محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قصة خيبة
الى الروائية زهور كرام، في ذكرى عتبة فرنسا
رمت بجسدها خلف المقود.. انطلقت كالسهم، تفصل الدروب وتخيط الأزقة دون اتجاه محدد..لا شيء يشغل تفكيرها سوى سؤال واحد..
" أيمكن أن يقع لي هذا هنا.. والآن بالذات ؟"
بعد أن أصبحت خارج المدينة خارج جمهرة الناس..، قذفت بنفسها وبباب السيارة خلفها، وراحت تركض دون اتجاه..رغبة بالصراخ تخنق أنفاسها ، تسكن كيانها ..صداها تردده الأشجار، جدران وطيور المكان. لم تكن تعرف أنها الآن بفضاء المطار المهجور ، الذي أصبح فضاء يلم كل تلاوين النباتات ، والأشجار إلا حين توسط جسدها فروعا تمتد حول خاصرتها ..وجدت نفسها داخل "الهنكار"<1> والعادة أن بابه مقفول بإحكام. لكن ، كيف فتح، لا تدري !.. العرق يتصبب من جسدها، حتى أمسى قميصها وسروالها وتبانها ملتصقا بجلدهادقات قلبها المتسارعة ، وحشرجة البكاء يكسران صمت المكان ..
- كان عليك أن تنتبهي وأنت تفتحين الباب !
- ........!!؟؟؟؟
- هل كانت تتبعك أصنافا من ذئاب العالم الجائعة ؟؟
توقفت أنفاسها وهي تسمع صوتا رجوليا..التفتت يمنة ويسرة..المكان فارغ يلفه ظلام الليل وسكينة الطبيعة، كانت تدرك أن عليها الانتظار حتى يتأقلم نظرها مع ضوء المكان..
- أنا هنا أيتها الصبية ........!!؟؟؟؟
"من ذا الذي يناديها "صبية" وهي المرأة التي عانقت الأربعين؟؟" ، بدت عدسة العين تتأقلم مع الضوء الخافت، لاح هو جالسا القرفصاء يحاول النهوض ، وبيده اليمنى علم أحمر ..تراجعت هي الى الوراء بينما زحف هو على الأربع، حتى اقتعد كرسيا وجلس ..رجله اليمنى يحركها بصعوبة ، ظل ممسكا بعلمه الأحمر، هز رأسه اتجاهها، أمسى وجهه مقابلا لخيط النور الوالج للمكان من إحدى ثقب الجدار، تسمرت هي في مكانها، الدهشة تعلو محياها ، صوته لا يقابل شيخوخته البادية، ازداد اندهاشها وحيرتها حين وجدت نفسها وسط مكان يوحي بكل ما به من أثاث أنه منزل قد تكون مساحته لا تتجاوز 60 م مربع،احتارت أكثر عندما تذكرت بأن الباب الذي دفعته بتلك القوة والتي لم تتخيل قط من قبل أنها تمتلكها، الباب هو الباب الصغير ل"هنكار" المطار المهجور الذي كانت على علم بأنه يتسع لطائرة من الحجم الكبير ..وهي العارفة بالمكان من كثرة ترددها عليه في لحظات العزلة مرفوقة بالقلم والورق ، حتى أن الكل هنا يعرفها وجل من يقصدونه للانعزال مع ذاتهم أو مع ... يبادلونها التحية..هي متيقنة بأن المكان ليس به إلا برج مراقبة مهدم الجنبات و"الهنكار" محكم الإقفال ..
صوت القطار الذي كان يصل من بعيد جعل الشيخ يترنح في مكانه أكثر فأكثر أما هي فلم تدر بالأمر إلا عندما اهتزت جنبات المكان ورقصت معهالأواني من شدته ومع صفارة المنبه رفع الشيخ العلم الأحمر وراح يلوح به بخيبة .. ابتعد القطار حتى لم يعد يصل صدى صوته الى مسامعهما ..
- لأول مرة في حياتي ..هذا غير ممكن ؟؟!!
- لكن ..لا أفهم ..القطار ؟! هذا غير عادي، وأنت .. !! من أنت ؟؟؟
- الراية حاجز...لم يعد مهما مند أن أصبحت الطريق المعبدة مهجورة، لكن القطار السريع بالأخص..
