المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
انهيار الخلافة، أو انفصال السياسة عن الدين

الفصل الحادي عشر:  انهيار الخلافة، أو انفصال السياسة عن الدين

   بعد أن كانت الخلافة في بداية عهدها ذات أهداف عظيمة "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" كما يقول الماوردي، أو "رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول الأكرم" كما يقول ابن خلدون، وكان يفترض أن تكون انعكاسا لتطلعات الأمة الإسلامية، وأداة لها لتحقيق مهمة خلافة الله في الأرض ؛ تحولت إلى ملك عضوض وأصبحت محلا للصراع بين أهل الدنيا وهدفا لأجل الحصول على المال والنساء والعلو في الأرض بغير حق. وبعد أن كانت وسيلة لتنفيذ الشريعة الإسلامية وتحرير العباد وتحقيق العدل، أصبحت لدى معظم الخلفاء والملوك هدفا لذاته، وانحدرت إلى أسفل دركاتها، وأصبح الخلفاء رمز الظلم والفساد ومخالفة الشريعة والاعتداء على حقوق الناس. وحدث في ظل ما يسمى بالخلافة أول انفصال بين  الدين والسياسة.

   وكما رأينا خلال الفصول الماضية، فقد كان تدهور الخلافة بسبب قيامها على القهر والغلبة والعهد إلى الأبناء والإخوان والأقارب وانفصالها عن الأمة بعد إلغاء الشورى، وتعاليها على المراقبة والنقد والمحاسبة.

   ومن هنا لم يكن غريبا أن نشهد وصول رجل مثل الوليد بن يزيد بن عبد الملك لمنصب الخلافة في العهد الأموي. بعد وصية أبيه إليه بولاية العهد، بعد أخيه هشام، بغض النظر عن مؤهلاته وصفاته والتزامه بالدين. فتسلم الوليد الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة 125هـ. وكان فاسقاً فاجراً، منتهكاً حرمات الله ، واشتهر بالخمر واللواط، كما يقول الذهبي.[1] وقد رشق القرآن بالسهام وفسق ولم يُخفِ الآثام حتى سُمِّي "فرعون هذه الأمة".[2] مما أدى إلى ثورة الأمويين ضده، بقيادة يزيد الناقص، وقتله. وقد تبرأ منه حتى أخوه سليمان بن يزيد، وقال عندما شاهد رأسه على رمح:" بعداً له، أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد راودني على نفسي".[3]

   وإذا كان الوليد بن يزيد قد ضرب المثل الأعلى في الفسق والفجور والاستهتار والانقلاب على مبادئ الشريعة، فان العديد من "الخلفاء" كانوا يشربون الخمر علنا في مجالسهم، ومنهم الهادي موسى بن المهدي ، حسبما يقول الذهبي، والمتوكل الذي كان منهمكا في اللذات والشراب واللهو.[4]  والمقتدر الذي يقول المؤرخون عنه : "أنه كان مؤثرا للشهوات والشراب مبذرا، وخاضعا للنساء" .[5]  والقاهر الذي كان سيئ السيرة سفاكا للدماء مدمن الخمر.[6]  وآخرون غيرهم. وحتى إذا لم يكونوا يشربون الخمرة، فانهم كانوا يقتلون النفس المحرمة، ويغتصبون المال الحرام، ولا يضعونه موضعه، مما كان يسلب عنهم لقب "الخليفة" ويحولهم إلى ملوك ظالمين، حسب تعريف الصحابة لمصطلح "الخلافة".

