محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يكاد المدّاح يقول: ''ليس كمثل ممدوحي شيء''
تطلّ بين الحين والحين، "كتابات" يحسَبها أصحابُها مقالات. ويماشيهم على حسبانهم هذا زملاء وأصحاب وقرّاء. وتنحو الكتابات هذه منحى مذهب عتيق (متجدّد) مِنْ مذاهب القول. والمذهب هذا هو المديح. وعلى خلاف الشاعر العربيّ القديم، الذي كان يَقْصر مديحه على أهل القوّة والسلطان، طمعاً في مكسب أو مربح؛ لا يَقْصر مدّاحو هذا الزمان مديحَهم على أهل القوّة والغلبة، بل يمدّونه إلى أشباههم وزملائهم. ولا يلبث الشبيه أو الزميل أنْ يردّ المديح للمدّاح الأوّل بأحسن منه. ولكنّ المديح المعاصر ينهج نهجاً لم يُبْلَغ إليه مِنْ قبل. والنهج هذا لا يتورّع عن تشبيه الممدوح بمن "ليس كمثله شيء"، أي بمن نهى الدِّين عن التشبيه به.
فإذا وقف المدّاح بباب الممدوح، تواضعَ متلعثماً (أو تلعثمَ متواضعاً). ومصدر تلعثمه وتواضعه، في زعمه، هو عسر الإلمام أو الإحاطة بمناقب ممدوحه ومآثره؛ فهذه، على ما ينبغي الإقرار، تتعالى على الإحاطة وتعصى الإحصاء. وربّما كان مصدر التلعثم والتواضع، الحقيقيّ، هو إقرار المدّاح بالتهافت الذي يضمره مديحُه (أو يضمره مديحَه). وفي ما يشبه ردّ "التهمة" عن سعي الممدوح في طلب المديح، يبتدئ المدّاح كلامَه بنفي معرفته الممدوحَ، ونفي سعيه (سعي الممدوح) في "الشهرة". فهو "مِنَ الرجال القلائل الذين يقدّمون العمل على الكلام، ويعملون بصمت ومِنْ غير ضجيج".
ويحمل المدّاح صنيعَه على "الإنصاف". فهو يرى أنّ ممدوحه تعرّض لـ"الظلم". ولكنّه يغفل، في الأثناء، عن أنّ مديحه ربّما يكون هو الظلم الحقيقيّ. فهو يكتب في ممدوحه مِنَ اللطائف والطرائف والمضحكات ما يندى له جبينه وجبين الممدوح وجبين القارئ، معاً وجميعاً. والضحك الذي يستثيره مديحُ المدّاح هو على شاكلة الضحك الذي يستثيره مهرّج السيرك، الذي يتوجّه على الجمهور بطرائف وأفعال يعرف أنّها كذب خالص، على نحو ما يعرف الجمهور أنّ ما أتى به الساحر ليس إلّا سَحر عيونهم وحسب. فحين يُخرج المهرّج مِنْ تحت قبّعته أرنباً أو دجاجة، يضحك الجمهور على المهرّج فوق ما يضحك على الأرنب أو الدجاجة.
ولا يشكّ المدّاح في أنّ ممدوحه معصوم مِنَ الزلل والخطأ. ويتوسّل إلى ذلك بوسائل تبعث على القهقهة. وهي في معظمها وسائل ينتخبها صاحبها مِنَ "الطبيعة". فـ"تجربة الرجل الحياتيّة تستأهل أنْ تُسجَّل في كتاب". وتعليلُ "استئهال تسجيل التجربة"، لا رادّ له ولا معقّب. وهو أنّ الممدوح "لا ينسى أوّل قُبلة طبَعها البحر على خدّه، عندما وُلِد في عرضه، على شواطئ حيفا". وعلى رغم الركاكة اللغويّة والمعرفيّة الفادحة في "الولادة في عرض البحر"، يبقى أنّها أقلّ أذىً وطعناً مِنْ نصب "الطبيعة" قرينةً على "عظَمة" الممدوح. فمكان الميلاد، الذي لا يدَ للمدوح فيه ولا خيرة، عَلَم خفّاق على علوّ كعب الممدوح. فإذا صادف أنْ كان الممدوح مولوداً في القدس، شفَعَ له المكان هذا بسموّ المنزلة. ولئن كان سلطيّاً، اقتضى ذلك أنْ تمدّه جبال السلط الشامخة بالشمم والكبرياء. وأمّا إذا كان نابلسيّاً، فوجب أنْ يكون "سنديانة مِنْ سنديانات نابلس". ولمّا تعثّر أحد المدّاحين فلم يجد لممدوحه مكاناً "مقدّسّاً" ونسباً شريفاً، أوغلَ في الإطناب والاسترسال؛ فزعم أنّ ممدوحه مولود في "أكناف أكناف بيت المقدس". والتوسّل بالطبيعة ومكان الميلاد ليس ضرباً مِنَ التطريز الكلاميّ، بل هو "ثقافة" تحسَب "الهويّة" منزلة أو مرتبة، حين هي، في الحقّ، وصفُ حال وناس.