- ليس هناك قطار ولا سكة حديدية، ولا حاجز ولا حتى الراية !!!..على مقربة من هنا ولدت ..لا وجود لقطارك ولا سكتك الحديدية..أنت قد تكون أي شيء، ولكنك لست حقيقة..وما سمعته الآن قد يكون صوت أي شيء وكل شيء إلا أن يكون قطارا فهذا غير ممكن..هنا بقايا مطار مهجور تكسوه الأعشاب الطفيلية ليس إلا..
- وأنت ! من تكونين ؟ .. و ماذا تفعلين هنا ؟ من أذن لك بالدخول الى برج مراقبتي ؟ ..أي !!! كعبي ..أنت أيتها العاصفة التي رمت بي أرضا قبل قليل رغم أن جسدك ليس إلا قصبتين وكرة صغيرة وكأنك تمرين قرب < النعمة> دون الاقتراب منها.!.أيتها الصبية ..أي كعبي !!! ..
- لست صبية ...على أي اتركنا من هذا كله أيها الجد..كم أرغب أن تكون حقيقة لهذا اتركني أرى ما بك..
جلست أمامه وقد هدأت بعدما مرر يديه على وجنتيها ومسح دموعها ، جلست وشرعت في إزالة حذائه ما أن فعلت حتى أصابتها رائحته النتنة ..أحضرت آنية بها ماء وأخذت تغسل رجليه بعدها قامت بدلك الكعب الذي يؤلمه ، بقليل من زيت الزيتون تم أحاطتها بضمادة من القماش ..
- لم أفعلها منذ خمسين سنة، الأكيد أن سائق القطار سيخبرهم..صبية لا تتقن فتح الأبواب..أخبريني هل كنت هاربة من قطيع ذئاب جائعة ؟؟؟
- حكاية القطار هته ، لا ولم ولن أصدقها ..ليس هناك لا راية ولا محطة قطارمهجور. لا توجد إلا بقايا مطار مهجور ..وقد أقفل منذ أزيد من عشرين سنة
- كيف عرفت بوجوده وبحكاية إقفاله، حتى وإن كان ما تقولينه صحيح، أنت لم تتجاوزين بعد العشرين سنة أيتها الصبية..
- صبية !!! كم تضحكني هذه الصفة التي تنعتني بها ، لكوني متيقنة أنني على مشارف بلوغ سن اليأس
- الطريق وقد غيروا مساره أما المحطة الصغيرة هاته ، فأنا أدرى منك بها...
- هل فعلا أنت هنا !!ومقيم. ..و..
- ومن الذي ترينه ؟؟ ألا تعجبك "البورنيتة"<2>وكذا " الكارنيتة"<3> هذه ..
- إنها لا تشبه الحقيقة !!!
- من ؟؟ !!!
- "الكرنيتة"..
- أية حقيقة ..؟؟
- حقيقة أن المكان هو..
- ما تبقى من مطار مهجور ..
- لكن في نهاية الأمر من تكون ؟؟
- "حارس الراية" ولا شيء أخر..
- حتى يمكن أن تكون هناك راية، يجب أن يكون هناك قطار..و..
- أولم تسمعينه يمر !!!
- نعم !!! لا !!! لست متيقنة ..
أمسك بيدها وبحنان دفعها للجلوس على كرسي على مقربة منه
- لنترك القطار والمحطة ومطارك المهجور ، وكذلك أنا ولنعود إليك أنت بالذات ..عندما اخترقت علي عزلتي ، أكنت فارة تبحثين عن ملجأ ..أليس كذلك ؟؟
حركت رأسها بالإيجاب واسترسل يسألها إن كانت هاربة من البيت أم من الوالد أم من..، كانت حركات رأسها هي التي تجيب...حتى ضاقت من أسئلته فصرخت صرخة الضحية ..
- من ذاتي..
- يا للجواب القاسي المؤلم..
- لا أحد يمكنه فهم ذلك
- حقا ..
- هل تريد أن تعرف ؟؟
- .......؟ !!!
