المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أخبار حمدان القرمطي وأتباعه

                                            مشادّة عنيفة

رَجُلان اثنان وبينهما قطعة من الورق الـمقوّى...
هما اثنان قد يتشابهان في شيء ما، في حالة معيّنة من الحالات غير الـمألوفة لدى سائر النّاس الكبراء. إنسان يمشي مترنّحا كالدّراجة مختلّة الأوزان... كرجل سكران...
رَجُلان اثنان وبينهما قطعة من القصدير ـ لا عفوا ـ قطعة من الكرتون( ) لأجلها قام الرّبّ وقعد.
يقول الأوّل:
ـ "الكرتونة كرتونتي".
فيقول الثّاني:
ـ "الكرتونة لي ! قسما بآلهة القدماء والمحدثين".
لا شكّ أنّهما قد اختلفا في أصل الكرتونة إلى من ستعود بالـملكيّة... إلاّ أنّ الحواجب التي بدأت تتقطّب والسّتر التي بدأت تحلّ والأسارير التي بدأت ترنو إلى الاشمئزاز والاستفزاز جعلت الأمر يقوى والخلاف يعلو والسّباب يحتدّ والكفر يتصاعد...
هما اثنان وقطعة الكرتون قطعة واحدة ولكنّ البديهيّ في الأمر هو أنّ أحدا منهما لم يفكّر ولو نصف تفكير أنّ الكرتونة يمكن قسمتها إلى قسمين متساويين بالعدل والإنصاف. وبذلك يمكن للنّزاع أن ينتهي ويأخذ طريقه نحو التّسوية... سوى أنّ إبليس الـمشاجر ما فتئ راسيا في مرسى الدّماغيْن الـمخدّريْن بقوارير ذات رائحة "عرقوبيّة"( ).
رجلان اثنان يحتلاّن جانبا هامّا من الطّريق وكذلك جانبا هامّا من الـمدينة الـمقفرة في ليل شتائيّ بارد... هما اثنان واللّيل ليل واحد والشّارع شارع واحد والكرتونة كرتونة واحدة وممسوكة بيد واحدة هي شمال أحدهما، والآخر يغدو وحيدا وسط الطّريق ويده اليمنى متشنّجة في انتظار بدء الشّجار واحتداد التّفاوض،، وهما اثنان... اثنان في عراك غريب حادّ قد ينتهي في ساعة متأخّرة من يوم تعس.
يحتدّ الأوّل:
ـ أين وجدتها ؟
الثّاني:
ـ بالـمزبلة.
ـ ومن دلّك عليها ؟
ـ لست أدري !
ـ يا ناكر الجميل والفضل !
ـ لقد وجدتها بالـمدينة !
ـ ولكنّها ليست مدينتك.
ـ وكذلك هي ليست مدينتك أيضا.
ـ وكذلك الكرتونة...
ـ إنّها ملكي ما دامت في حوزتي.
ـ كيف ذلك وأنا الذي وجدتها ؟
ـ أنت رأيتها فقط.
ـ ولكنّي قد التقطتها بنفسي.
ـ كان بوسعي أن ألتقطها من الـمزبلة قبلك. يجب أن لا تنسى على أيّة حال أنّ الذي دلّك عليها هو أنا.
ـ هي ملكي وتحت تصرّفي.
ـ بل هي لي، ولا تحاول الإنكار.
ـ إنّها لي وكفى ثرثرة...
لقد حدث الخلاف... حدث ذلك لأنّهما كانا كذلك، وكذلك كانا اثنين، والكرتونة كرتونة واحدة... هما لـم يمشيا ولـم يتقّدما ولو خطوة واحدة ولكنّ أصواتهما قد بلغت حدّا من الارتفاع وسوء النّيّة. ولذلك تخطّتْ نصيبا هائلا من الطّريق، وبلغت الأصوات آذان الذين لـم تكن لهم البتّة أيّة رغبة في الاستماع إلى مثل هذا الحوار البغيض، وخاصّة في ساعة متأخّرة من ليل كهذا اللّيل الذي لا يمكن فيه لِمُوسِرٍ أن يطلّ برأسه من نافذة شرفته.
النّاس نيام في مخادعهم كالجراد، كالقنافد، كالطّيور الوحشيّة...
هم نيام فحسب، واثنان من نفس فصيلتهم وجنسهم يتخبّطان من أجل قطعة من الكرتون، قد تكون الكرتونة كرتونة تعيسة ذات حظّ تعيس بحكم وجودها بين كائنين اثنين متعفّرين...
وهي لذلك تحمل في أعماقها يأسا وشظايا شجار يتهاطل عليها كتهاطل الذّباب على قطعة حلوى...
ـ دعني أراقب أضلعها !
ـ إنّها سليمة، وإن لم تكن سليمة فهي في حوزتي، وهي لذلك لي.
ـ دعك من العجرفة ومن دواعي الحوز بالقوّة. لقد وجدناها معا ومن واجبك أن ترضخ لهذا الوضع...
