المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
متاهات الترجمة العربية

 
 
 
   « وَلَا بُدَّ لِلتَّرْجُمَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ فِي نَفْسِ ﭐلتَّرْجَمَةِ فِي وَزْنِ عِلْمِهِ فِي نَـفْسِ ﭐلْمَعْرِفَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ ﭐلنَّاسِ بِـﭑللُّغَةِ ﭐلْمَنْقُولَةِ وَﭐلْمَنْقُولِ إِليْهَا، حَتَّى يَكُونَ فِيهِمَا سَوَاءً وَغَايَةً » (ﭐلْجَاحِظُ، ﭐلْحَيَوَانُ، ج. I)
 
   يَـبْدُو ﭐلْحَدِيثُ عَنِ ﭐلتَّرْجَمَةِ –فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ- مَحْفُوفًا بِـﭑنْحِرَافَاتٍ كَثِيـرَةٍ، أَهَمُّهَا ﭐعْتِبَارُ عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ ﭐلْخِطَابِ فِي ﭐلنَّظَرِيَّةِ وَﭐلْمَنْهَجِ ﭐلْوَاجِبَةِ مَعْرِفَتُهُمَا لِلْقِيَامِ بِـﭑلتَّرْجَمَةِ، ثُمَّ وُجُودُ نَوْعٍ مِنَ ﭐلْإِصْرَارِ، حَتَّى عِنْدَ كَثِيـرٍ مِنَ ﭐلْمُخْتَصِّيـنَ، عَلَى ﭐلْمُرَادَفَةِ بَيْنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَﭐلتَّعْرِيبِ، بَلْ ﭐلْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمَا لِصَالِحِ ﭐلْأَخِيـرِ.
   إِنَّهُ لَمِنْ سُوءِ ﭐلْفَهْمِ ﭐلْوَاضِحِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ﭐلْخَلْطُ بَيْنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَﭐلتَّعْرِيبِ، لِأَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ –بِمَا هِيَ نَقْلٌ لِمَا عُبِّرَ عَنْهُ فِي لِسَانٍ مَا إِلَى لِسَانٍ آخَرَ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِهَذَا ﭐلْقَدْرِ أَوْ ذَاكَـ- لَا تَخُصُّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ وَحْدَهُ ؛ فِي حِيـنٍ أَنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ عَمَلٌ يَنْطَلِقُ مِنْ لِسَانِ ﭐلْعَرَبِ وَيَنْـتَهِي إِلَيْهِ، فُهَوَ عُمُومًا تَفْعِيلٌ عَلَى جِهَةِ تَوْسِيعِ وَتَعْمِيقِ ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْقَوْمِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا آلِيَّةٌ مِنْ آلِيَّاتِ تَفَاعُلِ هَذَا ﭐللِّسَانِ مَعَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُخْرَى ؛ حَيْثُ إِنَّ تَعَذُّرَ ﭐلنَّقْلِ ﭐلتَّرْجَمِيِّ وَفْقَ بِنْيَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ ﭐلِاشْتِقَاقِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ يُوجِبُ ﭐلِاكْتِفَاءَ بِـﭐلتَّعْرِيبِ، أَيْ نَقْلَ ﭐلْكَلِمَاتِ ﭐلْأَعْجَمِيَّةِ بِصُورَتِهَا ﭐلصَّرْفِيَّةِ ﭐلْأَصْلِيَّةِ مَعَ نَوْعٍ مِنْ ﭐلْإِبْدَالِ فِيهَا يَكْفُلُ لَهَا ﭐلِانْدِمَاجَ فِي نَسَقِ ﭐللِّسَانِ وَأَدَاءِ ﭐلدَّلَالَةِ ﭐلْمَقْصُودَةِكَمَا هُوَ ﭐلْأَمْرُ فِي ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُخْرَى. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ ﭐلْكُلِّيَّ أَعَمُّ مِنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ، وَلَا شَيْءَ يَسْمَحُ بِتَذْوِيبِ عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ فِي ﭐلتَّعْرِيبِ ﭐلْجُزْئِيِّ وَإِلَّا تَحَوَّلَ ﭐلتَّعْرِيبُ إِلَى تَعْجِيمٍ يُغَيِّرُ، مِنْ دُونِ وَعْيٍ، بِنْيَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلصَّرْفِيَّةَ وَﭐلتَّرْكِيـبِيَّةَ وَﭐلدَّلَالِيَّةَ. وَقَدْ يَكُونُ مِنَ ﭐلْمُفِيدِ ﭐلِانْتِبَاهُ، مَثَلًا، إِلَى أَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ عَمَلٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ عِنْدَ ﭐلْفَرَنْسِيِّيـنَ وَﭐلْإِ نْجليزِ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يُسَمِّي ﭐلتَّرْجَمَةَ فَرْنَسَةً أَوْ ﮔـﻟـْـنَـزَةً، لِأَنَّهُ مِنَ ﭐلسُّخْفِ ﭐسْتِعْمَالُ ﭐللِّسَانِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ لِلْمُسَاجَلَةِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ أَوِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ أَوِ ﭐلسِّيَاسِيَّةِ بَدَلًا مِنَ ﭐلْخُضُوعِ لِلْمُقْتَضَيَاتِ ﭐلتَّرْجَمِيَّةِ فِي عَلَاقَتِهَا بِـﭑلشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ ﭐللَّتِي تُقَوِّمُ ﭐسْتِعْمَالَ ﭐللُّغَةِ.
إِنَّ ﭐلْمُتَكَلِّمَ يُمَارِسُ فَنَّ ﭐلْقَوْلِ بِوَاسِطَةِ لِسَانٍ طَبِيعِيٍّ لِيُعَبِّرَ عَنْ مَقَاصِدِهِ ﭐلتَّخَاطُبِيَّةِ. وَفَنُّ ﭐلْقَوْلِ هَذَا هُوَ ﭐللَّذِي يُمَارِسُهُ ﭐلْكَاتِبُ فِي مُسْتَوًى آخَرَ هُوَ فَنُّ ﭐلْكِتَابَةِ. وَمِنَ ﭐلْمُسَلَّمِ أَنَّ تَعَدُّدَ ﭐلْأَلْسُنِ لَا يَدُلُّ فَقَطْ عَلَى أَنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐصْطِلَاحٌ تَارِيـخِيٌّ لَا يَخْلُو مِنَ ﭐلِاعْتِبَاطِيَّةِ، بَلْ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَجْرِبَةَ ﭐلنَّاسِ ﭐلْمَعِيشَةَ مُتَوَزَّعَةٌ وُمُتَنَاقَلَةٌ عَبْرَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْمُخْتَلِفَةِ. وَمِنَ ﭐلْمُسَلَّمِ، كَذَالِكَـ، أَنَّ ﭐلْجَمَاعَاتِ ﭐلْبَشَرِيَّةَ تَـتَبَادَلُ وَتَـتَنَاقَلُ ﭐلْخَيْرَاتِ ﭐلْمَادِّيَّةَ وَﭐلثَّقَافِيَّةَ، مِمَّا يَضْطَرُّهَا إِلَى ﭐلتَّفَاعُلِ وَﭐلتَّعَارُفِ. وَمِنَ ﭐلْبَيِّنِ أَنَّهُ لَاشَيْءَ مِنْ هَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتِمَّ دُونَ ﭐلِاشْتِرَاكِـ فِي ﭐللُّغَةِ أَوْ إِمْكَانِ ﭐلنَّقْلِ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ آخَرَ. وَمِنْ هُنَا تَبْدُو ﭐلتَّرْجَمَةُ ضَرُورَةً لَصِيقَةً بِـﭑلْوَاقِعِ ﭐلْبَشَرِيِّ نَفْسِهِ.
