محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قمم العرب وكلامهم
وليد خليفة ـ باريس
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
تكاد هذه الأبيات من مديح المتنبي لسيف الدولة الحمداني أن تكون عنوانا مختصرا لبيان القمة العربية المزمع عقدها غدا في الدوحة كرسالة موجهة لإسرائيل ب"مناسبة " عدوانها على الشعب الفلسطيني في غزة التي صُنِعت بمساهمة من أصحاب الدعوة إلى القمة ومضيفيها وبعض المتحمسون لها ، ولاستمرارها للاستزادة على رصيدهم في بورصات العالم بمقابل رخيص في نظرهم وهو دماء الشعب الفلسطيني كإدمان على تداول الخدمات مقابل المآسي .
يفهم بعض الزعماء العرب السياسة بأنها مباراة في كرة القدم أمام جمهور كبير ، لا يتوقف عن الهتاف المشجع ، الهستيري، وما على اللاعب إلا التحرك حتى لو كانت حركته ستؤدي إلى فقدانه المباراة ويجب عليه فعل أي شيء ليرضي الجمهور حتى الأفعال التي تؤدي به إلى الطرد من المباراة وبالتالي خسارة فريقه ، فالنتائج ليست مهمة ، فقط إرضاء الجمهور في اللحظة نفسها ، هي الغاية ، وعليه أن يأمل الجمهور دائما بإمكانية الحصول على الفوز في الدقيقة الأخيرة أو في الوقت بدل الضائع .
رغم أنهم لا يربحون أبدا في النتيجة ولا يسعون إليها ، بل ولا يفكرون بها ، فأنهم يضعون هتاف الجمهور قبل كل شيء والسياسة عندهم في المحصلة تبدأ وتنتهي في نفس النقطة للحفاظ على الهتاف وصناعته ، ليبق الجمهور على حاله ، غير سائل عن النتائج وأما الجمهور العربي فهو ذاك الجمهور الذي تعود على الهزيمة وأدمنها حتى باتت إحدى خياراته الإستراتيجية في الحياة ولا يقبل عنها بديلا .
الدعوة إلى القمة العربية الطارئة في الدوحة يعكس الفهم العربي الكروي للسياسة بدقة شديدة ويعيد أحيائه على مستويين أولهما الحلم بهدف التعادل في الوقت بدل الضائع وصناعة السيناريو لذلك بإحكام على مستويين أيضا أولهما الوصول قبل 24 ساعة إلى الرقم 14 في عدد الدول الموافقة على الحضور مما يجعل الهدف الوحيد المتبقي لاكتمال نصاب الثلثين حلم الجماهير التواقة للتنديد والاستنكار والثاني تهيئة الشارع العربي إعلاميا لانتظار حدث جلل مستخدمين نفس الرموز التي تم استخدامها في الهزائم السابقة على كثرتها مجموعة وعلى نفس الوتيرة بالمطالبات التي تخلق الهزائم حيث يتوالى ظهور الإعلاميين العرب والصور وعلى نفس الفضائيات مطالبين بشروط غير منطقية أبدا كالرأي القائل باتخاذ الرؤساء المجتمعين في الدوحة تهديد منظمة الأمم المتحدة بالانسحاب الجماعي منها في حال عدم التزام إسرائيل بقرارات الهيئة المذكورة كقرار التقسيم 242 " عبد الباري عطوان في قناة الجزيرة 14/1/2009 تلميحا منه إلى إمكان اتخاذ هكذا قرار " فيما يخرج الدبلوماسيون الممانعون ليمارسوا دورهم ورسالتهم في استغباء الجمهور بتناول موضوع غياب بعض الدول عن القمة التي لا تقدم ولا تؤخر على أنها غير مفهوم ولا مشكل في ذلك متصنعين التكبر على الخلافات فيما القمة والحرب كلها قائمة على أساس توسيع الهوة بين هذه الدول ومحيطها العربي ولحل أزمات دول أخرى ومصالحها التي تتناقض مع مصالح الدول " رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري 14/1 " فيما يشط الآخرون إلى المطالبة بتحويل جميع المختلفين معهم من رؤساء وزعماء وملوك العرب إلى محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب مجازر حرب " توجان الفيصل " 13/1/2009.
المستوى الرئيسي الثاني الذي يتجلى فيه الفهم الكروي للسياسة لدى بعض أصحاب القرار في الدول العربية يظهر في شكل الدعوة إلى القمة منذ اللحظة الأولى ، حيث دعت إليه سوريا وأخذت قطر على عاتقها استضافتها والدعاية لها عبر الجزيرة في الوقت الذي استنفر ساسة البلدين مساعيهم وجهودهم للتقرب من إسرائيل وأمريكا ، الأولى سوريا من خلال البوابة التركية التي تتقن الشكل الكروي العربي للسياسة المختصر في لعبة الهتاف وصناعته وإيجاد الجمهور مهما كان الثمن والنتائج والثانية الدولة المضيفة من خلال التأكيد اللفظي على قيادة المقاومة العربية لإسرائيل والعمل المعلن مع إسرائيل وأمريكا نهارا وجهارا واختصار المقاومة لديها في مواجهة الدول العربية من أجل استتابة الأمور فيها لتنظيمات الإسلام السياسي ، الأخوان المسلمون وبناتها السبع ، صاحبة الحظوة الكبرى لدى مراكز القرار العالمي ، الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ، لزخم التبريرات التي تقدمها هذه الحركات لإنعاش العنصرية وحروبها التي هي أحد ركائز استمرار التفوق الوحشي لهذه المراكز واستمرار سوق تجارة السلاح ورواجه .
القمة العربية وفكرتها ووقائعها أن حدثت وهو الأرجح لا تخرج من محاولة فاشلة لدخول مونديالات العالم بفرق عربية تعود كل مرة بخفي الأخ حنين لتقول تكفي المشاركة المشرفة ، أليس الموضوع كله كرة قدم وخاصة بعد أن وافق الطرف العربي "حماس" على المبادرة المصرية رغم المعارضة الشديدة لأهل القمة وفي الوقت المستقطع وبعد أن تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين في غزة رقم الألف والجرحى اقترب من الآلاف الخمسة ، ألم نقل أن الساسة العرب يبحثون عن المشاركة الشرفية والهدف اليتيم في الوقت بدل الضائع وبعد أن يفوت القطار في كل الأحوال وتكون الخسارة أكثر من محققة .
|