المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تأملات الرفيق فيديل

عن الفيل والنملة..!

ترجمة مجدي الجزولي

Fidel Castroيعود تاريخ الروح الأممي الذي يقود مساعينا الدولية إلى كتيبة المقاتلين الكوبيين الذين انضموا إلى كفاح الشعب الاسباني ضد النازية، وبذا صنعوا أعظم تقاليد الحركة العمالية الثورية. على ذات النهج سارت الثورة منذ أيامها الأولى. إننا لا نحبذ الحديث عن مساعينا التعاونية مع شعوب العالم، فهي ليست وليدة رغبة في الدعاية وإنما تعكس مشاعر حقيقية. البعض يتساءل كيف يتسنى لبلد صغير ذا موارد محدودة أن يقوم بمنجزات عظيمة في مجالات حاسمة كالتعليم والصحة، والتي لا يمكن تصور مجتمع بشري عصري دونها.

لقد طورت البشرية السلع والخدمات اللازمة لبقائها منذ نشوء أول المجتمعات، ثم تطورت هذه وتحولت من الأشد بساطة إلى الأكثر تعقيدا خلال آلاف السنين. كما نعلم، أو كما يجب أن نعلم، لا ينفصل تاريخ استغلال الإنسان لأخيه الإنسان عن هذه العملية. تعددت صور الإدراك البشري لهذا الواقع بالاعتماد على الموقع الذي يشغله كل فرد في المجتمع. عليه، لطالما اعتبرت المجتمعات الاستغلال أمرا طبيعيا لا فكاك منه بل إن الأغلبية كان يعوزها الوعي بحقيقة الاستغلال وعلاقاته.

لكن، وفي انجلترا الرأسمالية، التي كانت حينها بلدا قائدا تتفوق على الولايات المتحدة وعلى جاراتها في أوروبا القارية، وفي عالم يسوده الاستعمار والتمدد الاستيطاني، فصل كارل ماركس، المفكر العظيم وعالم التاريخ والاقتصاد، وكتب ونشر أفكاره حول علاقات الإنتاج الرأسمالي في كتاب بعنوان مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي (1876)، ذلك على أساس أعمال أبرز فلاسفة واقتصاديي ذلك العصر بما في ذلك هيغل وديفيد ريكاردو وآدم سميث. ثم واصل نشر وتطوير وأفكاره باصدار العمل الذي اشتهر باسمه: رأس المال. في الواقع، قام انجلز بتحرير القسط الأكبر من هذا الكتاب الكبير بالاستناد إلى أوراق ماركس وكراساته، وقد واصل انجلز نشر أفكار ماركس بعد وفاة الأخير في 1883.

إن أعمال ماركس تعتبر الأكثر موثوقية في خصوص طبقية المجتمع واستغلال الإنسان للإنسان. بذلك ولدت الماركسية وأصبحت أساسا لكل الحركات والأحزاب السياسية التي جعلت الاشتراكية هدفا لنشاطها بما في ذلك جميع أحزاب الاشتراكية الديموقراطية تقريبا، تلك التي خانت، باندلاع الحرب العالمية الأولى، شعار ماركس وانجلز المثبت في المانفستو الشيوعي (1848) "يا عمال العالم.. اتحدوا!".

أحد أهم الحقائق التي عبر عنها هذا المفكر العظيم بصيغة مباشرة واضحة قوله: "يؤسس البشر خلال عملية الإنتاج الاجتماعي أنساقا ضرورية من العلاقات المستقلة عن إرادتهم، علاقات إنتاج تتسق مع حالة تطور قوى الإنتاج المادي في المرحلة التاريخية المعينة. عليه، لا يتحدد وجود الإنسان بوعيه، بل العكس تماماً، الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. باحراز مرحلة معينة من التطور تتناقض علاقات الإنتاج السائدة مع قوى الإنتاج الاجتماعي. من ثم تتحول هذه العلاقات من كونها صيغ لتطور قوى الإنتاج إلى كونها عوائق أمام قوى الإنتاج، وتبدأ من ثم مرحلة من الثورة الاجتماعية (...) في الواقع، لا تزول تشكيلة اجتماعية معينة قبل اكتمال تطور قوى انتاجها، ولا تنشأ علاقات إنتاج جديدة متقدمة قبل نضوج الشروط المادية لوجود هذه العلاقات في المجتمع القديم.

إنني عاجز عن إيجاد صيغة أفضل تعبر عن هذه المفاهيم التي طورها ماركس، وهي مفاهيم يمكن أن يدركها حتى التلميذ اليافع الذي انضم لتوه إلى رابطة الشباب الشيوعي بمساعدة بسيطة من معلم مقتدر.

لوصف الصراع الطبقي كما يتبدى واقعا كتب ماركس "الصراع الطبقي في فرنسا من 1848 إلى 1850"، وكتب "الثامن عشر من برومير"، تحليلين تاريخيين ممتازين يسعدان أي قارئ فطن، فالرجل كان عبقريا!

لينين، الذي واصل على سنة ماركس الديالكتيكية، كتب عملين بارزين:  "الدولة والثورة" و "الإمبريالية: أعلى درجات الرأسمالية". أفكار ماركس التي دخلت حقل الممارسة في ثورة أكتوبر تم تطويرها أيضا بواسطة ماو تسي تونغ والعديد من القادة الثوريين في العالم الثالث. دون هؤلاء لما تحققت الثورة الكوبية في الحوش الخلفي للولايات المتحدة الأميركية.

