محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الْإسلَام بين التَّأَسْلُم والْإسلَامَانِيَّة
«اعتبار الإسلام السبب المحدِّد أو المهـيمن في كل الظواهر الثقافية [المرتبطة بحياة المسلمين] أمر لا يَقِلُّ في تعسفه عن اعتبار الدين المعيش مجرد انعكاس للبنيات الاقتصادية والاجتماعية » (بيير بورديو، اجتماعيات الجزائر، ص. 96)
كان "الإسلام" ولا يزال (وسيبقى بالتأكيد) أحد المكونات الأساسية في صيرورة العالم، وذالكـ منذ أواسط القرن السابع بعد ميلاد المسيح. وإذا كان هناكـ بعض الناس، حتى بين المسلمين أنفسهم، ممن يجدون صعوبة في الاعتراف بهذا، فيكفي التذكير (والتذكر) بأن "الإسلام" ابتدأ دعوة دينية بأم القرى العربية (مكة) في نهاية العقد الأول من القرن السابع (610 م) وما لبث أن شمل شبه الجزيرة العربية كلها وأطل على حدود الصين شرقا وعلى حدود فرنسا غربا. وكل هذا تم بعد قرن واحد فقط من قيامه. وبقي "الإسلام" يتوسع ويترسخ على كل المستويات إلى أن صار "حضارة عالمية" (وفق تعبير مارشال هودسون) امتدت مهيمنة إلى حدود نهاية القرن السابع عشر الميلادي (حصار فيينا الثاني في 1683). ونتيجة لهذه القرون من التوسع والتجذر، صار "الإسلام" أحد أكبر الأديان الحضارية في العالم المعاصر، إذ يبلغ أتباعه اليوم أكثر من مليار ونصف، يتوزعون على كل القارات ويوجدون تقريبا في كل دول العالم المعاصر. ولهذا يكفي الآن، في بداية القرن الحادي والعشرين (بعد أربعة عشر قرنا)، أن تكتب كلمة "إسلام" (بالحروف اللاتينية « islam ») في محركـ البحث "ﮔُﻭﮔَﻝْ" على الشبكة العالمية للتواصل الحاسوبي لترى أنه يأتي في المرتبة الأولى (أكثر من مئة مليون تردد لـ"الإسلام" مقابل حوالي خمسين مليون تردد لـ"المسيحية") متقدما جدا على كل الديانات الكبرى (النصرانية، البرهمانية، البوذية، اليهودية).
لا شكـ أن هذا يمثل مصدر اعتزاز وفخر لدى كثير من المسلمين في العالم. لاكنه يعد، في الوقت نفسه، باعثا على القلق والانزعاج لدى غيرهم (من الخصوم والمنافسين والأعداء). وإنه لمن حق المسلمين في العالم أن يعتزوا بدينهم ويفخروا بتاريخهم الحضاري. ولاكن من حق غيرهم أن يقلق وينزعج من حضور "الإسلام" كقوة فاعلة ومؤثرة في العالم المعاصر، خصوصا حينما لا تكون دائما هذه القوة فاعلة ومؤثرة بشكل إيجابي (على الأقل بالنسبة للغير). تُرَى، كيف يُعْرَضُ (و، من ثم، يُفْرَضُ و، بالتالي، يعارض ويعترض) الْإسلَام ؟ وكيف ينبغي أن ينظر إليه، بعيدا عن الطرق الشائعة في العرض والتقديم (من اعتقادانية وثوقية وانتقادانية جذرية) ؟
إن من ﭐلْحِكَمِ ﭐلْجارية على الألسن والعالقة بالأذهان قولهم "إن من الشعر لَحكمة" (أو "إن من البيان لسحرا") و"إن الفتنة أشد من القتل". والمشتركـ الخفي بين هذه الحكم أن للكلام، في مقامات مخصوصة وضمن بعض الشروط، سطوةً وقوةً تجعله شديد النفاذ بالغ التأثيـر، إلى حد قد تكون مجرد التسمية سُمُوًّا يرقى بالدني مراتب ويُوجِد المعدوم اللذي لم يكن شيئا، وإلى حد قد يصير البيان سحرا مسلطا على المشاعر آخذا بزمام النفوس، وقد يصبح الوصف وَصْمًا جارحا وعارا لصيقا، فتكون بذالكـ فتنة الكلام أشد وأكبر من القتل نفسه. ومن أجل هذا يحق لِلِّسان العربي، وهو اللسان القرونِي سليل ألسنِ كُبْرَى الحضارات الإنسانية ﭐلْمُؤَسِّسَة، أن يكون جديرا باهتمام المتأمل وعناية الدارس لَمَّا يكون لفظ "الكلام" فيه دالا بأصله على "ﭐلْجَرْحِ وشدة التأثير المحسوس" ويسمى فيه "المجروح والمصاب" مَكْلُومًا (يقال "ﭐللِّسَانُ كَالِمٌ"، لِأنه جارحة من جوارح ﭐلْإنسان، وجرى قول الشاعر "وَجَرْحُ ﭐللسان كجرح ﭐليد" وقولُ آخَرَ "جِرَاحَاتُ ﭐلسِّنَانِ لَهَا ﭐلْتِئَامُ|وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ ﭐللِّسَانُ").