- لم تقل شيئا ؟!!؟ لماذا لا تلح ؟؟ قد جرت العادة أن الكل يلح على أن نتكلم حتى يمكنكم أن تفهموا إلا أنكم لا تفهموا شيئا أبدا، أنتم تريدون فقط السماع..
غادرت مكانها لتروي الرمق وأحضرت معها نفس الكأس الذي شربت منه وناولته إياه، لم يمسكه ، بل جعلهاتضعه على طاولة مكتبه الهش الذي يتوسط المكان وهو يقول :
- سيكون أمر شربي الماء مستحيلا، بل من سابع المستحيلات، بما أنني غير موجود ولست حقيقة، كما يتخيل لك الآن ومنذ أن ولجت هذا المكان..
- يمكنك أن تلقنني الدرس كما يفعلون كلهم..
- أنا !!! أنا لست كلهم !!! أنا كل شيء وحتى لا شيء..إلا أنني لست كلهم..
- لما ؟؟
- لأني وببساطة ، ليست لدي إجابة على تساؤلاتك ..لأقدمها لك ..لكن يمكنني وبكل بساطة أن أضيف أسئلة على أسئلتك..أعرف أنها لن تحل المشكلة، لكن قد تساعد
قامت من مكانها ..أزاحت الطاولة حتى أصبح المكان أمامه فارغا يسمح بالحركة وبكل حرية ، وعلى السطح راحت ترقص بخفة وكأنها ريشة يداعبها النسيم ليدفعها تحتل المكان كله في تنقلات توشي بوداعة الروح وطيبو بتها وهو يتابع رقصها الكوريغرافية هذا وكأنه يتمتع بلحظة لعب مع فلذات أكباده ..توقفت وسط الفضاء ..لحظتها وصل الى مسمعها صوت قطار يقترب ، ركضت اتجاهه لتساعده على الوقوف وقد مدت له العلم الذي كان قد وضعه على طاولة مكتبه المهترئة إلا أنه وبابتسامة الجد الوقور أخبرها بعد أن أخرج الساعة من جيبه أنه غير معني بقطار هذا التوقيت لذلك لن يخرج لاستقباله ..عادت الى فضاءها وقفت في الوسط ، وقفة تركيز وكأنها ممثلة تستعد لجعل الشخصية كائنا يسكنه ويعيش فيه وبعد وقت لم تغادر عيناه تتبع حركاتها بدأت تحكي ..
" بعد الحروب تخرج النساء من باطن الأرض، من بطون السفن، من مخازن القصور، للبدء في غسل الأرض، الأجساد، وحتى جروحهن ..على ظهورهن الأطفال متشبتون فاتحون أعينهم نحو السماء. الحروب..حروب..وحروب..
تغادر النسوة باطن الأرض حيت كانت تسجنهن الحروب..وهنا !! امرأة تقف أمام النافذة ذاتها، تبكي يومها، والجندي ابن البلد الذي ما اغتصبها إلا ليقدم نفسها المغتصبة لسماسرة الحروب..تسأل هي لما؟ وتجيب لأنه، حتى وإن كان ها هنا فإنه خائف، هو خائف من ذاك الخوف الذي هو أدرى به، خائف حتى من العنف الذي وهب له نفسه ..وأمام المرآة يتسمر ويتأمل نفسه، لا صورته ويقول..أظن أني لا أحب الحرب ..حالما يبتعد من المرآة يقول لنفسه لم أعد أحب أن أكون كما عهدت نفسي وأنا، أنا سأخبركم بأمر لقد رأيت حلما فيه الناس والعشاق في العالم أصبحوا منشغلين بكل شيء إلا بالحب..حلم فيه صوت ويد تمتد حولي، وهي تصرخ لم يعد لك الحق في السراح المؤقت، وامرأة تهمس لنفسها أنها ذاهبة للسينما لأنها تعشق التبول الشهواني وهي تراقب حركات بطلها على سطح الشاشة، وتضيف لهمسها أبنائي لم يعد لهم أب هل يمكن أن تبكي مكاني؟؟..وفي حلمي هذا كنت أرى نفسي، وأنا معلقة، وسط زمرة من الرجال، أنا وهم وسط "لاراف"<4> ..وهم يطالبونني..