وبعد "تسجيل التجرية" والقُبلة التي طبعها البحر على الخد، والولادة في عرض البحر، والجبال الشامخة، والسنديانة، وأكناف الأكناف؛ يجفّ مَعين المدّاح وتنصرم روافده. فييمّم شطر سدرة المنتهى، مجسّمّاً ومشبّهاً. فالممدوح "بيرق الوطن في السماء"، ولا يتسلّل إليه ضعف ولا نسيان؛ فهو "أبيّ ونقيّ، ومتطرّف في النزاهة". ولا يتطرّق إليه فرق أو تفاوت؛ فـ"إقامته في أعشاش النسور" تجعله "فوق العادة في العطاء والانتماء". ولأنّه كذلك، أي "فوق العادة"، لا تجري عليه أحوال الكائن الإنسيّ المركّب والمتنازع والمتدافع؛ فيسعه جمعَ النقائض والأضداد، والتأليف بينها مِنْ غير عيب ولا جرح. فهو "يزاوج بين تقاليد البداوة وتقاليع المدينة"، و "يوازن بين كونه سياسيّاً وبين إمساكه بزمام الفزعات والجاهات". وهو، مِنْ وجه آخر، "يعبّر عن وجدان الجماهير وهموم الطبقات الكادحة مِنْ غير أنْ ينسى الطبقات البرجوازيّة"، على ما زعمت مدّاحة في ممدوحها. ولا عجب في ذلك. فلمّا كان الممدوح صاحب حاسّة سابعة، بحسب أحد المدّاحين، وسِعَه "التقاط اللحظة وإعادة إنتاجها"؛ فهو "حاصل جمع موهبة فذّة (...) ومعرفة، وثقافة شموليّة، ووعي غريزيّ بتصاريف الدهر ونواميس الحياة".
وهذه كلّها لم يرضعها صاحبها مِنْ وسيط أو ناقل، بل استثابها مِنْ طريق "حاسّته السابعة التي تصيب ولا تخطئ". وهذا تأليه صريح. ويتضاعف التأليه ويتطاول؛ فالممدوح "يربض في عرينه" غيرَ محايث. يأتيه الناسُ ولا يأتيهم، وتستثيبه المعارف ولا يستثيبها، وتشتاقه الأشياء ولا يشتاقها، وتتّجه إليه الكائنات مِنْ تلقائها، شأنه في ذلك شأن الفيض الأوّل. فهذا لا واسطة له ولا شَوب ولا عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا اعتراض. وإذا رضيَ الممدوح بتسنّم أحد المناصب، فمعاذ الله أنْ يكون مردّ ذلك إلى اختيار أو اضطرار؛ فالاختيار يعتوره انفعال، والاضطرار تلوح عليه وفيه لائحة العجز. وهذا وذاك مِنْ أحوال عامّة الناس أمثالنا، نحن الراتعين في الرذيلة و "الميوعة"، غافلين عن "المنجز الوطنيّ" و"الموروث القوميّ". وأمّا حادي صاحبا لقبول المنصب، فإنّما ليبسط "ظلّه العالي" على العامّة الهائمة في الشموس والهجير؛ فالمنصب يكبر به فوق ما يكبر هو بالمنصب.
ونهاية "رحلة" المدّاح هي فناؤه في ملكوت ممدوحه، غداة تتويج الممدوح بتاج الحقّ الساطع. فيسأل المدّاح، منسحقاً وخاشعاً متصدّعاً، على مثال صوفيّ: "يا الله، أيّ شرف هذا، وأنت تحظى بالكتابة عن جيل التضحيات والأرجوان؟". ولكنّ السلوى في كلّ هذا، هي أنّ صروح القشّ الماجنة، التي يبنيها المدّاح لممدوحه، تتداعى قبل أنْ يبلغها نسيمٌ لطيفٌ مِنَ العقل.
|