   وَكَوْنُ ﭐلتَّرْجَمَةِ تَتِمُّ مِنْ لِسَانٍ إِلَى آخَرَ يَجْعَلُهَا، بِـﭑلتَّالِي، نَقْلًا يُغَايِرُ ﭐلِاسْتِنْسَاخَ، لِأَنَّ ﭐلْأَلْسُنَ مُتَبَايِنَةٌ صَوْتِيًّا وَصَرْفِيَّا وَتَرْكِيبِيًّا وَمُعْجَمِيًّا لِتَبَايُنِ ظُرُوفِ نَشْأَتِهَا وَشُرُوطِ تَدَاوُلِهَا ﭐلتَّارِيـخِيَّةِ وَﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ. فَـﭑلتَّرْجَمَةُ -إِذًا- نَقْلٌ، وَﭐلنَّقْلُ تَحْوِيلٌ وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيـرٌ. وَفِي هَذَا ﭐلْمَنْظُورِ، تَبْدُو ﭐلتَّرْجَمَةُ أَبْعَدَ تَمَامًا عَنِ ﭐلِاسْتِنْسَاخِ ﭐلْأَمِيـنِ لِمُعْطَيَاتٍ مُثْبَتَةٍ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي لِسَانٍ مُعَيَّنٍ يُتَدَاوَلُ بِمُحِيطٍ ثَقَافِيٍّ مُعَيَّنٍ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ، أَسَاسًا، بِنَقْلِ مَضَامِيـنَ ثَقَافِيَّةٍ مِنْ مَجَالٍ تَدَاوُلِيٍّ إِلَى مَجَالٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فَقَطْ نَقْلَ مَعَانٍ أَوْ فِكَرٍ مِنْ لِسَانٍ إِلَى آخَرَ. وَهَكَذَا فَإِنَّ تَبَايُنَ ﭐلْأَلْسُنِ وَﭐخْتِلَافَ شُرُوطِ ﭐلْإِنْتَاجِ وَﭐلتَّدَاوُلِ فِيهَا عَامِلَانِ رَئِيسَانِ يُحَدِّدَانِ ﭐلتَّرْجَمَةَ بِصِفَتِهَا نَقْلًا تَحْوِيلِيًّا يُغَايِرُ كُلِّيًّا ﭐلِاسْتِنْسَاخَ ﭐلتَّكْرِيرِيَّ ﭐللَّذِي يَسْتَعِيدُ،بِكُلِّ ثَمَنٍ، ﭐلصُّوَرَ وَﭐلْأَشْكَالَ عَلَى نَحْوٍ حَرْفِيٍّ فِي ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا أَمَانَةَ وَلَا حَرْفِيَّةَ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ مَا دَامَ ﭐلنَّقْلُ يُوجِبُ، عَلَى مُسْتَوى ﭐللُّغَةِ، تَحْوِيلًا تَرْتِيـبِيًّا لِلْعَنَاصِرِ ﭐللُّغَوِيَّةِ يَفْرِضُ، عَلَى مُسْتَوَى ﭐلتَّدَاوُلِ، تَبْدِيلًا تَرَاتُبِيًّا لِلْمَضَامِيـنِ ﭐلْفِكْرِيَّةِ. صَحِيحٌ أَنَّ ﭐلْأَوْهَامَ ﭐلْمُرْتَبِطَةَ بِـﭑلْأَمَانَةِ وَﭐلْحَرْفِيَّةِ لَزِجَةٌ إِلَى ﭐلْحَدِّ ﭐللَّذِي يَجْعَلُ نَفْيَ إِمْكَانِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْأَمِينَةِ وَﭐلْحَرْفِيَّةِ يُقَابَلُ بِـﭑلِاسْتِغْرَابِ مِنْ طَرَفِ كَثِيـرٍ مِنْ حُرَّاسِ ﭐلنَّهْجِ ﭐلْمُكَرَّسِ فِي ﭐلْعَمَلِ ﭐلتَّرْجَمِيِّ. وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ مِنْ سَبَبٍ يَقِفُ وَرَاءَ مِثْلِ هَذَا ﭐلِاسْتِغْرَابِ فَلَيْسَ سِوَى كَوْنِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ظَلَّتْ مُرْتَبِطَةً، عَلَى مُسْتَوَى ﭐلتَّصَوُّرِ وَﭐلْإِجْرَاءِ، بِـﭑلنُّصُوصِ ﭐلْمُقَدَّسَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ﭐلْمُؤْمِنِيـنَ يَرَوْنَ أَنَّ ﭐلنَّصَّ ﭐلْمُقَدَّسَ وَحْيٌ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ نَقْلُهُ وَتَرْجَمَتُهُ فِي لِسَانٍ آخَرَ غَيْرِ ﭐللِّسَانِ ﭐللَّذِي أُنْزِلَ بِهِ أَصْلًا. أَلَا تَرَى كَيْفَ أَنَّ ﭐلْمُسْلِمِيـنَ يَتَوَرَّعُونَ مِنَ ﭐلْحَدِيثِ عَنِ تَرْجَمَةِ ﭐلْقُرْآنِ وَيُفَضِّلُونَ، بِـﭑلتَّالِي، ﭐسْتِعْمَالَ عِبَارَةِ تَرْجَمَةِ مَعَانِي ﭐلْقُرْآنِ، كَأَنَّهُ فِي ﭐلْإِمْكَانِ أَصْلًا نَقْلُ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ﭐلْمَعَانِي فِي عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ! وَلَوْ كَانَ هُنَاكَـ دَلِيلٌ أَقْوَى عَلَى عَدَمِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْحَرْفِيَّةِ لَمَا كَانَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا ﭐلْخُضُوعِ نَفْسِهِ لِمُقْتَضَيَاتٍ غَيْرِ تَرْجَمِيَّةٍ تُلْزِمُ ﭐلْعَامِلَ فِي مَجَالِ ﭐلتَّرْجَمَةِ بِطَلَبِ ﭐلْوَسَائِلِ ﭐللَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنْ إِعَادَةِ خَلْقِ ﭐلنَّصِّ خَلْقًا أَصِيلًا وَكَامِلًا. وَلَيْتَ ﭐللَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يُؤْمِنُونَ بِـﭑلْأَمَانَةِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ يُدْرِكُونَ أَنَّ تَشَبُّثَهُمْ بِهَذَا ﭐلْوَهْمِ يَجْعَلُهُمْ أَدَلَّ عَلَى نَوْعِ ﭐلْعَقَبَاتِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐللَّتِي تَقِفُ دُونَ إِعْمَالِ ﭐلتَّرْجَمَةِ كَمَا يَجِبُ.
   إِنَّ كَوْنَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ غَيْرَ مُتَشَاكِلَةٍ وَلَا مُتَنَاظِرَةٍ مِنَ ﭐلنَّوَاحِي ﭐلتَّصْرِيفِيَّةِ وَﭐلتَّرْكِيبِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ لَا يَنْفِي تَسَاوِيَهَا وَتَكَافُؤَهَا مِنْ جِهَةِ إِمْكَانَاتِهَا فِي تَبْلِيغِ ﭐلْمَقَاصِدِ وَﭐلتَّوَسُّطِ فِي ﭐلتَّوْجِيهِ إِلَى ﭐلْفِعْلِ، كَمَا يَقْتَضِي ذَالِكَـ ﭐلتَّخَاطُبُ بَيْنَ مُسْتَعْمِلِيهَا وَضَرُورَةُ نَقْلِ ﭐلتَّجْرِبَةِ بَيْنَ ﭐلْمُتَكَلِّمِيـنَ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ، لَا يُوجَدُ، عَلَى مُسْتَوَى ﭐللُّغَةِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ، لِسَانٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَفْرِضَ سُلْطَانَهُ عَلَى ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ بِـﭑعْتِبَارِهِ ﭐللُّغَةَ ﭐلْأُمَّ أَوِ ﭐلْخَالِصَةَ أَوِ ﭐلْكَامِلَةَ. وَبِـﭑلتَّالِي، فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ، فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ، لِتَعْنِيفِ ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ لِيَتَطَابَقَ مَعَ صِيَغِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْمَنْقُولِ.
