المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
باسم عوض الله أسطورة صنعها أطفالٌ بلغوا مِنَ العمر عتيّاً

باسم عوض الله، الموظّف الرسميّ المتعدّد الوجوه والأدوار والمناصب، والشابّ البادي البشاشة والتهذيب، صاحب الوجه الطافح فتوّةً وعصريّةً وتأنيثاً (مِنْ غير حمل المعنى على "الأنوثة" السائرة والشائعة)، المهجّن والمختلط والمستعجم، الراطن بإنجليزيّة ذات لكنة أميركيّة، كثير الترحال والهجرات، المنشب في الآفاق والجهات، المتسربل بـ"بدلة غربيّة أنيقة" (يا للهول!)، المُمسك عن ردّ دعاوى خصومٍ يعصون العدَّ ويمتنعون مِنَ الإحصاء، وزير التخطيط السابق، فوزير الماليّة مِنْ بعد، وأخيراً (قد يكون "آخراً" هذه المرّة) رئيس الديوان الملكيّ المُقال أو المستقيل (أو في منزلة بين المنزلتيْن)؛ باسم عوض الله هذا، أسطورة صنعها أطفالٌ بلغوا مِنَ العمر عتيّاً.

 

وبلوغ الطفل مِنَ العمر عتيّاً، خُلْف لا يكون، ولا يصير، وربّما مُحال أو مستحيل، ولا يستقيم في ميزان الفهم "المنطقيّ" إلّا إذا حُمِلَ على تأويل مجازيّ؛ ولكنّه (البلوغ) في أحيان قليلة، قد لا يَبْعُد أنْ يكون ويصير. والأحيان هذه، هي أحيان الحوادث العظيمة، على مثال الانتصارات الإلهيّة، أو خروج المهدي المنتظر مِنْ غيبته وسباته، أو ظهور الأعور الدجّال وصاحب الزمان، أو تَدافُع "يأجوج ومأجوج" بالمناكب والأقدام يأكلون الأخضر واليابس، أو إزجاء "الحزب الطليعيّ" الاشتراكيّةَ لـ"الطبقة العاملة"، وتَبلور هذه في "صيرورة وطنيّة" تنير لها "وعيها الطبقيّ"، أو هزيمة "الشيطان الأصغر"، وهو موضوعيّاً وتعريفاً "الكيان الصهيونيّ"، إيذاناً بهزيمة "الشيطان الأكبر"، أي الولايات المتّحدة.

 

ففي مثل هذه الأحايين، أي الأوقات الملحميّة أو القَصَص الأسطوريّ والبطوليّ؛ قد يجوز أنْ يستحيل الطفل كهلاً، والكهل طفلاً. فيسَعُ مَنْ لم يكتبوا في حياتهم كلّها سوى مقالة واحدة، هي المقالة التقدّميّة، التي فحواها صراع "أبديّ" بين الحقّ (هم) والباطل (الآخر، كلّ آخر)؛ يسَعُهم أنْ ينسبوا الأساطير لموظّف حكوميّ ذي طاقة خرافيّة على "التفكيك" و "البيع" و "التغوّل" و "الاتّجار بالبشر". فهو الساعي مِنْ غير تعب ولا نصَب في "تفكيك الكيان الأردنيّ" (ولا يقولون "الوطن" الأردنيّ، فالأردن لا يستحقّ أنْ يكون وطناً في المقالة "التقدّميّة"، فهو "كيان" في أحسن الأحوال). فإذا "فُكّكّ" "الكيان" هذا، أتى طورُ "البيع". ويتفاقم الأمر إذا كان "الكيان الصهيونيّ" هو "الشاري". ولا يكفي أنْ يعلن رأسُ الدولة نفيَ هذه الأخبار التي يستلهمها أصحابها استلهاماً فوق ما ينقلونها وأكثر.

 