ولعل من أشد المفارقات، الآخذة في التفاحش منذ عقود، أن يصيـر "الإسلام" ولغته العربية ("الإعرابية"، أي المُبِينة) موضوعا للتلبيس العفوي حينًا والمقصود أحيانا أخرى. فـ"الإسلام"، القائم في أصله كاعتقاد إيماني وأخلاق عملية تحت شعار "التسليم" و"السلام"، قد صار متهما بالتشغيب وموصوما بالترهيب ومدعوا إلى الاستسلام. وأما العربية الفصحى، فقد أصبحت لغة جامعة للتعقيد، مليئة باللغو، بعيدة عن التبليغ. ومن ثم فإن اللذين يُسَمَّون، بل ينعتون، بـ"المسلمين" و"العرب" يُنظر إليهم كاستثناء نموذجي بين العالمين من حيث هم مثيرون للشغب، محرضون على العنف، مرتكبون لجرائم "الإرهاب"، عديمو الفهم، قليلو العمل، سيئو الأخلاق، راضون بالهوان، و وَلُوعُونَ بالتسلط والاستبداد. وإجمالا، فلا شيء له صلة بـ"الإسلام" و"المسلمين" أو بـ"العربية" و"العرب" إلا وهو موضوع للارتياب والتشهير والاتهام من طرف أناس- منهم المسلم والعربي، ومنهم اليهودي والنصراني، ومنهم الملحد والعدمي، ومنهم الهاوي المرتزق ومنهم المحترف المتخصص- صاروا يتعاطون، دوريا أو دوما، إنتاج الخطاب حول "منكرات" و"مثالب" و"تناقضات" الإسلام والمسلمين، والعربية والعرب ؛ وهو الخطاب اللذي يُجْتَهَدُ فِي ضمان مظاهر "الموضوعية" و"العقلانية" و"الشمولية" له. لَاكنه خطاب يبقى، في عمقه، نابعا من سوء نية أو طمع أو حسد، وقائما على السباب أو الهجاء أو السخرية. ومن النادر جدا أن تظفر، بهذا الخصوص، بخطاب تتوافر فيه ميزات النَّزاهة والتحقيق والدراية.
فما هي تجليات هذا التلبيس والتدليس ؟ وما هي أسبابه ﭐلْمُحَدِّدَة ؟ وكيف يُمكن تفاديه ؟
يَدَّعِي بعض الناس أن "الإسلام"، بالنسبة إلى شروط تكوُّنه وأصوله الاعتقادية والأخلاقية، ليس أكثر من "دين" للعرب ولَهُم هم وحدهم. لاكن إرادة التوسع الاقتصادي وﭐلْهيمنة السياسية جعلته يتحول إلى عقيدة ودعوة سياسيتين محددتين دنيويا وقائمتين على الإكراه والغزو. وما الفتوحات الإسلامية إلا التجسيد العملي لهذا التوجه/الانحراف الدنيوي في الإسلام.
ويرى بعضهم أن الإسلام، كاليهودية والمسيحية، لا يخرج عن إطار التراث القديـم المرتبط بالحضارات العتيقة، بحيث لا يصير ذا قيمة مناسبة إلا إذا خضع لمقتضيات الحداثة، أي "كدين في حدود ما يسمح به العقل المجرد". وبالتالي فإن تحديث الإسلام، على إثر ما تَم مع الإصلاح الديني وسيرورة "العلمنة" بأوروبا، يوجب تسويته على مقتضى "الدين الطبيعي" (مع فكرة الإلاه اللذي يحل في العالَم ولا يتعالى عليه) و"الأخلاق المدنية" (مع فكرة المسئولية الفردية أمام مقتضيات المجتمع المدني-اللَّادِيني).