   وَبِفِعْلِ ﭐخْتِلَافِ ﭐلتَّكَوُّنِ ﭐلتَّارِيـخِيِّ لِلْأَلْسُنِ وَتَبَايُنِ ﭐلشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ ﭐلْمُحَدِّدَةِ لِبِنْيَاتِ وَوَظَائِفِ حُقُولِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِنَّ عَمَلَ ﭐلتَّرْجَمَةِ يَتَحَوَّلُ مِنَ ﭐلنَّقْلِ إِلَى ﭐلتَّقْرِيبِ، بِـﭑعْتِبَارِ أَنَّ هُنَاكَـ مَجَالَاتٍ تَدَاوُلِيَّةً مُخْتَلِفَةً مِنْ حَيْثُ آلِيَّاتُهَا ﭐللُّغَوِيَّةُ وَبِنْيَاتُهَا ﭐلْمَعْرِفِيَّةُ وَمَبَادِئُهُا ﭐلْعَقَدِيَّةُ، عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ ﭐلتَّرْجَمَةَ مِنْ لِسَانٍ مُعَيَّنٍ تَعْنِي نَقْلًا تَقْرِيـبِيًّا لِمَضَامِيـنَ فِكْرِيَّةٍ مِنْ مَجَالٍ تَدَاوُلِيٍّ إِلَى مَجَالٍ آخَرَ مُغَايِرٍلَهُ، بِهذا ﭐلْقَدْرِ أَوْ ذَاكَـ، فِي أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِهِ [1].
   وَأَنْ تَكُونَ ﭐلتَّرْجَمَةُ، بِـﭑلْأَسَاسِ، تَقْرِيـبًا تَدَاوُلِيًّا يَتَنَاوَلُ مَضَامِيـنَ فِكْرِيَّةً وَيُـبَدِّلُ- بِهَذَا ﭐلْقَدْرِ أَوْذَاكَـ- ﭐلْمَنْقُولَاتِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةَ بِـﭑلْمُقَارَنَةِ مَعَ أُصُولِهَا وَبِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، فَهَذَا يَجْعَلُهَا مُضَادَّةً صَرَاحَةً لِلِاسْتِنْسَاخِ ﭐللَّذِي يُعِيدُ وَيُكَرِّرُمَضَامِيـنَ وَمَبَانِيَ ﭐلْمَنْقُولِ فِي طَبِيعَتِهَا ﭐلْأَصْلِيَّةِ وَثَبَاتِهَا ﭐلْجَوْهَرِيِّ، لِأَنَّ ﭐلنَّقْلَ يَتِمُّ عَبْرَ وَسَائِطَ لَيْسَتْ لُغَوِيَّةً مَحْضَةً وَيَخْضَعُ لِشُرُوطٍ لَا تُمَاثِلُ بِـﭑلضَّرُورَةِ تِلْكَـ ﭐللَّتِي تَحَكَّمَتْ فِي ﭐلْأَصْلِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعْنَى ﭐلنَّقْلِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ، كما أُكِّدَ سَابِقًا، يَصِيـرُ مُعَزَّزًا، بِـﭐلتَّصْحِيحِ، مِمَّا يَجْعَلُ ﭐلتَّرْجَمَةَ تَتَحَدَّدُ، فِي ﭐلنِّهَايَةِ، بِأَنَّهَا نَقْلٌ تَصْحِيحِيٌّ وَفْقَ مُقْتَضَيَاتِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلنَّاقِلِ.
   إِنَّ تَأْكِيدَ ﭐلْشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ لِلتَّرْجَمَةِ يَكْسِرُ ﭐلِانْغِلَاقَ ﭐللُّغَوِيَّ لِلنَّصِّ، وَلَا يَعُودُ-بِـﭑلتَّالِي- عَمَلُ ﭐلتَّرْجَمَةِ مُجَرَّدَ ﭐشْتِغَالٍ بِنَصٍّ، بَلْ يَصِيـرُ تَحْلِيلًا لِشُرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْأَصْلِيِّ وَمَدَى مُوَافَقَتِهَا لِشُرُوطِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْأَجْنَبِيِّ[2]. وَتَحَدُّدُ ﭐلتَّرْجَمَةِ –فِي هَذَا ﭐلْمُسْتَوَى- بِصِفَتِهَا نَقْلًا تَصْحِيحِيًّا يَجْعَلُهَا تَبْرُزُ كَـﭑخْـتِـبَارٍ لِلْمَعَانِي ﭐلْكُلِّيَّةِ ﭐلْمَصُوغَةِ فِي كُلِّ لِسَانٍ. ذَالِكَـ بَأَنَّ مَدَى قَابِلِيَّةِ نَقْلِ هَذِهِ ﭐلْمَعَانِي إِلَى لِسَانٍ آخَرَ، مُغَايِرٍ فِي شُرُوطِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ، يُعَدُّ مُحَدِّدًا لِطَمَعِهَا فِي ﭐلشُّمُولِ ﭐلْكُلِّيِّ.
   وَبِمَا أَنَّ ﭐللُّغَةَ أَصْلُهَا ﭐلتَّدَاوُلُ وَمَآلُهَا ﭐلتَّدَاوُلُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعًا لِلنَّظَرِ ﭐلتَّأَمُّلِّيِّ إِلَّا فِي ﭐلْمَدَى ﭐللَّذِي تَكُونُ مُعْتَبَرَةً فِي طَبِيعَتِهَا ﭐلِاسْتِعْمَالِيَّةِ أَوِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُ ﭐلنَّصَّ ﭐلْمُتَرْجَمَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فِي نَسَقٍ لُغَوِيٍّ يَحْتَاجُ إِلَى ﭐلتَّأْوِيلِ، بِقَدْرِ مَا هُوَ نَمُوذَجٌ تَفْكِيـرِيٌّ يَتَطَلَّبُ تَقْرِيـبًا ﭐسْتِعْمَالِيًّا يُخَصِّصُ وَيُنَوِّعُ فِي عُمُومِيَّتِهِ ﭐلتَّوْصِيفِيَّةِ أَوِ ﭐلتَّفْسِيـرِيَّةِ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐللُّغَةَ، كَوَسِيطٍ لِلتَّخَاطُبِ ﭐلْإِنْسَانِيِّ، لَيْسَتْ وَسِيلَةً مُجَرَّدَةً حَصْرًا لِلتَّبْلِيغِ، بَلْ هِيَ كَذَالِكَـ وَبِـﭑلضَّرُورَةِ وَاسِطَةٌ لِلسُّلْطَةِ وَرِهَانٌ لَهَا. فَمِنْ خِلَالِ ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَةِ تَقُومُ عَلَاقَاتُ ﭐلْقُوَّةِ بِفِعْلِهَا ﭐلْكَامِلِ، مِمَّا يُفَسِّرُ ﭐلْمُقَاوَمَاتِ ﭐللَّتِي تُلَاقِيهَا ﭐلتَّرْجَمَةُ، حَيْثُ إِنَّهَا تَدَخُّلٌ يُسَائِلُ -إِلَى هَذَا ﭐلْحَدِّ أَوْ ذَاكَـ- آلِيَّاتِ ﭐشْتِغَالِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ وَتُمَثِّلُ، بِـﭑلتَّالِي، مُحَاوَلَةً لِتَغْيِيـرِ عَلَاقَاتِ ﭐلْقُوَّةِ ﭐلرَّمْزِيَّةِ أَوِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐلْمُسْتَنِدَةِ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ ﭐلِاسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ أَوِ ﭐلْأَبْنِيَّةِ ﭐلْمَفْهُومِيَّةِ أَوِ ﭐلصِّيَغِ ﭐلْمُصْطَلَحِيَّةِ.
