محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
دور المؤسسة الدينية السنية في تكريس الفكر الاستبدادي
الفصل الثاني عشر: دور المؤسسة الدينية السنية في تكريس الفكر الاستبدادي
لم يعرف الإسلام وجود مؤسسة دينية رسمية تشابه المؤسسات الدينية اليهودية والنصرانية التي تهيمن على علاقات الإنسان مع ربه، وتحتكر التحدث باسم الدين أو تقوم بتفسيره. وإنما ترك كل ذلك لعامة الناس. وهناك آية في القرآن الكريم تدعو المسلمين للتفقه في الدين وهي:"وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون". التوبة 122 وهي تشير الى ضرورة نفر طائفة من كل فرقة ليتفقهوا في الدين، ولكنها لا تشير الى احتلال تلك الطائفة موقعا مميزا دينيا، أو تشكيلها طبقة خاصة مقدسة، كما هو الحال لدى اليهود والنصارى.
وبناء على دعوة القرآن الكريم للمسلمين للتفقه في الدين فقد نشأت في القرن الأول فئة عرفت بالقراء، ولكنها كانت فئة شعبية مثقفة بثقافة القرآن ومفتوحة للجميع، أي غير محصورة في مؤسسة دينية أو تخضع لنظام إداري معين. وعندما احتك المسلمون بالحضارات الأخرى وخاصة اليهودية، نشأ لدى فريق منهم رأي بضرورة وجود أئمة دينيين يتوارثون علم النبي ويقومون بتفسير القرآن وتأويله وتطبيقه، وهو الفريق الذي عرف لاحقا بالشيعة الامامية، الذين اعتقدوا بعصمة الأئمة من أهل البيت وبالنص عليهم من الله، وبتلقيهم للعلم منه بطرق تشبه الوحي. ولكن عامة الشيعة وعامة المسلمين لم يوافقوهم على ذلك الرأي، ورفضه حتى أئمة أهل البيت الذين كانوا يؤكدون أن علومهم ليست وحيا من الله وإنما هي روايات يروونها أبا عن جد عن رسول الله (ص).
وإذا كان أهل البيت يحتفظون برواياتهم الخاصة فقد كان يشاركهم في نقل الروايات عن رسول الله عدد كبير غير محصور من المحدثين (أهل السنة). وكان من بينهم بالطبع عدد من الفقهاء الذين ينظرون في الأحاديث وينتقون الصحيح من الضعيف. ولذلك طلب المنصور العباسي من الامام مالك بن أنس وضع كتاب (الموطأ) من أجل تعميمه على البلاد الإسلامية والعمل به كقانون في المحاكم. كما طلب من الامام أبي حنيفة أن يتولى القضاء فرفض ودفع ضريبة غالية بدخوله في السجن حتى مات فيه. ومع وجود عدد كبير من الفقهاء والمحدثين في القرن الثاني الهجري لم يكن المسلمون يعرفون الانتماء المذهبي، وإنما كانت الدولة تقوم بتبني آراء فقيه معين في المجال القضائي، وهكذا قامت الدولة العباسية بتعيين تلميذ أبي حنيفة القاضي أبي يوسف على رأس مؤسسة القضاء، كما قامت في مرحلة لاحقة بتبني الفكر الاعتزالي وعينت قضاة معتزلة في ذلك المنصب. وعندما انقلب المتوكل على المعتزلة قام بتقريب أهل الحديث وعلى رأسهم الامام أحمد بن حنبل تعويضا عما لحقهم من ظلم واضطهاد على يدي المعتزلة. ولكن لا توجد أية مؤشرات الى تبني الدولة العباسية للمذهب السني (أهل الحديث) حتى أواخر القرن الرابع عندما قام الخليفة القادر بالله بدعم مجموعة من المذاهب الفكرية والفقهية تحت شعار (أهل السنة) وتبنيها في مواجهة المعتزلة والزيدية والإسماعيلية. وتكرس تبني الدولة للمذاهب في عهد السلاجقة الذين هيمنوا على الخلافة العباسية منذ أواسط القرن الخامس الهجري، وأسسوا لذلك المدارس الدينية التي عرفت بالمدارس النظامية. حيث برزت ظاهرة رجال الدين أو المؤسسة الدينية المرتبطة بالدولة.
وكما رأينا في فصول سابقة فقد قام كثير من رجال الدين السنة المتمحورين حول الخلافة العباسية بإنتاج فكر سياسي مؤيد للنظام العباسي القائم ومبرر له. وقام رجال الدين (المفتون) بدور الدفاع عن النظام العثماني فيما بعد، حيث لعب الشيخ أبو الفتوح الصيادي دورا كبيرا في الدفاع عن نظام الخلافة العثماني في مواجهة الدعوات الديموقراطية، ولعب ويلعب رجال الدين السنة الخاضعون للمؤسسات الرسمية والمعينيون من قبل الحكام في كثير من البلاد الإسلامية دورا كبيرا في الدفاع عن الأنظمة القائمة وتبرير قمعها لشعوبها وسياساتها الديكتاتورية.[1]
ومن الواضح ان تحول رجال الدين الى طبقة رسمية تعتمد في تمويلها على الحكام دفعها للوقوع في أحضان السلطات المختلفة بغض النظر عن واقع تلك السلطات وطبيعتها وأعمالها. وقد جعل ذلك التحول منها مؤسسة من مؤسسات الدولة تقوم بمهمة الدعاية والإعلام لمصلحة الحكام في مواجهة الشعوب. وبما أن الديموقراطية ليست في صالح الحكام دائما، فقد لعب رجال الدين السنة ، وخاصة المرتبطون بالمؤسسات الرسمية، دورا في إشاعة الفكر الاستبدادي، ونشر الثقافة السياسية السنية المفعمة بروح الخنوع والطاعة للحكام، والمتولدة من تزاوج الحكام مع رجال الدين عبر التاريخ.