وهكذا فإن "الإسلام" صار يُعْرَضُ (وَيُفْرَضُ، فكل عرض يُفْرَض بشكل أو بآخر، ليس بما هو مجرد "عرض"، وإنما لأنه يتم ضمن شروط محدِّدة هي نفسها اللتي تستلزم، من ثم، "معارضته" و"الاعتراض عليه") بصفته عدوا للعقل والحرية والمساواة، عدوا للتطور والحداثة والعَلْمانية، وعدوا للمرأة والأقليات والمواطنة. وبالجملة، فهو عدو للعدل والسلام والتقدم. إنه، إذًا، عدو الإنسانية بامتياز. وهذه هي الخلاصة الدفينة في نفوس كثير من الناس أو الخاضعة لكثير من التلوين والتهذيب عند بعضهم. ويضاف إلى هذا أن معظم اللذين يتناولون الإسلام من أخص أبنائه وممثليه يتحدثون عنه، في الغالب، دون تحديد : فـ"الإسلام" دين ودنيا، و"الإسلام" مصحف وسيف، و"الإسلام" عقيدة وشريعة، و"الإسلام" دين علمي-عقلاني ومدنِي. بإيجاز، فـ"الإسلام" عند هؤلاء هو "الحق" اللذي يجب أن يهيمن على كل حياة المسلم و، بالتالي، على كل الناس في هذا العالَم.
ونلاحظ هنا أن الأمر يتعلق بإرادة لحصر "الإسلام" بشكل مزدوج : حصره في حدود العقيدة الدينية والتوجه الأخلاقي المتعلقين بالذات الفردية، وحصره في حدود الاستجابة الروحية-الثقافية لشروط الفضاء الاجتماعي-التاريخي حيث ظهر وتكوَّن (أي المجتمع القبلي-البدوي في شبه الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي). وبالتالي، فكل الامتداد اللذي عرفه الإسلام فيما بعد محدد بالنسبة إلى شروط تاريخية وسياسية لا علاقة لها بـ"الدين" (الإسلامي).
غير أن هذا الحصر ليس بديهيا ولا ضروريا. فأهم الأديان قبل "الإسلام" بدأت "عقيدة" و"أخلاقا"، وانتهت قوة سياسية واجتماعية متوسعة ومسيطرة عبر العالم (قارن : اليهودية، البوذية، النصرانية) ؛ فتجاوزت، من ثم، الإطار القومي والتاريخي-الاجتماعي إلى أفق إقليمي أو عالمي-إنساني. ومن السخف إرادة إجراء نوع من الحصر على "الإسلام" وحده، حتى لو كان هذا الحصر مستندا إلى الصيْرُورَة العلمانية اللتي فصلت حديثا، في الغرب الأوروبي والأمريكي بالخصوص، بين سلطان الكنيسة الزمني والمجتمع المدني-السياسي، لأن هذه الصيرورة نفسها حصر أفقي مشروط بنيويا وتاريخيا لم يغير شيئا من العمق الروحي والثقافي ومن التأثير السياسي والاقتصادي، على المستوى العالمي، لكل من "المسيحية" و"اليهودية" و"البوذية". كما نلاحظ أن هذا الحصر يستند إلى مفهوم اختزالي للدين يجعله اعتقادا غير مُحَقَّقٍ وخلقا غير عملي، بحيث تَفْضُلُهُ السياسة والعلم كليهما، من جهة كون الأولى أخلاقا إنجازية وواقعية وكون الثاني اعتقادا مُحَقَّقًا. لاكن "الدين"، على الأقل في صورته المثلى (الكاملة)، كان ولا يزال اعتقادا وخلقا مزدوجين بالعمل وقائمين على التحقيق.