   لَا غَرْوَ أَنَّ ﭐللُّغَةَ لَا سِحْرَ فِيهَا وَلَا تَحْمِلُ جَوْهَرًا غَيْـبِيًّا. وَكُلُّ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا مِنْ سِحْرٍ وَغَيْبٍ إِنَّمَا هُوَ مُسْنَدٌ إِلَيْهَا بِـﭑلضَّرُورَةِ مِنْ خَارِجِهَا. وَمَهْمَا يَقُلِ ﭐلشُّعَرَاءُ مِنْ خِلَالِ خِطَابِهِمِ ﭐلتَّخْيِيلِيِّ وﭐلِاسْتِعَارِيِّ عَنْ عَالَمِ ﭐلرُّؤْيَا ﭐلْأُعْجُوبِيِّ ﭐللَّذِي تَقُودُ إِلَيْهِ ﭐللُّغَةُ، وَمَهْمَا يَدَّعِ ﭐلْمُتَفَلْسِفُونَ عَنْ لُغَتِهِمِ ﭐلْخَاصَّةِ ﭐلْمُنْقَطِعَةِ مُصْطَلَحَاتُهَا عَنِ ﭐلدَّلَالَةِ ﭐلْأَصْلِيَّةِ ﭐلْمُبْتَذَلَةِ وَﭐلْمَوْصُولَةِ مَفَاهِيمُهَا بِـﭑلْجَوْهَرِ ﭐلْخَالِصِ لِلْفِكْرِ، نَجِدِ ﭐللُّغَةَ تَبْقَى نَقْلًا رَمْزِيًّا يُتَرْجِمُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ ﭐلْوُجُودَ ﭐلْعَيْنِيَّ وَﭐلْمَعِيشَ عَلَى مُسْتَوَى ﭐلْفِكْرِ، بِنَحْوٍ لَا تَنْفَصِلُ صُوَرُهُ عَنْ مَضَامِينِهِ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ ﭐلْقَصْدُ ﭐلتَّبْلِيغِيُّ وَﭐلتَّدْلِيلِيُّ عَنِ ﭐلْقَصْدِ ﭐلتَّوْجِيهِيِّ (أَيْ مُمَارَسَةُ ﭐلسُّلْطَةِ) وَلَا تَـتَفَاوَتُ عَنَاصِرُهُ، بِمَا هِيَ كَذَالِكَـ، فِي ﭐلتَّجْرِيدِ [3].
   وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا تَفَاضُلَ قَائِمًا بَيْنَ ﭐلْكَلِمَاتِ إِلَّا كَانَ لِلِاصْطِلَاحِ فِيهِ ثِقَلٌ وَلِلِاعْتِبَارِ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ بِهِ دَخَلٌ، فَلَا كَلِمَةَ أَشَدُّ تَجْرِيدًا مِنْ أُخْرَى إِلَّا بِفِعْلِ وَجْهٍ ﭐسْتِعْمَالِيٍّ مُعَيَّنٍ يُحَدِّدُ جَدْوَى ﭐلْقَوْلِ بِزِيَادَةِ ﭐلتَّجْرِيدِ وَنَقْصِ ﭐلتَّعْيِيـنِ ﭐلْحِسِّيِّ[4]. وَإِنَّهُ لَمِنَ ﭐلْإِيـمَانِ بِـﭑلسِّحْرِ ﭐعْتِقَادُ أَنَّ هُنَاكَـ مُصْطَلَحَاتٍ مُعَيَّنَةً يَجِبُ أَنْ تُحْفَظَ صُورَتُهَا ﭐلْأَعْجَمِيَّةُ ﭐلْأَصْلِيَّةُ لِحِفْظِ قُوَّتِهَا ﭐلدَّلَالِيَّةِ (ﭐلْغَيْبِيَّةِ)، فَقَطْ لِأَنَّهَا ذَاتُ نَجَاعَةٍ إِجْرَائِيَّةٍ أَوْ تَدَاوُلِيَّةٍ بِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى لُغَتِهَا ﭐلْأَصْلِيَّةِ وَفِي مَجَالِهَا ﭐلتَّدَاوُلِيِّ ﭐلْخَاصِّ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلْمُصْطَلَحَاتِ كُلَّمَا كَانَتْ مَوْصُولَةً صَرْفِيًّا وَدَلَالِيًّا بِمُفْرَدَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْمُسْتَعْمَلِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ سَهُلَ تَحْصِيلُهَا لِلْقُوَّةِ ﭐلْإِجْرَائِيَّةِ وَﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ ﭐللَّازِمَةِ لِجَعْلِهَا تُسَاهِمُ فِي إِبْدَاعِ ﭐلْمَفَاهِيمِ وَزِيَادَةِ ﭐلْإِنْتَاجِيَّةِ ﭐلْفِكْرِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ.
   وَمِنْ أَجْلِ ذَالِكَـ، لَا بُدَّ مِنْ ﭐطِّرَاحِ دَعْوَى أَنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ يُمَاثِلُ أَوْ يَفْضُلُ ﭐلتَّرْجَمَةَ، لِأَنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ لَيْسَ سِوَى مُطَالَبَةٍ بِوُجُوبِ جَعْلِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ فِي مَنْزِلَةِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْقَوْمِيِّ ﭐلْمُهَيْمِنِ عَلَى ﭐلِاسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ تَعْلِيمِيًّا وَإِدَارِيًّا وَأَكَادِيـمِيًّا، وَذَالِكَـ فِي مُقَابِلِ ﭐلدَّعَاوَى ﭐلِاسْتِيطَانِيَّةِ أَوْ تَوَابِعِهَا ﭐلرَّامِيَةِ إِلَى تَنَقُّصِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ فِي سَبِيلِ ﭐلتَّمْكِيـنِ لِأَلْسُنٍ أَجْنَبِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ. فَـﭑعْتِبَارُ ﭐلتَّعْرِيبِ مُقَابِلًا مَثِيلًا أَوْ أَفْضَلَ مِنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ لَطَالَمَا قَادَ إِلَى ﭐلْحَطِّ مِنْ قَدْرِ عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَإِشَاعَةِ طَرَائِقَ مُلْتَبِسَةٍ وَسَاذَجَةٍ فِي نَقْلِ ﭐلْمُصْطَلَحَاتِ وَنَحْتِ ﭐلْمَفَاهِيمِ وَصِيَاغَةِ ﭐلْمُشْتَقَّاتِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَوْلِيدِ لُغَةٍ هَجِينَةٍ تَتَدَاخَلُ فِيهَا رَوَافِدُ ﭐلْعَامِّـيَّاتِ وَشَوَائِبُ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى سَوَاءٍ. وَهَكَذَا فَإِنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐلشَّائِعَةَ فِي ﭐلْحَدِيثِ وَﭐلْكِتَابَةِ هِيَ ﭐللَّتِي صَارَتْ تَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيبٍ بَدَلَ ﭐلتَّعْجِيمِ ﭐلسَّائِدِ ﭐلْآنَ. وَلِهَذَا فَإِنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ ﭐلْعَرَبِيَّةَ مُضْطَرَّةٌ إِلَى تَجَاوُزِ تَسْطِيحَاتِ ﭐلتَّعْرِيبِ ﭐلْمُصْطَلَحِيِّ وَﭐلنَّسْخِ ﭐلْحَرْفِيِّ، لِأَنَّ ﭐلْإِنْتَاجَ ﭐلْمُسْتَقِلَّ وَﭐلْمُبْدِعَ فِي مَجَالِ ﭐلْفِكْرِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ لُغَةٍ تَمْلِكُـ أَهَمَّ مُقَوِمَّاتِ ﭐلتَّدَاوُلِ وَﭐلتَّفَاعُلِ ﭐلْمُتَمَثِّلَةِ فِي ﭐلْقُدْرَةِ عَلَى نَقْلِ ﭐلْمَعَانِي وَﭐلْمَفَاهِيمِ بِشَكْلٍ يَنْفَكُّـ -بِهَذَا ﭐلْقَدْرِ أَوْ ذَاكَـ- عَنْ قُيُودِ ﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐلْأَجْنَبِيِّ، ﭐللَّتِي تَبْقَى قُيُودًا عَائِقَةً مَا لَمْ نَـتَجَاوَزْهَا إِلَى إِمْكَانَاتِ لِسَانِنَا ﭐلْخَاصِّ.