وأمّا "التغوّل" على "صلاحيّات الحكومة"، فهو دأب صاحبنا وديدنه. ولا يتكلّف أصحابُ القول هذا عناءَ إيراد واقعة واحدة على هذا "التغوّل". فالوقائع، شأنها شأن السياسة والديمقراطيّة والأخلاق، نوافل، ولا لزوم لها ولا ضرورة. وتتناسل التهم بعضها مِنْ بعض، فإذا لم يُفْلح كلّ ما سبق في "إزاحة" الرجل مِنْ منصبه؛ نقّب الخصومُ في ثنايا الصحف الأميركيّة عن اسم صاحبنا، فجاء الخبر السعيد عن ورود اسمه في قضيّة مزعومة، هي "الاتّجار بالبشر". وهؤلاء نحو 10 نيباليّين أُعْدِموا على يد "القاعدة" بالعراق، جاؤوا إلى الأردن مِنْ طريق شركة قيل إنّ أحد أقارب عوض الله هو مالكها. وإذا بمَحاكم "الشيطان الأكبر" صادقة وموثوقة، وإذا بالمناضلين يُعدّون هذا الحادث قرينةً قويّةً على "شيطانيّة" الرجل، الشيء الذي يستدعي رحيله مِنْ غير إبطاء أو تعثّر. فأمسى مدّاحو "القاعدة" و "جهادِها"، و العازفون عن إدانة الزرقاويّ وإرهابه العراقيّ والعمّانيّ، والساكتون عن الكلام في قتل ملايين العراقيّين جرّاء "سياسات" القائد صدّام، والغاضّون الطرْف عن مجازر "الرئيسيْن" فلاديمير بوتين في الشيشان وعمر البشير بدارفور؛ أمسوا ملائكةً رحيمة تذرف الدموع على العمّال النيباليّين.

 

وفي ضوء الوصف المتقدّم (الذي لا ينكر المبالغة ولا يتستّر عليها)، يقتفي خصوم عوض الله "تقليداً" استبداديّاً لا تنفكّ تتردّد أصداؤه في "دول" الاستيلاء والتسلّط. ويقضي التقليد هذا بـ"شيطنة" الخصم أو أبلسته (Demonization)، تمهيداً للإطاحة به والقضاء عليه. والأبلسة هذه "شِرْكٌ" خالص، وهذا يفضي إلى الدهريّة، وهذه عقوبتها الموت. وليست الشيطنة محض صدفة. فالخصم ينبغي له أنْ يكون "شيطاناً"، أو في الأقلّ، عميلاً لـ"الشياطين"، كبيرها وصغيرها؛ لكي يتيسّر السعيُ في تبديعه. فإذا صُوِّر الخصمُ شيطاناً، جاز أنْ تُنسَب له التهم العظيمة، على نحو ما ساغ أنْ يُنفَخ في أسطوريّته.

 

وعلى هذا، فالحملة على عوض الله كانت مدروسة ومرتّبة وتسير بخطىً ثابتة وعلى نحوٍ استراتيجيّ. وعلى رغم تباين ألوان الخصوم وتنافُر أهوائهم وميولهم؛ كان العداء له هو النغم الذي ينتظم طيفهم الملوّن. وكلٌّ مِنْ زاويته و رؤيته (إذا جاز الكلام عن "رؤية" في هذا المعرض الأعمى)، سُدِّدّت الضربات له الواحدة تلو الأخرى. ولم يتورّع الخصوم هؤلاء عن رميه بأقذع الأقوال ولم يعفّوا عن أشدّها رثاثة. وهذا كلّه رسم ملامح أضخم عمليّة ابتزاز سياسيّ -ربّما-في تاريخ الأردن؛ فلم يُعرَف مِنْ قبلُ مَنْ ابتزّ وطنَنه على هذا النحو السافر.

 

وقد يكون كلّ أو بعض ما نُسِب إلى عوض الله صحيحاً، وليست غاية هذه العجالة تبديدَ أو إبطالَ ما نُسِب إليه. ولكنّ ما لا شكّ فيه ولا مرية، هو أنّ ترفّع عوض الله عن الردّ على ما رُمِيَ به، أكسبه احترام الخصوم قبل الحلفاء. وما لا يقبل الشكّ، كذلك، هو أنّ الوجه الإعلاميّ مِنَ "المعركة" التي خيضت في سبيل كسر شوكته، تكنّي كناية صارخة عن أنّ (بعض) الإعلام المحليّ هو مسرح دمى، تسيّره مراكز نفوذ مِنْ وراء أظهُر السياسة والأخلاق. والمراكز هذه، على ما هو جليّ، فجّة الرغبات والشهوات. فلمّا رأى أصحاب الرغبات الفجّة شابّاً يصل إلى المنصب الثالث في الدولة، لم يصدّقوا قيامه بمقامه؛ فأوعزوا برفع الستار عن مسرح الدمى. والحقّ أنّ الدمى هذه أبلت بلاءً حسناً وغير منكَر. وهي الآن، تسترخي صامتةً، ولكنّه صمتُ المتلمّظ المتحفّز، بانتظار دور يدور، أو هاتف يهتف، أو فرصة تسنح.

هذا المقال رفضتْ جريدة "الغد" نشرَه، مثلما رفضتْ بقيّة المواقع الإلكترونيّة الأردنيّة نشرَره أيضاً.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."