محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أنفك منك !!
تعجبتُ في حالة غريبة راودت فكري خلال الأيام الماضية .. فبقي مشتغلاً بمحاولة ربما تكون قد وصلت لنتيجة غريبة .. عن حب الإنسان لرائحة نفسه ورائحة من يفديه بنفسه !
بدأت الحالة معي منذ القديم .. تراود ذهني تارة وتغادره سنين .. بدأت أفكر في نفسي أولاً .. فمنذ الصغر وأنا أتعلق بشم جزء من رائحتي .. وأجدني ربما دون وعي أحب رائحة هذه الجزئية فيني ..
أضع عطراً .. وأبدأ طيلة اليوم وليلته وأنا أشمه بين فترة وأخرى .. لا ... وأزيد على ذلك بامتحان من يجلس بجواري .. فأمد له طرف " كمي " أو " شماغي " وأطلب منه رأيه برائحة ذلك العطر !
ذاك حين يكون عطراً .. ولكني أمارس هوايتي بشم يدي دوماً وشم أطراف رسغي ومناطق غريبة في ذراعي .. وفي أوقات لا تعد ولا تحصي .. من ثيابي .. ابتداء بشماغي وانتهاء بفنيلتي حين أهم بنزعها ..
هذه الحالة ليست حالة استثنائية .. أو وقتية .. هذه الحالة ملازمة لي منذ الصغر .. ولم أعي – بحق – لنفسي إلا قبل أيام قليلة .. لماذا كل هذا الهيام بهذه الحالة " الشمية ! " !!
بدأت حياتي .. وأنا أنام بجوار سرير والديّ .. وقبل أن أنام أتوسل لأمي بكل ما عندي من وسائل طفولية عاطفية ... أن تمد لي يدها لأشمها ..!
أتذكر – حتى لحظتي هذه – رائحة الحناء في أطراف أصابعها وفي وسط كفها .. فأسكر مع جمال تلك الرائحة " رغم أنها لم تكن جميلة بحق ! " .. وأدوخ حتى أنام عليها !!
هذه حالة غريبة لي .. لم أسمع بشخص ولم تر عيني شخصاً يطبقها .. سوى ابني ياسر الآن !!
فهو لا ينام .. حتى يتوسل لأمه أو لي أحياناً .. فيلقف يدي أو يدها .. ويشمها ويتحسسها بأطراف أصابعه .. ثم يدوخ وينام !!
وحين ألبس شماغي .. يأتيني ويحضنني .. وأنا أشاهد عينيه في هيام .. فهو لا يحضن لمجرد الحضن إنما يشتمني كذلك !!
ويكرر بلغته الطفولية : يا ذين ريحتك بابا !
أما أنا .. فلم أشم في حياتي رائحة كأجمل من عطره " رغم أن عطره الجسدي غريب جداً " .. ورغم أني أصلح العطور وأخلطها بيدي منذ سنين وأكاد أميز عشرات العطور بمجرد شمة واحدة !!
بعد ذلك ..
بدأت أتأمل من حولي !!
أخواتي يؤكدن أن رائحة أبنائهم هي أجمل عطور الدنيا !!
حركات غريبة في صلاة الجمعة والناس منكبين على قراءة القرآن وبحركة عفوية غير مقصودة .. يأخذ أحدهم يده ويشمها ويأخذ طرف شماغه ويشمه ويشم رسغه وربما طرف ذراعه وربما طرف ثوبه .. كل ذلك وهو لا يشعر ولا يخرج من أنفه شيء !!
أسلم على شخص .. فأشم معه عطر شممته قبل 20 سنة أو أكثر .. فأتذكر الموضع الذي شممته به واللحظة التي دخلت فيها تلك الرائحة لمخيلتي !!
أسير بجوار محل للزهور .. فأشم رائحة زهرة .. شممتها يوماً فوق سفح جبل ما .. أقف لحظات فأستذكر الموقف والجبل والحديقة التي حلقت بي تلك الرائحة إليها !!
ولأن القطط هي أقوى الحيوانات في رائحة الشم .. وتتغلب على الكلاب التي تأتي بالمرتبة الثانية .. وتستخدم الكلاب في العمليات العسكرية للتفتيش عن المخدرات أو الممنوعات في المطارات ..
فإن هناك عائلة شهيرة في بلدنا .. تلقب بال"بساسة " وهي جمع " بسة " والتي تعني قطة في لهجتنا !
أحد أولئك .. يميز كل زملائه برائحتهم !!
وهي قدرة عجيبة في قوة الشم والتمييز بين الناس حسب روائحهم ..
فأجروا له اختبار .. وأدخلوا أصحابه واحداً تلو الآخر .. ليختبروه .. ومع دخول كل شخص " وهو مربط العينين " يدعيه باسمه !!
أقول دوماً .. بأن الشم من أقوى المنافذ إلى القلب .. ولهذا يستخدمه العشاق كهدايا لمعشوقاتهم ..
ولأن الشم من أقوى المنافذ إلى العقل .. كون الذاكرة المرتبطة بالشم تبقى وقتاً طويلاًَ .. وهي على حسب توزيع المولى في جسد الإنسان .. وقوة نفوذها إلى العقل ..
يبقى .. لكل إنسان جزء في جسده يعشق رائحته ..
أميل " بحق " لرائحة العنبر حينما تفوح من رسغي .. خلف الساعة بيدي اليسرى ! ( وهذا أحد أسراري ! )
لكن !! تبقى رائحة طفلي هي الأجمل من بين كل الروائح التي شممتها ..
تقديري وجزيل احترامي
م/محمد الصالح
|