   لَاكِنْ يَجِبُ، مَعَ هَذَا، ﭐلْحَذَرُ مِنْ تَطَرُّفَيْنِ : ﭐلْأَوَّلُ يَقُومُ عَلَى ﭐعْتِبَارِ أَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْقَوْمِيَّ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَـبْقَى نَقِيًّا وَأَصِيلًا، وَﭐلثَّانِي يَمِيلُ إِلَى ﭐلِاسْتِخْفَافِ بِقَوَاعِدِ وَأُصُولِ ﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَوِيِّ. وَعَلَى شَرَفِ ﭐللَّذِينَ مَا فَـتِـئُوا يُنَادُونَ بِفَضْحِ عَوْرَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ وَتَعْهِيـرِهِ -بِـﭑسْمِ ﭐلتَّمَاثُلِ مَعَ ذَاتٍ مُشْتَهَاةٍ أَوْ ذَاتٍ مُتَحَقِّقَةٍ عِنْدَ ﭐلْأَغْيَارِ أَوْ بِمُغَايَرَةِ ذَاتٍ مُخَاصَمَةٍ بِـﭑسْتِمْرَارٍ، ﭐللَّذِينَ لَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا سِوَى فَضْحِ عَوْرَاتِهِمْ ﭐللُّغَوِيَّةِ وَإِبْدَاءِ بَذَاآتِهْمُ ﭐلْفِكْرِيَّةِ وَهُمْ لَا يُعْنَوْنَ حَتَّى بِتَقْوِيـمِ ﭐعْوِجَاجَاتِ أَلْسُنِهْمُ ﭐلْخَاصَّةِ وَلَا يَرْجُونَ ضَبْطًا وَلَا ﭐنْضِبَاطًا- يَجِبُ تَأْكِيدُ أَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ يُضَاهِي فِي إِمْكَانَاتِهِ أَيَّ لِسَانٍ آخَرَ وَأَنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐلطَّبِيعِيَّةَ تُعَدُّ بِـﭑلضَّرُورَةِ ذَاتَ عَوْرَةٍ لَا يُسْتَفَادُ فَضْلٌ كَبِيـرٌ مِنْ فَضْحِهَا وَلَا يُتَّقَى شَرٌّ مُسْتَطِيـرٌ مِنْ سَتْرِهَا. وَبِـﭑلتَّالِي، فَإِنَّ ﭐللَّازِمَ إِنَّمَا هُوَ ضَبْطُ شُرُوطِ ﭐلِاشْتِغَالِ ﭐللُّغَوِيِّ ﭐللَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتَى خَارِجَ قَوَاعِدِ ﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐلْمُمَيِّزَةِ لِكُلِّ ﭐلْأَنْسَاقِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ.
   وَيَـبْقَى، فِي جَمِيعِ ﭐلْأَحْوَالِ، أَنَّ قِمَّةَ ﭐلْفَنِّ فِي مُمَارَسَةِ ﭐلتَّرْجَمَةِ إِنَّمَا هِيَ ﭐلتَّقْرِيبُ ﭐلتَّدَاوُلِيُّ ﭐللَّذِي يَقُومُ عَلَى ﭐلْوَفَاءِ بِمُقْتَضَيَاتِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْأَصْلِيِّ مِنْ دُونِ ﭐلْإِخْلَالِ بِقِيمَةِ ﭐلْمَضَامِيـنِ ﭐلْمُتَرْجَمَةِ مِنْ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْمَنْقُولِ عَنْهُ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ –بِمَا هِيَ نَقْلٌ تَصْحِيحِيٌّ يُعْمِلُ كُلَّ آلِيَّاتِ ﭐلتَّقْرِيبِ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ- تَـنْـتَهِي إِلَى إِنْتَاجِ نَصٍّ يَخْتَلِفُ، إِلَى هَذَا ﭐلْحَدِّ أَوْ ذَاكَـ، فِي بِنَائِهِ وَوَظَائِفِهِ عَنِ ﭐلنَّصِّ ﭐلْأَصْلِيِّ، لَاكِنَّهُ يَتَكَافَأُ مَعَهُ مَعْنًى وَقِيمَةً، بَلْ إِنَّهُ نِدٌّ مُضَاهٍ لَهُ ؛ مِمَّا يَجْعَلُ ﭐلنَّصَّ ﭐلْمُتَرْجَمَ ﭐلْمُعَادِلَ ﭐلْحَقِيقِيَّ -فِي ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ- لِمَقَاصِدِ وَفِكْرِ ﭐلْمُتَكَلِّمِ ﭐلْمَعْنِيِّ، مَا دَامَ إِنْتَاجُهُ قَدْ تَمَّ بِكَيْفِيَّةٍ أَصِيلَةٍ وَمُبْدِعَةٍ، وَمَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ يُضَاهِيهِ شَكْلًا وَمَضْمُونًا أَوْ يَفْضُلُهُ بَيَانًا وَتَبْلِيغًا.
