محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عفة اللسان و القلم
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم" إني لم أبعث لعانا و لا سبابا و إنما بعثت رحمة"
و قال أيضا عليه الصلاة و السلام" سباب المسلم فسوق و قتاله كفر"
و قال أيضا عليه الصلاة و السلام" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
من الأمراض التي فشت في مجتمعاتنا شرقا و غربا، شمالا و جنوبا، و خصوصا في أمتنا – أمة رسول الله صلى الله عليه و سلم - مرض الخلاف و الاختلاف، " الاختلاف في كل شيء و على كل شيء، حتى شمل العقائد و الأفكار والتصورات و الآراء إلى جانب الأذواق و السلوك و الأخلاق …" إضافة إلى مرض الابتعاد عن الذوق الإسلامي و الأدب النبوي في الحوار و النقاش و التواصل لتقريب الأفكار و الآراء و رَدْم هُوَّة الخلاف و الاختلاف.
من هذه المظاهر المَرَضِيَّة ما نشاهده في بعض الفضائيات من برامج حوارية كلها سب و شتم و لعن و اتهام بالنفاق و العمالة … مبتعدة بذلك عن الغاية من وراء هذه البرامج التي ينبغي أن تكون الوصول إلى الحق و الاهتداء إلى الرشد و الصواب.
و مع عموم البلوى على هذا النحو و انتشار هذه السلوكات المنافية للأدب و الاحترام ندعو كل العاملين في مجال الدعوة و الفكر من حملة الأقلام و الخطباء و الموجهين و الإعلاميين و الساهرين على إدارة القنوات الفضائية… أن يتوقفوا قليلا عند سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و سير الصحابة رضي الله عنهم، و كذلك عند تراثنا الغني ليجدوا قمما عالية في أدب الحوار و النقاش والتواصل، و وَرَعٍ لا مثيل له في عفة اللسان و القلم.
ندعو الجميع إلى مراجعة أحداث غزوة بدر و ذلك الحوار الهادئ بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين الحُبَابُ بن المُنْذِر رضي الله عنه حول مسألة اتخاذ المنزل و الموقع المناسب في هذه المواجهة … و كذلك مراجعة الحوار الرائع بين عمر رضي الله عنه و نفر غير قليل من الصحابة فيهم عثمان و علي و عبد الرحمن بن عوف و بلال رضي الله عنهم أجمعين .. حين أراد عمر رضي الله عنه ألا يوزع الأراضي المفتوحة على المقاتلين من بين المسلمين.. فلقد كان موضوع الخلاف مثيرا لتفسير آيات عديدة من القرآن الكريم و كان يحمل في طياته مصالح كبيرة لفئات يتفاوت نصيبها من الثروة و الحاجة إلى المال.. فما اشتد عمر رضي الله عنه – و هو خليفة المسلمين – في كلمته.. و ما عنف أحدا من الصحابة في عبارة.. و ما انتقل الحوار من شواهد الرأي و أدلته .. إلى بواعث أصحابه و دوافعهم و إنما تبادلوا رأيا برأي و حجة بحجة .. حتى اقتنع الصحابة قائلين بعد حوار طويل" نِعْمَ ما قلت و نِعْمَ ما رأيت "…
و من أجل الوقوف عند بعض من هذا الأدب الجم و الذوق الرفيع في فن الحوار و فقه الاختلاف سأتناول ذلك باقتضاب شديد وفق محورين، أفرد الأول لأدب الحوار ثم الثاني للدعائم الأخلاقية و الإيمانية لفقه الاختلاف.
المحورالأول: أدب الحوار.
باستقراء نصوص القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة نخلص إلى جملة من الآداب و الأخلاق التي يجب مراعاتها أثناء عملية الحوار و تبادل الأفكار و الآراء؛ يأتي على رأسها:
- التزام أدب الإسلام بانتقاء أطايب الكلام.
- حسن الظن بالآخرين.
- التحرر من الجدل و المراء و ردود الأفعال.
- التزام الصراحة و الوضوح و الابتعاد عن المداراة و المجاملة.
- حسن الإنصات و الاستماع.
- الابتعاد عن العبارات الجارحة.
- تجنب السب و الشتم و اللعن.
- الكف عن التفسيق و التبديع و التكفير…
المحور الثاني: الدعائم الأخلاقية و الإيمانية لفقه الاختلاف
تبقى هذه الدعائم ذات البعد الأخلاقي و التربوي الإحساني لها الأولوية في "ترسيخ أدب الاختلاف و تثبيت فكرة الائتلاف و تأكيد معاني الأخوة و التعاون و التسامح التي دعا إليها الإسلام والتي يجب أن تسود و تتعمق بين المسلمين عامة و بين العاملين للإسلام خاصة".
يأتي على رأس هذه الدعائم:
- الإخلاص لله عز و جل و ابتغاء وجهه الكريم.
- التجرد من الأهواء و النزوات و الشهوات.
- التحرر من التعصب للأشخاص و المذاهب و الطوائف.
- إحسان الظن بالآخرين.
- ترك الطعن و التجريح.
- التنزه عن التشكيك في نيات المسلمين.
- البعد عن المراء و اللدد في الخصومة.
- الحوار بالتي هي أحسن.
أختم بكلمات نيرة للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين؛ يقول حفظه الله:" لا إله إلا الله حين نكثر من قولها نجدد بها إيماننا توحدنا و تذهب الخلاف. لا إله إلا الله حين نذكر بها ربنا و مصيرنا إليه توحدنا إذ تذهب عنا الغفلة عن الله. لا إله إلا الله حين تفتح لنا أبواب رحمة الله الواسعة، أبواب محبته و القرب منه تنشلنا من مسارب الغضب و الخلاف الضيقة المبعدة عن الله. لا إله إلا الله حين تضعنا في مقام العبودية لله، نقبل حاكميته و نرفض ونقهر حاكمية طاغوت الهوى والشيطان، تؤلف بيننا في وجه طواغيت الأرض من حكام الجور، و تذيب ما تصلب من عواطفنا لما التفت بعضنا إلى بعض فنسي الله و نسي الجهاد في سبيل الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله حين تلفتنا إلى كتاب الله و سنة رسوله تمسح عن قلوبنا لأواء التعصب، و تأخذنا أخذا رفيقا بين يدي الله و رسوله، نرد إليهما أمرنا،…هذا حق التربية و الوعظ في حسم الخلاف ".
و الله أسأل أن يوحد قلوبنا على حب الله و حب رسوله صلى الله عليه و سلم، و أن يزيل عنا أسباب الفرقة و النفرة و أسباب قسوة القلب، إنه سميع مجيب.
الخميس 18 صفر الخير 1428
عزيز بن عياد المكودي
makody@maktoob.com
|