ثم إن ضرورة التحديث لا تَـنْزِل بنفس المقتضى على كل الأديان، لأنه على الرغم من أن "اليهودية" و"النصرانية" و"الإسلام" كلها أديان تنتمي إلى نفس التراث الثقافي واللغوي المتعلق بفضاء الشرق الأوسط والأدنَى (أي بلاد الرافدين والشام وشبه الجزيرة العربية ومصر : إذ أن الأب الروحي لهذه الأديان، اللذي هو إبراهيم، من بلاد الرافدين وعاش متـنقلا بين سوريا وفلسطين والأردن حاليا وشبه الجزيرة العربية ومصر بين القرنين 20 ق.م و 19 ق.م، وفكرة التوحيد عرفت في بلاد الرافدين وفي مصر قبل هذه الفترة بقرون ؛ ثم إن التوراة العبرية والإنجيل الآرامي والقرآن العربي كُتُبٌ تنهل لغاتُها من اللغات الأسيوية-الأفريقية كالأكادية، الكنعانية والمصرية)، فإنها تظل ثلاثة أنساق دينية متباينة من حيث توجهاتُها التاريخية-السياسية : فـ"اليهودية" تشكلت بين القرن 12 ق.م والقرن 3 ق.م وكانت وبقيت دينا قوميا، بل "عنصريا"، خاصا ببني إسرائيل ؛ في حين تكونت المسيحية بين القرن الأول والقرن الثالث بعد ميلاد المسيح، وبدل أن تكون تجديدا في "اليهودية" صارت تَهَوُّدًا متنكرا يواصل "اليهودية" ويَمُدُّهَا إلى غير اليهود ؛ أما "الإسلام" فتشكل في عمقه الديني بين 610 و641 ب.م وكان تجديدا وتكميلًا للتراث الديني-التوحيدي كما مَثَّله كبار الأنبياء والرسل (خاصة آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى) ونقدا للانحرافات اليهودية والنصرانية على سواءٍ. ومن هنا فإن التحديث/التجديد بالنسبة لليهودية والنصرانية ليس، من الناحيتين التاريخية والمنطقية، سوى التجديد الإسلامي، وليس التحديث بالنسبة لـ"الإسلام" إلا التسليم/الإسلام نفسه (التحقيق/التحقق الفعلي لرسالة الإسلام).
وهكذا، فليس هناكـ سوى ثلاثة أسباب مُحَدِّدة للوضع المعاصر اللذي يوجد فيه "الإسلام" : حيويته كـ"دين" متجدد ودعوة عقدية ؛ الأهمية السترجية اللتي يحتلها الفضاء الإسلامي داخل العالم (من أندونيسيا إلى المغرب) ؛ تراجع التخصص العلمي في دراسة "الإسلام" لصالح الاهتمام الاستعراضي والاستسهالِي اللذي يمكن أن يأتيه أي مُتَقَوِّل. وإذا أضيف إلى هذا سوء الفهم المكرس في الغرب عن "الإسلام" وسوء النية المعزز لدى معظم الأوساط المهتمة به، فإنه يتكون لدينا التشكل الحقيقي لمجموع ما تراكم عبر عقود من تدليس وتلبيس باسم الإسلام والمسلمين.
لذالكـ، فإن الإسلام يتحدد، في الواقع، كـ"عامل مُركَّب" (ديني-ثقافي-حضاري-تاريخي) إلى جانب عوامل أخرى في العالم (بعضها "طبيعي-بشري" وبعضها "ديني-ثقافي-حضاري-تاريخي"، وهما معا يتعينان فيما يسمى "علميا-تقنيا-اقتصاديا-اجتماعيا-سياسيا"). ومن هنا، فإنه من الخطإ الحديث عن "الإسلام" كـ"عامل ديني" (مجرد عن كل شوائب هذا العالم، أي "خالص" تماما)، وكذا الحديث عنه بصفته "السبب المحدِّد" (السبب الأساسي والمهيمن) لكل ما يجري في حياة المسلمين. ويترتب على ذالكـ، من جهة، أن "الإسلام" (بما هو "دين"، أي اعتقادات وشعائر وقيم) لا يوجد "خالصا"، وإنما يوجد ضمن مختلف شروط هذا العالم اللتي تُحَدِّدُ (وتَحُدُّ) حياة الإنسان المسلم، وهي الشروط اللتي تتعين كـ"سنن إلاهية" (طبيعية-بشرية و، من ثم، اجتماعية وتاريخية) لا تقبل "تبديلا ولا تحويلا" ؛ ويترتب عليه، من جهة أخرى، أن "الإسلام" لا يوجد وحده في العالم، فلقد وجد ولا يزال في محيط من "الملل" و"النحل" اللتي قاسمته وما زالت تقاسمه، بهذا القدر أو ذاكـ، التأثير في صيرورة العالم الإنساني (يكفي أن نعرف أن