   وَإِنَّهُ لَمِنَ ﭐلْمُؤْسِفِ جِدًّا أَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ عِنْدَنَا مُورِسَتْ وَلَا تَزَالُ تُمَارَسُ بَعِيدًا عَنْ تِلْكَـ ﭐلْمُسَلَّمَاتِ ﭐلتَّرْجَمِيَّةِ، بَلْ تَـتِمُّ، فِي غَالِبِ ﭐلْأَحْيَانِ، مِنْ دُونِ أَيِّ وَعْيٍ بِأُصُولِ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَمُقْتَضَيَاتِهَا. وَلِهَذَا لَيْسَ غَرِيـبًا أَنْ تَجِدَ بَيْنَ ﭐلْمُتَرْجَمَاتِ وَﭐلْمَنْقُولَاتِ، ﭐللَّتِي تَعِّجُّ بِهَا سُوقُ ﭐلْكُتُبِ، سَفَاسِفَ وَمُعَمَّيَاتٍ تُكَلِّفُكَـ أَنْ تَقْرَأَهَا مِئَةَ مَرَّةٍ دُونَ أَنْ تَبْلُغَ مَقْصُودَكَـ أَوْ تُحَصِّلَ مِنْهَا فَائِدَةً. وَمَا كَانَ ﭐلْأَمْرُ كَذَالِكَـ إِلَّا لِأَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ تَـتِمُّ بِـﭑلْخُضُوعِ لِقُيُودِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْمَنْقُولِ عَنْهُ وَمُقْتَضَيَاتِ مَجَالِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ ﭐلْخَاصِّ، مِمَّا يُـبْدِي -فِي ﭐلْمُقَابِلِ- عُيُوبَ ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ وَمَنَاقِصَ مَجَالِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ وَجَوَانِبَ قُصُورِهِ. لِهَذَا لَا تَعْدَمُ مَنْ يُهَاجِمُ أُصُولَ ﭐلتَّدَاوُلِ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐلْإِسْلَامِيِّ-ﭐلْعَرَبِيِّ ﭐنْطِلَاقًا مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجِدَ ﭐلسُّبُلَ ﭐلْكَفِيلَةَ بِتَصْحِيحِ ﭐلْمَنْقُولِ وَفْقَهَا أَوْ مَنْ يَصُبُّ جَامَّ غَضَبِهِ عَلَى ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ فِيهِ ﭐلصِّيَغَ وَﭐلْمُصْطَلَحَاتِ ﭐللَّتِي أُشْرِبَ بِهَا مَضَامِيـنَ ﭐلنَّصِّ ﭐلْمَقْرُوءِ فِي لِسَانِهِ ﭐلْأَصْلِيِّ. فَمَاذَا يَحْدُثُ لَوْ قُلِبَتِ ﭐلْوِجْهَةُ فَصَارَ ﭐلْمَنْقُولُ نَاقِلًا وَﭐلْمَغْزُوُّ غَازِيًا ؟ هَذَا هُوَ ﭐلسُّؤَالُ ﭐللَّذِي يَذْهَلُ عَنْهُ مَنْ يَتَّخِذُ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ وَأُصُولَ مَجَالِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ مَثَارًا لِإِنْتَاجِ ضُرُوبٍ مِنَ ﭐلْهِجَاءِ ﭐلنَّافِلِ. ذَالِكَـ بِأَنَّ كُلَّ لِسَانٍ لَايَخْضَعُ لِمِحَكِّـ ﭐلْمُسَاءَلَةِ ﭐلْحَقِيقِيَّةِ إِلَّا فِي مُوَاجَهَةِ مَا تَسْتَلْزِمُهُ تَرْجَمَةُ نَصٍّ إِبْدَاعِيٍّ مَصُوغٍ فِي لِسَانٍ آخَرَ. وَﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ لَا يَزَالُ يَتَحَدَّى ﭐلْمُتَرْجِمِيـنَ فِي أَبْدَعِ نَصٍّ كُتِبَ بِهِ (ﭐسْتَغْرَقَ عَمَلُ جَاكْـ بِرْكَـ فِي تَرْجَمَةِ ﭐلْقُرْآنِ زُهَاءَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً دُونَ أَنْ يَـنْـتَهِيَ إِلَى نَصٍّ مُرْضٍ تَمَامًا، لَا لِصَاحِبِهِ ﭐللَّذِي كَانَ سَيَسْتَمِرُّ فِي مُرَاجَعَةِ مُحَاوَلَتِهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا لِنُقَّادِهِ حَيْثُ تُوجَدُ جُمْلَةٌ مِنَ ﭐلْأَخْطَاءِ ﭐلتَّرْجَمِيَّةِ ﭐللَّتِي تَـتَخَلَّلُ ﭐلنَّصَّ مَتْنًا وَهَامِشًا) !
   إِنَّهُ مَا دَامَ ﭐلْمُتَرْجِمُونَ ﭐلْعَرَبُ يَجْهَلُونَ ﭐلْإِمْكَانَاتِ ﭐلْحَقِيقِيَّةَ ﭐللَّتِي يَمْلِكُهَا لِسَانُهُمْ وَلَا يَرَوْنَ بَدِيلًا لِلنَّسْخِ ﭐلْحَرْفِيِّ وَيَتَوَهَّمُونَ أَنَّ ﭐلْأَمَانَةَ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ تُوجِبُ حِفْظَ كُلِّ مَا فِي ﭐلنَّصِّ ﭐلْمُتَرْجَمِ -مَهْمَا يَدِقَّ، وَلَوْ كَانَ ذَالِكَـ عَلَى حِسَابِ لِسَانِهِمْ وَشُرُوطِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ-، فَلَا مَطْمَعَ فِي ﭐلْخُرُوجِ مِنَ ﭐلْمَأْزِقِ ﭐللَّذِي لَا يَزَالُ يَكْبِتُ ﭐلْجُهُودَ ﭐلْمَبْذُولَةَ فِي هَذَا ﭐلْمَجَالِ.
   وَلَا رَيْبَ أَنَّ ﭐلْعَمَلَ ﭐلتَّرْجَمِيَّ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐلْعَرَبِيّ ِسَيَـبْقَى ضَعِيفًا فِي إِنْتَاجِيَّتِهِ وَإِبْدَاعِيَّتِهِ مَا لَمْ تُوَفَّرْ لَهُ ﭐلشُّرُوطُ ﭐلْمَطْلُوبَةُ. إِذْ لَا يَحْظَى ﭐلْمُتَرْجِمُ بِوَضْعٍ مُحْتَرَمٍ فِي مَجَالِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلْفِكْرِيِّ وَﭐلثَّقَافِيِّ، وَلَا تُوجَدُ وَسَائِلُ ﭐلْعَمَلِ مِنْ قَوَامِيسَ لُغَوِيَّةٍ مُزْدَوِجَةٍ مُحَرَّرَةٍ وَفْقَ أَهَمِّ عَطَاآتِ ﭐلتَّرْجَمِيَّاتِ، وَلَا تُعْنَى مُعْظَمُ ﭐلْمُؤَسَّسَاتِ ﭐلْعِلْمِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ بِـﭑلتَّرْجَمَةِ ﭐلْمُتَخَصِّصَةِ، وَلَا تَتَعَامَل ُدُورُ ﭐلنَّشْرِ مَعَ ﭐلْمُتَرْجِمِ ضِمْنَ خُطَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ تَأْسِيسِيَّةٍ وَخَارِجَ تَوَهُّمَاتِ مِقْيَاسِ ﭐلرَّوَاجِ. وَإِزَاءَ هَذِهِ ﭐلشُّرُوطِ ﭐلْمُثَبِّطَةِ يَقِفُ ﭐلْعَمَلُ ﭐلتَّرْجَمِيُّ دُونَ ﭐلطَّلَبِ ﭐلْمُتَزَايِدِ وَﭐلْمُلِحِّ ﭐللَّذِي لَا يَزَالُ يَـنْـتَظِرُ نَقْلَ أُمَّهَاتِ ﭐلْأَعْمَالِ ﭐلْفِكْرِيَّةِ وَﭐلْعِلْمِيَّةِ وَﭐلْأَدَبِيَّةِ إِلَى ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ.
   لَاكِنَّ مُعْضِلَةَ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ تَجِدُ أَصْلَهَا فِي ﭐلْقُدْرَةِ ﭐلْمُصْطَلَحِيَّةِ وَﭐلْمَفْهُومِيَّةِ لِلِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ نَفْسِهِ ﭐللَّذِي لَمْ يَعْرِفِ ﭐلْمُتَرْجِمُ ﭐلْعَرَبِيُّ بَعْدُ كَيْفَ يَنْهَضُ بِهِ لِيُعْمِلَهُ فِي حُدُودِ إِمْكَانَاتِهِ ﭐلْخَاصَّةِ - ﭐللَّتِي لَا تَزَالُ فِي مُعْظَمِهَا إِمَّا كَامِنَةً وَإِمَّا مُعَطَّلَةً- لِلْقِيَامِ بِتَرْجَمَةٍ فِي مُسْتَوَى ﭐلتَّحَدِّيَاتِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ وَﭐلْحَضَارِيَّةِ ﭐلْمَفْرُوضَةِ عَالَمِيًّا عَلَى كُلِّ ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْمُعَاصِرِ.