    ومن هنا ذهب جماعة من أئمة السلف منهم أحمد بن حنبل ، إلى كراهية إطلاق اسم الخليفة على من بعد الحسن بن علي.[7] وهذا هو الواقع، إذ كان الملوك الأمويون والعباسيون ومن جاء بعدهم، إلا ما ندر، من أبعد الناس عن "الخلافة" بمعنى حراسة الدين وسياسة الدنيا، أو نيابة الرسول في تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان يجدر بالفكر السياسي الإسلامي والسني خصوصا، أن يعمل على تقييد صلاحيات الملوك المطلقة، ودفعهم للتناغم مع إرادة الأمة، والقيام بدور النيابة عنها. ولكن تصديق "أهل السنة" للروايات الواردة عن الرسول الأعظم (ص) دون تمحيص ولا تفكير، وخاصة الأحاديث التي تقول بعدالة جميع الصحابة وضرورة الطاعة للأمير الفاجر، أدى بهم إلى التهاون في مسألة اشتراط العدالة والقبول بحكومة الفاسق، بل واعتباره مؤهلاً للخلافة. وذلك في محاولة من "أهل السنة" لتصحيح حكم معاوية وإضفاء صفة الخلافة عليه. وكانوا في موقفهم هذا مخالفين لموقف الصحابة والسلف الصالح.[8]

    وقد مر معنا في فصل (الطاعة المطلقة للإمام) موقف الإمام أحمد بن حنبل وشيخه علي بن المديني، والأشعري، والطحاوي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الخلال، والبربهاري، واللالكائي، وابن زمنين الأندلسي، وغيرهم وغيرهم، من تلك الأحاديث، ومن وجوب السمع والطاعة للحاكم الفاسق الفاجر ، واعتبار ذلك ركناً من أركان "السنة والجماعة".[9] 

    يقول الدكتور عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي:"أما العدالة ، فصغرى وهي تجنب فسق الأعمال، وكبرى هي تجنب فسق الأعمال والمعتقد؟ وقد رأى بعض الحنفية أنها ليست بشرط ضروري لصحة الخلافة، وان اختيار الفسقة والظلمة لها جائز مع الكراهة، سواء عند التولية أو للاستدامة، أو ممارسة مهام تقليد الولاة والقضاة وغيرهم.[10]ويقول الدكتور الدميجي:" أجاز أهل السنة والجماعة إطلاق كلمة (خلفاء) على من جاءوا بعد الخلفاء الراشدين وان كانوا ملوكا بشرط كونهم من قريش... وان كان فيهم بعض الانحراف والتقصير في بعض واجبات الدين بشرط القرشية".[11]

  وهذا ما يؤكد تسامح الفكر السياسي السني مع شرط العدالة المهم في الخليفة، بالإضافة إلى الشروط الأخرى كالانتخاب والرضا من الأمة، واقتصاره على شرط القرشية الذي كان تحصيل حاصل، ولا يقدم ولا يؤخر. وهو ما أدى إلى الاعتراف بالخلفاء الأمويين والعباسيين كما هم ودون النظر إلى مدى التزامهم بالشريعة الإسلامية وتحقيق العدل وحراسة الدين والدنيا.

  وفي الوقت الذي كان يؤكد بعض الفقهاء كابن تيمية على:"وجوب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله" فان "الخلافة" أو السلطة عموما، كانت تسير باتجاه معاكس ، وتصبح مركزا سلبيا مضادا لأهداف الإسلام ومصالح الأمة، وذلك بسبب الصراع الدموي على السلطة وانتهاك الحقوق والحرمات من أجل الفوز بها ، في سبيل الحصول على الدنيا المذمومة في الإسلام. وهذا ما اعترف به  ابن تيمية الذي نظر إلى واقع الأنظمة السياسية لدى المسلمين، وقال بتأسف:"إنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها... وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع المال أن يكون كقارون...ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان وكمال الدين".[12]  وأضاف :"افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها، فصاروا نهابين وهابين، وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويُطعم، فانه إذا تولى الضعيف الذي لا يأكل ولا يُطعم، سخط عليه الرؤساء وعزلوه، إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها".[13]  وقال:"لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين، قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه، يؤثر تقديم من يقيم رئاسته".[14]

   وقد رأينا أيضا كثيرا من الفقهاء عبر التاريخ، يصرون على ضرورة التزام الإمام بالحق والعدل والشريعة الإسلامية، وذهب بعضهم إلى حد المطالبة بعزل الحاكم الظالم الفاسق، أو الثورة عليه، ولكنهم كانوا يتراجعون عن ذلك خوف الفتنة، وربما كان معهم بعض الحق أحيانا، إلا انهم لم يبحثوا المشكلة بصورة عامة وجذرية، ولم ينظروا إلى أسباب وعوامل تدهور الخلافة، وعلى رأسها موضوع الاستيلاء على السلطة بالقوة، ثم العهد إلى الأبناء والاخوة، وإلغاء مبدأ الشورى، وإبعاد الأمة عن المشاركة السياسية. ولم يحاولوا إصلاح النظام السياسي الفاسد، وسد الثغرات فيه، بل انساقوا معه واستسلموا أمامه، وراحوا يبررون شذوذه، ويكرسون حالات الانحطاط والتخلف فيه.