وبالرغم من وجود فقهاء سنة مستقلين وملتزمين بالتعبير عن مصالح الجماهير، عبر التاريخ، إلا أن نظام المؤسسات الدينية السنية الذي يعتمد في تمويله على الحكومات، بصورة عامة، فرض على الفقهاء وأئمة المساجد إما الابتعاد عن السياسة أو الابتعاد عن الناس والخضوع للحكام. ويمكن التأكد من هذه الحقيقة بمقارنة المؤسسات الدينية السنية مع المؤسسات الدينية الشيعية التي تعتمد في تمويلها على الشعب عبر قانون (الخمس) والتي تضطر للتخندق دائما في صف الشعوب في مواجهة الحكام، ولذلك تطور الفكر الديموقراطي لدى الفقهاء الشيعة في القرن الأخير أكثر مما تطور لدى رجال الدين السنة المرتبطين بالحكام.
وقد شهدنا أيضا تطور الفكر الديموقراطي لدى الحركات الإسلامية المعارضة للحكومات العلمانية، ولدى رجال الدين السنة المنفصلين عن تلك الحكومات، في حين شهدنا أيضا ميل بعض رجال الدين الشيعة الى الفكر الديكتاتوري في ظل الحكومات الشيعية، بسبب ارتباطهم بها ماديا أو سياسيا. وغني عن القول إن رجال الدين من السنة أو الشيعة يتخذون مواقع متطرفة ضد الديموقراطية ولصالح الاستبداد عندما يكونون هم في موقع القيادة والحكم، كما حدث ويحدث في ظل الجمهورية الإيرانية وحكومة طالبان.
وهذا ما يؤكد أن حركة الفكر ليست دائما حرة، وإنما هي تتأثر بعوامل عديدة على رأسها المصالح المادية والسياسية لأي شخص أو طبقة أو مؤسسة. وكلما يكون ذلك الشخص، أو تلك الفئة مستقلة اقتصاديا أو معتمدة على الشعب فانها تكون أقرب الى الحق والى الديموقراطية. ومن هنا فإن الطريق الى الديموقراطية في العالم الإسلامي (السني) يمر عبر استقلال المؤسسة الدينية وانفصالها عن الحكام، واختيار قادتها وزعمائها بواسطة الأمة أو عامة رجال الدين، وليس بتعيينهم من قبل الحكام، كما هو الحال في المرجعية الدينية الشيعية المنتخبة من الأمة، أو الجامعات والمعاهد العلمية المستقلة.
وفي الحقيقة إن حصر الدين والإفتاء في مؤسسات رسمية أو شعبية أمر مخالف للدين، ولم يسنه الإسلام، الذي لم يعين أية مؤسسة للهيمنة على الدين أو تفسيره أو تأويله ، وإنما ترك كل ذلك لعامة المسلمين، ودعا الجميع للتفقه في الدين والقيام بمهمة الإنذار والتحذير والدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء مهمة الخلافة في الأرض.
وتتجلى الحقيقة أكثر إذا ما علمنا بأن الفكر السياسي الديكتاتوري الذي يجهد بعض رجال الدين بتكريسه في عقول الناس، هو أمر خارج إطار الدين ولا علاقة له بالمؤسسات الدينية، لأنه يتعلق بالمجال العقلي والعرفي والإداري المتروك للناس. ولم يدخل تحت عباءة رجال الدين إلا بعد تحول النظام السياسي في عهد الخلفاء العباسيين والعثمانيين من نظام مدني الى نظام ديني مقدس. ومتى ما نزعنا القداسة عنه، وأعدناه الى طبيعته الدينية فسوف نقلص هيمنة رجال الدين، ونفتح أبواب التطور الديموقراطي في العالم الإسلامي.
[1] - يقول الدكتور حاكم المطيري:" لقد تكررت المأساة التي ذكرها الكواكبي من قبل ، حيث أصبح علماء الدين وسيلة يتم توظيفها لخدمة السلطة باسم الدين والسنة، حيث قال (ومن أهم دسائس المتعممين، أنهم ينفثون في صدور الأمراء لزوم الاستمرار على الاستقلال في الرأي، وإن كان مضرا، ومعاداة الشورى وان كانت سنة، والمحافظة على الحالة الجارية، وان كانت سيئة، ويلقون عليهم بأن مشاركة الأمة في تدبير شئونها وإطلاق حرية الانتقاد لها، يخل بنفوذ الأمراء، ويخالف السياسة الشرعية، ويلقنونهم حججا واهنة، لولا أن أمامها جهل الأمة، ووراءها سطوة الإمارة، لما تحركت بها شفتان، ولا تردد في ردها إنسان". الحرية أو الطوفان، ص 311 عن أم القرى ص 46
|