لو اقتصر الفكر الماركسي على مقولة "لا تزول تشكيلة اجتماعية قبل اكتمال تطور قوى الإنتاج الخاصة بها" فقط لحق للمنظر الرأسمالي فرانسيس فوكوياما إعلانه الجهير أن انهيار الاتحاد السوفييتي يمثل نهاية التاريخ ونهاية الآيديولوجيات وألا طائل من مقاومة نمط الإنتاج الرأسمالي.

عندما نشر مؤسس الاشتراكية العلمية أفكاره كانت قوى الإنتاج الاجتماعي بعيدة كل البعد عن اكتمال تطورها. التكنولوجيا ما كانت قد أنتجت بعد أسلحة الدمار الشامل القادرة على سحق الجنس البشري، لم يكن الفضاء الخارجي متاحا للبشر، ولا عرف الانسان أن إهدار الهيدركربونات ومصادر الطاقة الأحفورية غير القابلة للتجديد يقود إلى الاحتباس الحراري وتغير المناخ، فقد بدى أن الطبيعة تغص بموارد غير محدودة وغير قابلة للإفناء، كذلك لم يعرف العالم أزمة الغذاء: نتيجة عدد لا نهائي من ماكينات الاحتراق، وسكان ستة أضعاف العدد الذي كان يقطن الأرض في السنة التي ولد فيها ماركس (1 مليار).

إن تجربة كوبا الاشتراكية تشق طريقها في عصر امتدت فيه الهيمنة الإمبراطورية إلى كل أرجاء الكوكب. عندما أتحدث عن الوعي فإني لا أقصد الإرادة القادرة على تغيير الواقع، بل أعني معرفة الواقع الموضوعي التي تمكن من تحديد الطريق السديد.

لقد قضى عشرات الملايين من الناس في الحرب التي أشعلتها الفاشية منتصف القرن العشرين، آيديولوجية ولدت في حضن الرأسمالية المتطورة المعادية للماركسية، تماما كما تنبأ لينين.

يتصل الصراع من أجل التحرر الوطني، في كوبا وفي غيرها من بلدان العالم الثالث، بقيادة الطبقات الوسطى والبرجوازية الصغيرة، كما يتصاعد الصراع من أجل الاشتراكية، تقوده الفئات المتقدمة من الطبقة العاملة والفلاحين. هذان الصراعان يتكاملان ويعززان بعضهما البعض. في هذا الأتون ازدهرت التناقضات الآيديولوجية والطبقية، كما تباينت العوامل الذاتية والموضوعية في كل خبرة تاريخية.

برزت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كتدشين مؤسسي لوعي عالمي جديد، لكن هذه الآمال ما لبثت أحبطت، بل عاد الحزب الفاشي إلى الوجود، الذي أسماه صاحبه هتلر الحزب القومي الاشتراكي، عاد بأشد وأعنف ما يكون.

الامبراطورية اليوم تجوب كل بحار العالم بحاملات الطائرات، على أتم الاستعداد للتدخل العسكري. أنظر ماذا فعلت غرض المنافسة مع كوبا في هذه الجهة من العالم: وجهت سفينة ضخمة تم تجهيزها كمستشفى عائم للعمل مدة عشرة أيام في كل بلد. يمكن بذلك مساعدة بعض الناس، هذا صحيح، لكن لا يمكن حل مشكلة أي بلد، ولا يمكن وقف نزيف العقول، ولا يمكن تدريب الاختصاصيين اللازمين لتقديم الخدمات الطبية على مدار الساعة وفي كل أيام السنة. إن كل حاملات الطائرات في العالم، أدوات التدخل العسكري حول الكوكب، إذا ما تم تحويلها إلي مستشفيات، لا يمكنها أن تقدم الخدمات التي يقدمها أطباء كوبا لملايين الناس في كل أرجاء المعمورة وفي أقصى أركانها، حيثما أتى الطلق امرأة أو ولد طفل أو طلب مريض العون العاجل.  

لقد أثبتت بلادنا الصمود في وجه كل الضغوط والقدرة فوق ذلك على مساعدة الشعوب الأخرى. في ذهني جهودنا التعاونية ليس فقط في بوليفيا، بل أيضا في هاييتي وفي العديد من بلدان أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، وفي أفريقيا، كذلك في أقصى المحيط على بعد 20 ألف كيلومتر من جزيرتنا الصغيرة. أتذكر هذه اللحظة المهام التي قامت بها كتيبة هنري ريفز استجابة للكوارث في كل أنحاء الأرض على متن طائراتنا، تنقل الكادر البشري والموارد.

بلغ عدد عمليات العيون المجانية التي يقوم بها أطباء كوبا قرابة المليون في العام، فهل تستطيع الولايات المتحدة منافسة كوبا؟ إننا نستفيد من تكنولوجيا الكومبيوتر لنشر المعرفة بين الناس، وليس لصناعة أسلحة الدمار الشامل وإبادة الجنس البشري. من وجهة نظر اقتصادية، يسمح لنا تطور وعي وثقافة شعبنا الذي أصبح ممكنا بفضل الثورة، يسمح لنا بمساعدة أشد المحتاجين مجانا، بل بتصدير الخدمات المتخصصة، لا سيما العلاجية، إلى بلدان تتمتع بموارد أكثر من المتوفرة لدينا. في هذا المضمار، لن تستطيع الولايات المتحدة أبدا منافسة كوبا، فبلادنا الصغيرة ستصمد لا محالة. بعبارة بسيطة: " أثبتت النملة أنها أشد بأساً من الفيل".

فيديل كاسترو روز




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."