمدت الكثير من الحركات ودخلت البلاد في أزمات حرجة بسبب تصادم جميع مشاريع الإصلاح مع هذا التحالف أو بالأحرى عدم فهمه وفهم كنه المشكلة المعقدة التي تشكل المجتمع والدولة السورية منذ أمد طويل.
لفت انتباهي مقال حديث للكاتب السوري جهاد الزين بعنوان (ثلاثة أساطير حول النظام السوري) تحدث فيها عن ذلك التحالف القديم أو الإتفاق بين طبقة التجار الشوام مع حافظ أسد الذي يضمن مصالحهم وتجاراتهم مقابل تسليم الأمور الأمنية والسياسية له وواصل بشار الأسد بعد والده هذا الإتفاق ووسعه ليشمل التجار الحلبيين أيضاً وهم أقوى بطبيعة الحال وأغنى من التجار الشوام. وهذا ما يعيق الإصلاح والتغيير بشكل كبير إذ أن هذه الطبقة المهمة في المجتمع سلمت بالواقع ورفضت أي عملية تغيير أو إصلاح للوضع الحالي المهترئ طالما أن مصالحها مأمونة ومضمونة فيما غالبية الشعب يعيش في أوضاع صعبة وغلاء لا يطاق. وهنا يتحدث الزين أن أحاديث الديموقراطية والإصلاح والحريات هي ديدن حديث نخبة قليلة فقط من المثقفين الملقين في السجون و أقبية الإستخبارات التي تتعامل بعصا التخويف مع كل من يفتح فمه بذلك.. فمن أين يأتي الإصلاح إذا لم يكن هاجساً وإلحاحا شعبياً تدور رحى حديثه بين الصغير والكبير والطفل والمرأة..
وهل يستحق الشعب السوري ذرة ديموقراطية وحرية إذا لم ينالها بيده وبساعده؟!
أترككم مع مقطع من مقال جهاد الزين ليحدثكم عن ذلك التحالف وعن لا مبالاة الشعب السوري بقضاياه وهمومه
(أما المتغير الثاني بالنسبة لنظام مثل النظام السوري، فهو الوضع الداخلي في سوريا. فكنظام عسكري، كان حافظ الاسد، بخلاف صدام حسين قد عقد منذ العام 1970 "تسوية" مع البورجوازية التجارية الدمشقية، يضمن فيها مصالحها مقابل تسليمها له بالسلطة السياسية والامنية. بهذا المعنى نظام حافظ الاسد "طوّع" المجتمع السوري سياسياً وأقام تحالفاً مع بورجوازيته المدينية في العاصمة تحديداً. بينما نظام صدام حسين دمر المجتمع العراقي ليتمكن من الحكم. وهذا فارق جوهري. أما بشار الاسد فتابع منطق الصفقة الداخلية مع البورجوازية التجارية نفسه، بل وسّعها لتشمل البورجوازية التجارية في حلب التي لم يكن والده ليخصها بحسابات ودودة عكس علاقاته المتينة مع البورجوازية الدمشقية. (هناك كتاب مهم صادر عام 2006 في هذا السياق للباحث الفرنسي فابريس بالانش يُظهر بالارقام سيطرة البورجوازية الدمشقية والحلبية والسنية عموماً على حركة التجارة الخارجية والقطاع الخاص في سوريا وبما يبدو انه استراتيجية متعمدة للنظام السياسي الذي اكتفى بالسيطرة على الاقتصاد الخدماتي المرتبط بمرافق الدولة المباشرة).باختصار ورغم حركة القمع التي طالت رموزاً من المثقفين اليساريين السوريين الذين سعوا الى شكل معتدل ومحصور من الممارسة الديموقراطية عبر المنتديات الليبرالية، فقد أظهرت التجربة ان القوى الاجتماعية الاساسية في المجتمع السوري ليس لديها مشروع للديموقراطية في سوريا، وان المشروع الديموقراطي لا يتجاوز طروحات نخبة محدودة من المثقفين المقيمين في سوريا وبعض الشخصيات الاسلامية الموجودة في لندن، فيما الطبقة الوسطى البيروقراطية الواسعة والتجار والصناعيون ورجال الدين التقليديون يطمحون الى نوع من التحديث الاقتصادي المفصول في وعيهم عن الديموقراطية السياسية. وهو نزوع اجتماعي عام قد لا يكون مقتصراً على سوريا. فالعديد من المجتمعات العربية لا تبدو حاملة لمشاريع "دمقرطة" ضمن النموذج الغربي، بل هي أقرب في تصوراتها الى "النموذج الصيني".علينا أن نضيف الى كل هذه العوامل والمتغيرات التي تمنح النظام السوري قدرة داخلية على حماية نفسه بعد الاقدام على معاهدة سلام مع اسرائيل، ان المجتمع السوري يعيش حالياً مزاجاً عميقاً من اعتبار الاستقرار السياسي والامني القائم مكسباً رئيسياً بذاته لسوريا، قياساً بما حصل في العراق بل بسبب ما حصل ويحصل في العراق. مع الاشارة هنا ايضاً الى "حس الاستقرار" الامني لدى البورجوازية السورية في التاريخ الحديث للدولة السورية كان دائماً أقوى مما هو عليه في العراق، حتى لو تعددت الانقلابات العسكرية في فترة معينة. لكن تماسك الدولة - المجتمع هو الظاهرة السائدة.كل هذه المعطيات باتت تجعل النظام مهيأ للدخول في معاهدة سلام مع اسرائيل، خلافاً للفكرة السابقة القائلة بأنه غير قادر على تحمل تبعات هذا السلام. هذا زمن ولّى سورياً (وعربياً لو تكتمل التسوية الاسرائيلية - الفلسطينية البادئة في "أوسلو" عام 1993). فكيف اذا تأطرت هذه الصورة بالعامل الذي اصبح اكيداً وهو خوف الاقليات المسيحية داخل سوريا من صعود الاصولية الاسلامية، وهذه الاصولية تعيش اليوم جيلها الثاني "البن لادني" الاكثر تطرفاً.)