المسلمين الآن لا يمثلون سوى خُمُس البشرية وأنهم -في معظمهم- "متخلفون" واقعيا بالمقارنة مع أصحاب "الملل" و"النحل" الأخرى من نصارى وصينيين ويابانيين وهنود ويهود). وبفعل تجاهل هاذين الأمرين، فإن هناكـ كثيرا من التلبيس والتدليس اللذي تتم ممارسته من كل الأطراف بخصوص "الإسلام" والمسلمين" في العالم اليوم. ويمكننا أن نتبين ذالكـ في الكيفية اللتي يعرض بها "الإسلام" إما كـ"تظاهر ونفاق" يطبع سلوكـات أتباعه في التزامهم الشكلي بـ"مظاهر الإسلام" (صلاة، صيام، لحية، حجاب) وابتعادهم عن "روحه" (إخلاص النية والإحسان في الأعمال) لافتقادهم الأسباب الفعلية اللتي تجعلهم "مسلمين حقيقيين" وتخرج بهم (أو تبعدهم) عن حال "المسلم الزائف" كما يتمثل في الإنسان العادي (عامة المسلمين). ولهذا، فليس "الإسلام" في الواقع (بالنسبة لكثير من محترفي الخطاب حول "الإسلام") سوى "تأسلم" (تظاهر بـ"الإسلام" أو ادعاء له يخفي حقيقة الواقع الدنيوي)، هو السبب في كل المصائب اللتي يعانيها المسلمون أنفسهم (تواكل وقدرية، تنازع وفرقة، تخلف ورجعية) ويصطلي بنارها جيرانهم وشركاؤهم في العالم (كراهية وعداء، عنف و"إرهاب")، أو أنه "إسلامانية" تتحدد كـ"مبالغة في تقدير قيمة وفضل الإسلام" تنتهي إلى "نزوع نحو الغلو والتطرف" باعتبار "الإسلام" يمثل "حقا صريحا" (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، فهو "الدين الكامل" و"الدين الخاتم" و"الدين الفصل" اللذي أتى بـ"الحق" (البَيِّن والنهائي) في كل شيء، مما يجعل "المسلم" (كل مسلم) على حق (دائما) وغيره على باطل (ما دام "غير المسلم"، في نظر معظم المسلمين، صفة لكل من هو على غير "دين الإسلام" اللذي هو "دين الحق")، ومما يستلزم "البراءة" من كل ما ليس "إسلاميا" بالدعوة إلى "الإسلامانية" (كنزعة إلى اعتبار "الإسلام"، بما هو معيش فعلي في حياة المسلمين، حقا مطلقا ونهائيا).
ومهما يبدُ من تباين بين هاتين الطريقتين في عرض "الإسلام" (إما كـ"تأسلم" وإما كـ"إسلامانية")، فإنهما تجتمعان في النظر إلى "الإسلام" على نحو غير واقعي، يفصله تماما عن شروط تكوُّنه واشتغاله، وهي الشروط اللتي تحدده كـ"صيرورة" محكومة بظروف الإنسان اللذي يحمل "الإسلام" (أو يتحمله). فلا أحد يُولَد منافقا أو متطرفا، ولا أحد يبقى كذالكـ من دون سبب إلى الأبد. فـ"الإسلام الزائف" (التأسلم) له محدداته اللتي تجعله ممكنا و، بالتالي، ضروريا (الضرورة كما يعيشها الناس في الواقع الفعلي) ؛ و"الإسلام المتطرف" (الإسلامانية) له أسبابه اللتي تتحكم في تجذره وقيامه وتجعل للناس مصلحة في ممارسته والتزامه. ولهذا، فإن كل اللذين لا يرون (أو لا يرتأون) من "الإسلام" (كممارسة دينية وثقافية) سوى الوجه السَّلبي (القائم فعليا إما كتظاهر ونفاق وإما كتطرف وغلو، تتوزع بينهما، في معظم الأحيان، حياة "المسلم" كإنسان تقليدي ومحافظ أو متزمت ورجعي)، ربما لا يريدون منه إلا ذالكـ الوجه اللذي يجعله يؤكد (سلبيا أو إيجابيا) قناعاتهم الخاصة ونمط حياتهم الخاص. وكم هناكـ، بالتأكيد، من الناس في العالم اليوم (حتى بين المسلمين أنفسهم) من يجدون، لأسباب محددة يجهلونها بحق أو يتجاهلونها بحمق، أن "الإسلام" ليس سوى ذالكـ الوجه اللذي يكون به متعارضا بشكل جذري مع ما يسمى (بالمعنى المزدوج للتسمية كـ"وَسْم" و"سُمُوّ") "الحداثة"، كما لو أن "الإسلام" (كسيرورة تاريخية واجتماعية) لم يكن له أدنى تعلق (بالمعنى الإيجابي) بما صارت إليه البشرية في العصور الحديثة.