   وبدلا من الإصرار على شروط الخلافة الأولى، والدعوة لتحقيق أهدافها، والالتزام بقيمها، ذهب معظم الفقهاء إلى الاعتراف بالأمر الواقع، وبذلوا جهدا كبيرا في تبرير الانقلاب  التاريخي الكبير من الخلافة إلى الملك، الذي قام به معاوية بن أبي سفيان. كما فعل ابن تيمية، الذي أجاز الخروج عن الخلافة بقدر الحاجة، وقال "لا إثم على الملك العادل، وإن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وإن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل".[15] وأفتى بجواز العدول أحيانا عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة .[16] وراح يقدم التبريرات للأمراء الذين يستأثرون بالمال والرياسة على الناس ويحابون في القسم ويرتكبون الشهوات.[17] ويفتي بعدم جواز نهيهم عن تلك السيئات "لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة".[18]  

    وبغض النظر عن هذه التبريرات فإن النتيجة هي انفصال "الخلافة" أو الأنظمة السياسية الحاكمة في التاريخ الإسلامي عن الإسلام، وهو ما أدى إلى تدهور الحضارة الإسلامية وتخلف المسلمين واستنزاف طاقاتهم وتسلط الأجانب عليهم. وهذا ما أدركه المفكر الهندي السيد أبو الحسن الندوي، بعد فوات الأوان، حيث اعتبر تولي منصب الخلافة الخطير من قبل رجال لم يعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية عميقة متينة ، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية، من أهم عوامل انحطاط المسلمين. الأمر الذي أدى الى وقوع تحريفات في الحياة الإسلامية، وفصل بين الدين والسياسة عمليا.[19]

     

 

 



[1]  - قال هشام بن عبد الملك يوماً لولي عهده الوليد بن يزيد، بعد أن تمادي في الشراب و طلب اللذات: ويحك يا وليد ! و الله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا ؟! ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاش و لا مستتر به !    فكتب إليه الوليد، معرِّضا بابنه مسلمة :" يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر ،  نشربها صرفاً و ممزوجة    بالسخن أحياناً و بالفاتر". فغضب هشام على ابنه مسلمة ـ و كان يكنى أبا شاكر ـ و قال له : يعيرني بك الوليد و أنا أرشحك للخلافة ! فالزم الأدب و احضر الجماعة . تاريخ الطبري ج4 ص222

[2] - السيوطي ، جلال الدين ، تاريخ الخلفاء، ص 234

[3]  - السيوطي ، جلال الدين ، تاريخ الخلفاء، ص 233

[4]  - السيوطي ، جلال الدين ، تاريخ الخلفاء، ص 323

[5]  - المصدر، ص 356

[6]  - المصدر، ص 359

[7]  -  أحمد بن عبد الله القلقشندي ، مآثر الانافة في معالم الخلافة، ج1 ص 12

[8]  - الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 533- 535

[9]  - اللالكائي،  شرح أصول اعتقاد أهل السنة، فقرة رقم:314 و فقرة رقم:318

[10]  -  الطرسوسي، نجم الدين إبراهيم بن علي الحنفي ، تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك،  ص 18

[11]  - الدميجي، عبد الله ، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص 40

[12]  - ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 140- 142

[13]  - المصدر، ص 51

[14]  - المصدر، ص 21

[15]  - ابن تيمية، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 35  باب الخلافة والملك، ص 27

[16]  - المصدر، ص 29

[17]  - المصدر، ص 30

[18]  - المصدر، ص 31

[19]  - الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."