- هل يمكن أن تقفي ؟؟
- أنا أقف ؟؟ ولما ؟؟
- قفي حتى نراك
- هكذا تريدون رؤيتي
- نعم لأنه قد مر علينا زمن لم نر فيه حتى خيال قوام امرأة.
لحظتها فكرت أن أزيل كل ملابسي حتى أرتدي تلك الأعين ، التي كانت خارج "الفاركونيت"<5> الأعين التي تغتصبني ألف مرة دون إذن..وقمت ..كنت واقفة لأقطع المسافة، مسافة السفر، حتى تقتحم سهام أعينهم جسدي وبهدوء..لقد قلت ما لم يمكن سماعه، لأني منذ زمن لا أرى إلا من خلف السحاب..سأحكي لكم حكايتي، فأخي لا يفكر إلا في رفاقه، في عنفه، إنه عنيف كوالده، فبلكماته يسوي الأمر مع المجتمع، لأن هو والمجتمع دائمي العراك، والدي أي والده يسوي الأمر بهدوء لأن بالنسبة له المشاعر المعبر عنها ضعف..أما أنا فأريد أن أصرخ بكل قواي، دون أن تقولوا لي اصمتي..أريد أن أشاغب دون أن تصرخوا في وجهي راقبي ما تفعلين، دون أن ينهرني أحدكم، احتجبي !!! اختبئي !!! استري ساقيك !!! "
وقفت أمامه وهو جالس جلسة المتفرج..اتكأت نحوه حتى أصبح وجهي في وجهه ، همست له ..
- كل هذا وأشياء أخرى ، أحكيها دائما للجدران والأشجار والطيور فقط ..
- لما ؟؟
- لأن للجدران أذان وليس لها فم ..
- والأشجار لا تستجيب إلا للريح، لكنها تتقن فن أخذ الوقت الكافي للإنصات
- والطيور كل ما يقولونه فهو شبيه بالغناء
- وكل ما نسر لهم يحملونه معهم نحو السحاب
امسك بمعصم يدها وبحنان جذبها ليجلسها على ركبتيه، وأخذ يمسح ندى دمعها وهو يحرك أرجوحة ركبتيه وكأنها رضيع بين يديه يرغب أن يجعله ينام مطمئن البال..التفتت إليه هامسة
- الناس لا تحب أن ترى إلا ما تريد
- أنت لست في حاجة لحلم
- كيف ؟؟
- لا يمكننا دائما شرح كل شيء
أخرجت مشطا من جيب سروالها وناولته إياه، ليشرع هو في تصفيف شعرها، ولسانها يردد تعويذة بصمت..
- نسيت أن أسألك عن..
- اسمي زهور ..
صوت قوي يهز المكان ، وقفا مندهشين ، شرع هو في تحريك علمه بإشارة تخبر سائق القطار ومساعديه أن بابا من أبواب القطار مفتوح على مصراعيه ، أما هي فقد انفجرت ضاحكة لأنها أدركت أن الصوت صوت محرك طائرة ، اقتربت منه وقبلته فوق جبهته ، لحظتها عم ضوء قوي للمكان وأصبح "الهنكار" هو الموجود بكل مكوناته ووسطه طائرة تستعد لمغادرته ..التفتت لتوديعه كان هنا واقفا لم يعد العلم الأحمر في يده بل عقد منظوم من أوراق التوت اقترب منها ولفه حول عنقها وأصبحا جسدين يضما بعضيهما ، ختمت توديعها له بهمس كلام في أذنه وأخذت تركض خلف الطائرة التي توقفت على المدرج خلف الهنكار . ما إن وضعت رجليها على درج سلم الطائرة حتى سمعت صدى صوت قادم من "الهنكار"مصحوبا بصفير القطار ..
- هل عادوا ليرفعوا الأعلام المختلفة الألوان، جاعلين من أنفسهم قناصل ..فليحملوا راياتهم الحمراء..لن يعبروا إلا لبوابات المستحيل !!! ..
1- المستودع
2- نوع من القبعات
3- غرفة مربعة الشكل، خاصة بالحراس..
4- سيارة الشرطة
5- لفظ دارج وتعني سيارة الشرطة
|