لاكن رغم كل هذه الأشكال من التلبيس والتدليس اللتي ما فتئت تمارس، فإن التحقيق العلمي يقود بلا شكـ إلى تأكيد أن "الإسلام" (كـ"دين" و"ثقافة") كان ولا يزال (وسيبقى لا محالة) أحد أهم العوامل في صيرورة هذا العالم البشري. وإذا كان كثير من الناس في العالم اليوم لا يرون في "الإسلام" بهذا الصدد سوى "عامل سلبي" أسهم (ويسهم) على نحو نقيضي في تطور التاريخ الإنساني، فإن السبب لا يتعلق فقط بما يرتبط بـ"الإسلام" من مظاهر سلبية (أبرزها التزمت والتطرف)، وإلا لكان في هذا، على الأقل، مثله كمثل كل "الملل" و"النحل" الأخرى في العالم، وإنما يرجع السبب بالأساس إلى حضور "الإسلام" فعليا في قلب العالم المعاصر كقوة حيوية ثقافيا وسياسيا وحضاريا، خصوصا من خلال مد الانبعاث الزاحف منذ عقود والقائم كأحد أسباب المقاومة المناهضة لأشكال السيطرة الممارسة (ليس فقط محليا، وإنما أيضا إقليميا وعالميا) من طرف تيارات ومذاهب تعلن (أو تخفي) تعارضها مع "الإسلام" إلى هذا الحد أو ذاكـ .
وهكذا، فإن "الإسلام"، اللذي فرضت صورته الآن في العالم بصفته "غُولًا" (وليس فقط شبحا) يهدد سير البشرية في سعيها نحو بناء أو ترسيخ قيم "الحرية" و"العدل" و"السلم"، ليس في الواقع سوى "حصيلة" اجتماعية وثقافية ناتجة عن ظروف معينة تتعلق بهذا العالم في ماضيه وحاضره، وترتبط خصوصا بالشروط المحدِّدة فعليا لأشكال وطرق اكتساب واستعمال "الإسلام" بحيث يكون إما "تأسلما" يتظاهر بتمثيل "روح الدين/الإسلام" وإما "إسلامانية" تدعي تجسيد "حقيقة الدين/الإسلام" باعتباره "الدين الحق". فـ"الإسلام" إذًا يتحدد كـ"نتاج طبيعي" ضمن مجموع الشروط اللتي تحكم وضع الإنسان في هذا العالم في خضوعه لجملة من "السنن" اللتي لا يملكـ "المسلم" إزاءها، هو أيضا، أي خيار آخر سوى الخضوع لها. ولعل هذا الخضوع هو نفسه اللذي يمثل، بحق، حقيقة دين "الإسلام". فإمكان الفعل الإنساني محدد بشروط هذا العالم، مما يجعل كل سعي لتجاهلها أو إنكارها خروجا على "السنن الطبيعية"، خروج لا يصح معه قيام "الدين/الإسلام" اللذي يعد في أصله خضوعا لرب العالمين، قيُّوم السماوات والأرض، اللذي إليه يرجع الأمر كله واللذي ما أرسل محمدا (صلى اللاه عليه وسلم) إلا رحمة للعالمين، رحمة تتجسد في "شريعة" قائمة على أصول بَيِّنة : "لا إكراه في الدين" و"إن اللاه يأمر بالعدل والإحسان" و"المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" و"إنما الدين المعاملة". بيد أن هذا الوجه من "الإسلام" هو آخر ما يمكن أن يرتضيه أهل التلبيس والتدليس من جميع الأطراف. ومن المؤسف أن معظم المسلمين يعيشون أحوالا قرونية تجعلهم مَيَّالين إلى ذالكـ الوجه الآخر من "الإسلام" اللذي يمثل حضوره كعامل سلبي أو نقيض في المسيرة الإنسانية. لهذا فإنه حري جدا بالمسلم المعاصر أن ينخرط في السيرورة الحقيقية لمعرفة "السنن" الإلاهية اللتي تحكم العالم الطبيعي والبشري، لأن هذا الانخراط هو وحده الكفيل بجعل "الإسلام" يتوافق مع "روح العالم" فيصير، من ثم، إحدى القوى الفاعلة فيه بشكل إيجابي، عكس ما أريد ويراد له تماما.
|