ما إن يصل مفهوم أو تصور إلينا حتى تتبارى مطابخ نخبنا "الإديولوجية " في إعادة طهوه لينصهر في ذوقنا العام الذي لازالت أصالته في السياسة ثابتة .ولعله من أكثر المفاهيم التي أعيد طبخها ولا يزال في الفرن السياسي المغربي هي مفاهيم "الديموقراطية" و"الانتخابات" و"المشاركة السياسية" ...
فالانتخابات الجماعية التي لاتفصلنا عنها إلا شهور معدودة ، لا تفضي إلى فرز نخبة محلية تمكنها المشروعية الانتخابية من صلاحيات التدبيرلما يسمى الشأن المحلي ، فمؤسسة الجماعة المحلية تقع - بسلطة القانون - تحت وصاية المصالح المحلية لوزارة الداخلية ، ومصالح باقي الوزارات خارج دائرة أي علاقة تنسيقية( أو تشاورية) إلزامية من قبل مؤسسة الجماعة المحلية .. والمثير في ديموقراطيتنا المحلية أن الجماعة المحلية تحتل آخر مرتبة (استشارية) عندما تجمعها مجالس التنسيق مع باقي المصالح تحت وصاية وإشراف وتنسيق مراكز السلطة المحلية والإقليمية والجهوية التي يجسدها القائد أوالعامل أوالوالي .
والمفارقة أن مؤسسة الجماعة المحلية باتت كبش الضحية التي تلصق بها كل لعنات التعثر في إنجازما يسمى "التنمية المحلية" ، وكل نعوت الفساد والتواطأ مع التبذير وسوء التدبير وقائمة الخلل طيلة ، بينما الحقيقة التي يتم تغييبها عنوة(أو سهوا ..) هي أن صناعة القرار المحلي ومسؤوليات تنفيذ برامج الحكومة (إن كانت لها برامج أصلا) عمليات تنجز وتهندس خارج مؤسسات الجماعات المحلية .
هذه المقاربة لا تتوخى ذر الرماد في العيون دفاعا عن نخب الجماعات المحلية ، بقدر ما تروم التذكير بأن أحزابنا السياسية جميعها تعرف وتدرك المعطيات السابق ذكرها ، وبأن المحسوبة منها على القوى الديموقراطية ، ظلت منذ عقود تبشرنا بأن مشاركتها في الانتخابات ، هي خوض لمعركة إنضاج شروط تحويلها إلى مؤسسات تمتلك صلاحيات تدبير الشأن المحلي ، وأنها فضلا عن ذلك معركة للحيلولة دون وصول "أذناب الفساد " إلى الجماعات المحلية ، وإذا بهذا الخطاب الجميل مع مرور الوقت يذوب في فرن المخزن لينجح المسلسل الانتخابي في تطويع نخب أحزابنا الديموقراطية ، ولنكتشف في التجارب السابقة أن الممارسة الانتخابية وحدت الأحزاب جميعها، ولم نعد قادرين على تمييز بعضها عن البعض في عالم الواقع ، اللهم إذا التفتنا إلى أسطورة النشأة والأصل ، التي لم يعد يأبه بها أعضاء هذه الأحزاب "الديموقراطية" ذاتها فبالأحرى المجتمع والمواطن .
أليس من المضحك/المبكي في ديموقراطية المغرب أن نجد حزبا في المعارضة البرلمانية للحكومة يتحمل مسؤولية "تسيير" جماعة محلية ؟ ألسنا أمام العبث الديموقراطي !
إن إعلان شتمبر 2007 الذي قاطع فيه المجتمع الانتخابات البرلمانية بنسبة تناهز الثلثين تؤشر على مأزق الديموقراطية كما هيأها المطبخ المغربي ، ديموقراطية أراد لها صناع القرار أن تظل بعيدة الأثر عن المشاركة في الحكم وعن المساهمة في صناعة القرار محليا ووطنيا . وهو إعلان يؤشر على ردود فعل مجتمعية ، ردود فعل تفكك تمثلات المخزن الذي يتمثل النخب الحزبية كنخب قاصرة عن المساهمة في صناعة القرار، نخب تصلح في أفضل الأحوال لإبداء المشورة إذا طلب منها ، وتخلخل ذات المنطق الثاوي في انتظارية أحزابنا السياسية التي تعيد إنتاج ذات ثقافة القطيع والراعي.
يصعب إن لم يذهب الزعم إلى أنه بات من المستحيل على أحزابنا أن تفكر في التخلي عن المشاركة في انتخابات لا تمكن من فرز نخب مسؤولة عن تصريف بعض برامجها وشعاراتها ، فانتخابتنا في وجهها الآخر مكنت النظام السياسي من استقطاب أعيان محميون جدد لا يستطيعون الحياة خارج المشاركة في المؤسسات الانتخابية ، أعيان أصبحوا يتحكمون في مفاصل القرار الحزبي ، وتلك ربما محصلة من محصلات مشهيات المشاركة الانتخابية ، بفضلها تمخزنت أحزابنا بدل أن تتقدم في دمقرطة مخزننا . فلنضع أيدينا على قلوبنا حذرامن مساحات هذا الفراغ الذي يبدوا مهولا ومقلقا ،فالسياسة لا تقبل الفراغ ...