ـ أنا مصرّ على أنّها لي ما دامت بيدي.
ـ أيّها الوقح... إنّك كالقرد الجائع الذي يظفر بقطعة من الـموز الفارغ...
ـ هذا الأمر لا يعنيني، ما دُمت أرغب أن تتركني وشأني.
ـ والكرتونة ؟
ـ كرتونتي !
ـ حسبما يبدو لا ينفع معك النّقاش !
ـ إنّك تجادل جلمود صخر حطّه السّيل من عَل( ).
ـ سأسعفك بلكمة على الأضراس تسمعك قرع الأجراس.
ـ الـمهمّ أن تبقى الكرتونة بيدي.
ـ ألا تعود إلى رشدك ؟
ـ سوف نعود إليه معا !
ـ ألا تتوب ؟ ألم نجدها معا ؟
ـ كلاّ إنّها لي وكفى !
ـ إنّها لي... لي أنا فقط...
واشتبكا بالأيدي، والكرتونة بينهما. وبات حوارهما مسدودا كطريق مقطوعة. وكذلك أزعجت أصواتهما هؤلاء الذين لم يتفطّنوا إليهم وباتوا نياما حتّى مطلع الصّبح، دون أن يشعروا أنّ هنالك وسط نومهم من يتصارع من أجل قطعة من الكرتون، فقد تعوّدوا على شجار ذي حجم ثقيل.
ـ ماذا ستفعل بها ؟
ـ سأقلبها وأنام عليها حتّى الفجر.
ـ وأنا هل أظلّ أراقبك حتّى الفجر ؟
ـ هذا أمر لا يهمّني، ألا تستطيع النّوم على الحشيش...؟
ـ لـماذا لا تنام أنت على الحشيش وقد تعوّدت على ذلك ؟
ـ هذه الكرتونة التي تريد النّوم عليها ملكي أنا.
ـ لـماذا لا ننام عليها معا ونحسم النّزاع.
ـ هذا ليس في مصلحتي.
ـ أتخشاني ؟
ـ كلاّ... وكيف أخشاك وقد سبق لي أن نمت مع الكلاب... ولكنّي لا أرغب أن تكون شريكي... وتقاسمني إيّاها.
ـ ألا تترك لي حتّى ربع كرتونة ؟
ـ حسنا سنتفاهم الآن بالأمور غير الدّيبلوماسيّة.
هما كجرداتيْن تقاتلا وسط ليل حقير ولأجل أمر لا يمكن أن نسند إليه أيّ معنى من الـمعاني الجسيمة... جرادة خدشت أختها الجرادة خدشة خفيفة أخفّ من أغنية خنفوسيّة( ) إلاّ أنّ الأمر تصاعد كدخان خزّان مصنع صابون... دخان كثيف ككثافة سكّان العالم المحتشد في الظّلمة وطمأنينة مؤقّتة... ولأجل خدشة خفيفة قامت الجرادة الجريحة فقتلت أختها الجرادة... ولأجل خدشة خفيفة هوى جبل سامق... ولأجل رصاصة صغيرة قتل إنسان... ولأجل كرتونة استيقظ الرّبّ فجأة وأطلّ من مخدعه على أبنائه، وكذلك استيقظ الحيّ برمّته بصبيته وقططه وكلابه ومحاميه وحكّامه وقضاته ورجال أعماله وخَدَمهم ومعاونيهم ومساعديهم... كلّهم استيقظوا لـمشاهدة مشادّة عنيفة تحدث في حيّ ليس بحيّهما، وفي جانب من الطّريق ليس بطريقهما، وفي مدينة غاطسة في ظلـمة النّوم كقطعة فحم، والـمدينة بدورها ليست مدينتهما... ولأجل قطعة من الكرتون تطاير البصاق حول الوجوه وطارت من الأفواه بذاءات... تزعج النّسوة اللّواتي عطسن وغِبْنَ تحت ثقل أجساد أزواجهنّ وغير أزواجهنّ... لأجل قطعة من الكرتون قد تسيل قطرات من الدّماء الـمخشوبة...
هما اثنان، والكرتونة كرتونة واحدة...
وبعد جدال ولكم وشتم وسبّ ولطم غدت الكرتونة كرتونات والرّجلان رجالا...
ووسط الطّريق بانت وجوه شاحبة كاللّيل وقطع من الحروف الإفرنجيّة كاملة أو مبتورة... وفوق الشّرفات بانت رؤوس منتوفة الرّيش كالدّجاج الـمسلوخ، تطلّ بأعناقها على هذا العالـم الغريب، حيث اصطدم هيكلان بشريّان في جدار من الشّجار...
هم يطلّون من خلال ثقوب ثَقَبُوها في بيوتهم ليطلّوا بأذيالهم على أحوال عالـم خارجيّ مقيت، ليرسموا كلـمات مستقيمة كاستقامة ظلّ غصن معوّج...
ـ لقد أقلقوا راحتنا، يجب أن نستدعي رجال الشّرطة..
.






"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."