   وَفِي خِضَمِّ هَذَا ﭐلْوَضْعِ يَـبْدُو ﭐلْعَمَلُ ﭐلتَّرْجَمِيُّ ﭐلْعَرَبِيُّ مُغَامَرَةً حَقِيقِيَّةً، عَلَى مُسْتَوَى لُغَةِ ﭐلصِّيَاغَةِ ﭐللَّتِي تُفْلِتُ مِنَ ﭐلضَّبْطِ ﭐلِاحْتِرَافِيِّ وَعَلَى مُسْتَوَى ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐللَّتِي تَقُومُ عَلَى ﭐفْـتِرَاضِ ﭐلْأَصَالَةِ فِي ﭐلْإِنْشَاءِ ﭐلِانْطِبَاعِيِّ وَﭐلتَّجْرِيـبِيِّ. وَهَكَذَا، لَيْسَ مِنَ ﭐلسَّهْلِ قِيَامُ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ كَعَمَلٍ جَدِيرٍ بِـﭑلثِّقَةِ وَﭐلتَّقْدِيرِ مِنْ طَرَفِ ﭐلْقَارِئِ وَﭐلْمُبْدِعِ عَلَى سَوَاءٍ. لَاكِنْ يَظَلُّ مِنَ ﭐلْمُمْكِنِ، عَلَى ﭐلرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا، ﭐلْخُرُوجُ بِـﭑلْعَمَلِ ﭐلتَّرْجَمِيِّ ﭐلْعَرَبِيِّ إِلَى مَجَالِ ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلْإِبْدَاعِيَّةِ وَﭐلطَّلِيعِيَّةِ لَوْ تَمَّ تَحْقِيقُ جُمْلَةٍ مِنَ ﭐلشُّرُوطِ وَﭐلْإِجْرَاآتِ ﭐلْأَسَاسِيَّةِ ﭐللَّتِي يُعَدُّ تَجْدِيدُ وَتَنْمِيطُ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ فِي مُقَدِّمَتِهَا، إِلَى جَانِبِ جَعْلِ ﭐلنَّقْدِ ﭐلتَّرْجَمِيّ ِضِمْنَ وَسَائِلِ عَمَلِ ﭐلْمُتَرْجِمِ بِحَيْثُ يَصِيـرُ لَازِمَةً بِنَائِيَّةً وَﭐنْعِكَاسِيَّةً وَلَيْسَ فَقَطْ نَوْعًا مِنَ ﭐللُّجُوءِ ﭐلِاضْطِرَارِيِّ ﭐللَّذِي يُمْكِنُ تَفَادِيهِ.
   وَقَدْ يَكُونُ مِنَ ﭐلْمُفِيدِ، هُنَا، ﭐلْإِشَارَةُ إِلَى أَهَمِّ ﭐلْمُقْتَضَيَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِـﭑلتَّرْجَمَةِ فِي ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ :
- ﭐلصِّيغَةُ ﭐلْأَصْلِيَّةُ لِبِنَاءِ ﭐلْجُمْلَةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ هِيَ : فِعْلٌ+ فَاعِلٌ+ مَفْعُولٌ، وَلَا عُدُولَ عَنْهَا إِلَى ﭐلْجُمْلَةِ ﭐلِاسْمِيَّةِ أَوِ ﭐلْمُرَكَّبَةِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ تَخَاطُبِيَّةٍ مُعَيَنَّةٍ. وَهَذَا يَفْتَرِضُ عَدَمَ مُحَاكَاةِ صِيَغِ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐللَّتِي تُخَالِفُ هَذِهِ ﭐلصِّيغَةَ بِتَقْدِيـمِ ﭐلْفَاعِلِ أَوْ غَيْرِهِ[5].
- لَا وُجُودَ فِي ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ لِلرَّابِطِ ﭐلْإِسْنَادِيِّ (كَمَا فِي ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةِ مَثَلًا). فَضَمِيـرُ ﭐلرَّفْعِ ﭐلْمُنْفَصِلُ هُوَ وَهِيَ لَهُ دَوْرٌ تَأْكِيدِيٌّ (عَلِيٌّ هُوَ ﭐلْكَاتِبُ) أَوْ إِبْدَالِيٌّ (هُوَ كَاتِبٌ). أَمَّا ﭐلنَّاسِخُ ﭐلْفِعْلِيُّ كَانَ فَلَا يَكَادُ تُفَارِقُهُ ﭐلزَّمَنِيَّةُ (فِي ﭐلْمَاضِي : كَانَ ﭐلْأَمْرُ خَطِيـرًا ؛ فِي ﭐلْحَاضِرِ يَكُونُ ﭐلْأَمْرُ خَطِيـرًا ؛ فِي ﭐلْمُسْتَقْبَلِ سَيَكُونُ ﭐلْأَمْرُ خَطِيـرًا). وَفِي جَمِيعِ ﭐلْأَحْوَالِ، لَا يَحْتَاجُ ﭐلْمُبْتَدَأُ وَﭐلْخَبَرُ إِلَى ضَمِيـرِ ﭐلرَّفْعِ ﭐلْمُنْفَصِلِ لِيَتِمَّ ﭐلْإِسْنَادُ ﭐللَّذِي يُفِيدُهُ ﭐلرَّابِطُ فِي ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةِ وَمَا شَابَهَهَا.
- لَا يَصِحُّ أَنْ نُذَكِّرَ مَا يُذَكَّرُ فِي لِسَانٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ أَنْ نُؤَنِّثَ مَا يُؤَنَّثُ فِيهِ، فَكَلِمَاتٌ مِثْلَ : شُمُولٌ، ﭐسْتِمْرَارٌ، ﭐسْتِقْلَالٌ، وَضْعٌ، إِمْكَانٌ، جَمَالٌ، إِجْرَاءٌ، إلَخ.، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُضَافَ إِلَيْهَا ﭐللَّاحِقَةُ يَّةٌ لِتَوْلِيدِ ﭐلِاسْمِ ﭐلْمُؤَنَّثِ، فَقَطْ لِأَنَّ مُقَابِلَهَا فِي لِسَانٍ أَجْنَبِيٍّ مُؤَنَّثٌ. فَـﭑلْأَسْمَاءُ ﭐلْمَذْكُورَةُ أَسْمَاءُ أَفْعَالٍ تُؤَدِّي ﭐلْمَعَانِيَ نَفْسَهَا ﭐللَّتِي تُؤَدِّيهَا مُقَابِلَاتُهَا ﭐلْأَجْنَبِيَّةُ. وَتَوْلِيدُ ﭐلِاسْمِ مِنْهَا بِإِضَافَةِ ﭐللَّاحِقَةِ يَّةٌ لَا يَكُونُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ دَلَالِيَّةٍ كَـﭑلتَّمْيِـيزِ بَيْنَ ﭐلْوَضْعِ وَﭐلْوَضْعِيَّةِ (أَيْ ﭐلطَّابَعُ ﭐلْوَضْعِيِّ لِلشَّيْءِ) أَوْ لِتَوْلِيدِ ﭐسْمٍ مِنْ صِفَةٍ (قَابِلٌ¬قَابِلِيَّةٌ، مَسْئُولٌ¬مَسْئُولِيَّةٌ) أَوْ نَحْتِ ﭐسْمٍ دَالٍّ عَلَى طَابَعٍ أَوْ حَالٍ مِنْ ﭐسْمٍ آخَرَ (رَأْسُمَالٌ¬رَأْسُمَالِيَّةٌ، مَنْهَجٌ¬مَنْهَجِيَّةٌ).
- لَابُدَّ مِنْ ﭐعْتِمَادِ ﭐلْحُرُوفِ ﭐلثَّلَاثَةِ ﭐلْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا (ﮒ=G، ﭪ=V، ﭖ=P) وَﭐلْمَنْطُوقَةِ غَالِبًا ﭐلْمُهْمَلَةِ دَوْمًا كِتَابَتُهَا. وَلَا عُذْرَ لِلَّذِينَ صَارُوا يَكْتُبُونَ ﭐلْجِيمَ مُثَلَّثَةً مَعَ نُطْقِهَا جِيمًا عَادِيَّةً، فَقَطْ لِأَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ هَذِهِ كَمَا تُنْطَقُ ﮒ !
- ﭐلْكَلِمَاتُ وَﭐلْأَسْمَاءُ ﭐلْعَرَبِيَّةُ ﭐللَّتِي نُقِلَتْ إِلَى أَلْسُنٍ أُخْرَى وَحُرِّفَتْ تُعَادُ إِلَى أَصْلِهَا إِذَا مَا نُقِلَتْ إِلَى ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ مَرَّةً أُخْرَى كَمَا قَرَّرَ مَجْمَعُ ﭐلْقَاهِرَةِ (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيَّ، ﭐلْمَادَّةَ 2003)، مَثَلًا ﭐلْجَزِيرَةُ ﭐلْخَضْرَاءُ وَلَيْسَ ﭐلْخُزَيْرَاتُ، وَبَلَدُ ﭐلْوَلِيدِ وَلَيْسَ بَلَدُولِيدْ، بَلَنْسِيَّةُ وَلَيْسَ فَلِنْسِيَّا، ﭐلْحَمْرَاءُ لَا ﭐلْهَمْبَرَا، إِلَخَ.
- يَحْسُنُ فِي أَسْمَاءِ ﭐلْأَعْلَامِ أَنْ تُعَرَّبَ بِصَوْغِهَا وَفْقَ ﭐلصُّورَةِ ﭐلصَّرْفِيَّةِ لِلْأَسْمَاءِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ أَوْ، عَلَى ﭐلْأَقَلِّ، وَفْقَ بَعْضِ ﭐلصِّيَغِ ﭐلْمَأْلُوفَةِ. وَلَا يَصِحُّ ﭐلتَّطْوِيلُ وَﭐلتَّهْوِيلُ فِي كِتَابَتِهَا كَمَا هُوَ شَائِعٌ : أَرِسْطُو لَا أَرِسْطُوطَالِيسَ، بَّرْمِنِيدُ لَا بَارْمِينِيدِسْ، هِرَقْلِيطُ لَا هِيـرَاقْلِيطِيسْ، هُمِيـرُ لَا هُومِيـرُوسْ، مَـﮑْـﻴـﭭﻴـلْ لَا مَاكْيَافِيلِّي،مِشِّيلُ لَا مِيشَّالْ، بِّيِـيـر لَا بِيَّارْ، دِكَرْتُ لَا دِيكَارْتُ، كَنْطُ/كَانْطُ لَا كَنْتُ/كَانْتُ، إِسْـﭙــﻨُـوزَا لَا سْبِينُوزَا، ﻫِـﻴﮕَـلْ لَا هِيجَلْ، هُسِّرْلُ لَا هُوسْرَلْ، هَيْدِﮔـرْ لَا هَيْدِجِيـرْ، دِرِيـدَا لَا دِيْرِيدَا. وَمِنَ ﭐلْأَفْضَلِ كِتَابَةُ بَعْضِ ﭐلْأَسْمَاءِ بِغَيْرِ هَاءِ ﭐلسَّكْتِ فِـشْتُ لَافِشْتُه، ﮔُـوتُ لَا جُوتُه، نِتْشُ لَا نِيتْشُه، بِّيَاجِي لَا بِيَاجِيه، إِلَخِ.
   وَعُمُومًا فَإِنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ عَمَلٌ تَوَاصُلِيٌّ وَمُمَارَسَةٌ تَدَاوُلِيَّةٌ، يُفْتَرَضُ فِيهَا أَنْ تُيَسِّرَ ﭐلتَّفَاهُمَ وَتُقَوِّيَ ﭐلتَّفَاعُلَ، وَلَيْسَ أَنْ تُنْـتِجَ كَثْرَةَ ﭐلتَّهْوِيلِ وَﭐلِاسْتِغْلَاقِ مِنْ دُونِ جَدْوَى. وَكَمْ هِيَ سَخِيفَةٌ تِلْكَـ ﭐلْمُحَاوَلَاتُ، ﭐلْمُتَكَاثِرَةُ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐلْعَرَبِيِّ، ﭐللَّتِي تَحْرِصُ عَلَى إِتْيَانِ ﭐلتَّرْجَمَة ِتَلَهِّـيًا وَعَبَثًا مِنْ دُونِ أَنْ تُدْرِكَـ حَجْمَ ﭐلْإِفْسَادِ ﭐللَّذِي تُحْدِثُهُ بِوَعْيٍ أَوْ مِنْ دُونِهِ !
 
 


[1] طَهَ عَبْدُ ﭐلرَّحْمَانِ، تَجْدِيدُ ﭐلْمَنْهَجِ فِي تَقْوِيـمِ ﭐلتُّرَاثِ، ﭐلْبَابُ ﭐلثَّالِثُ، ﭐلْمَرْكَزُ ﭐلثَّقَافِيُّ ﭐلْعَرَبِيُّ-بَيْرُوتُ/ﭐلدَّارُ ﭐلْبَيْضَاءُ،ط1، 1994. وانظر أمبِرْتُو إيكو : قَوْلُ ﭐلشَّيْءِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، تَجَارِبُ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ، 2007. Umberto Eco, Dire presque la même chose. Expériences de traduction, Trad par Myriem Bouzaher, Grasset, 2007.
[2] بييـر بُورْدِيُو، ﭐلشُّرُوطُ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةُ لِلتَّدَاوُلِ ﭐلْعَالَمِيِّ لِلْفِكَرِ (بِالْفَرَنْسِيَّةِ)، مَجَلَّةُ أَعْمَالِ ﭐلْبَحْثِ فِي ﭐلْعُلُومِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ، 2002، مج5، عدد 145، ص. 3-8.
[3] عَبْدُ ﭐلرَّحْمَانِ طَهَ، ﭐللُّغَةُ وَﭐلْفَلْسَفَةُ، ﭐلْفَصْلُ ﭐلثَّالِثُ مِنَ ﭐلْبَابِ ﭐلرَّابِعِ. Aberrahmane Taha, langage et philosophie, 1979, Part IV, chap.3.
[4] يُوسُفْ فونْدِرِيسْ، ﭐللُّغَةُ : مَدْخَلٌ لُغَوِيٌّ إلَى التَّارِيخِ، (بالْفَرَنْسِيَّةِ)، 1914 (1923)، ﭐلقسم ﭐلثالث.Joseph Vendrys, Le langage. Introduction linguistique à l’histoire, 1968, Part III.
 
[5] أَحْمَدْ ﭐلْمُتَوَكِّلْ، دِرَاسَاتٌ فِي نَحْوِ ﭐللُّغَةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ ﭐلْوَظِيفِيِّ، ص 63-89. وَعَبْدُ ﭐلْقَادِرِ ﭐلْفَاسِيُّ ﭐلْفِهْرِيُّ، ﭐلْبِنَاءُ ﭐلْمُوَازِي : نَظَرِيَّةٌفِي بِنَاءِ ﭐلْكَلِمَةِ وَبِنَاءِ ﭐلْجُمْلَةِ، 1990،ص 55-65.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."