المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
سلاح الخسف النووي

 

كان لوالدتي رحمها الله مروحة مصنوعة من خسف (سعف) النخل متعددة الأغراض ، فهي تجلب لها الهواء في فصل الصيف وتقلب لها جمر البخور في فصل الشتاء، وتقرب بعصا المروحة ما بعد عن متناول يدها من الحاجيات ، وتتناول بها الحاجيات المرتفعة عن قامتها، وتصل بها ما لا تطاله يدها من صفحة الظهر ، ، وتطرد بها الحشرات  ، ولكن أسوء استخدام لهذه المروحة تتجلى عندما تغضب الوالدة ، فتضرب بها كيفما أتفق، خبط عشواء فلا يبقى شبر في الجسد إلا نال حظه من لسعاتها ، ولأن الوالدة كانت تعتبر البنك المركزي للأمانات في الحي، فقد كانت الموسرات من عجائز الحي يحفظن الفائض من أموالهن لديها ، وهي ليست بالمبالغ الكبيرة ، ولكنهم ربما وجدن فيها الدقة في الحساب والأمانة في المعاملة ، ولكونها لا تجيد القراءة والكتابة فقد كانت تضع النقود في ظروف مختلفة الألوان ،وفوق هذه الظروف تضع مروحتان من مراوح الخسف على شكل الصليب المعكوف كالتي توضع على المفاعلات النووية وتعطي معنى ممنوع الاقتراب أو خطر الموت، فلا أحد يجرؤ على مجرد المس. وهذه الودائع النقدية لا توضع في خزنة من حديد كالمتعارف عليه ، وإنما تخصص لها رف في الدولاب الوحيد في المنزل والذي تحفظ فيه ملابس كل أفراد العائلة، وهذا الدولاب ذابت أبوابه منذ أزمنه بعيده فاستعاضت الوالدة بها ستائر صنعتها بنفسها ، وكل شيء هنا من صنع يديها ، وهذا الدولاب من شدة ازدحامه مهيأ للسقوط لولا قيام السرير بمساندته وبدعم من جدار الغرفة من الجهة الاخرى، فلو تطفل احد عمّار المنزل وسحب السرير لانهار الدولاب ثم تبعته جدران الغرفة ثم السقف كنهاية حتمية. ومضت أعوام تبعتها سنون، ودخلت المراوح الكهربائية المنازل، ثم تبعتها أجهزة التكييف بكل أنواعها، وبقية مروحة الخسف صامدة في يد الوالدة لا ترضى عنها بديلا، وعندما اختارت الوالدة أن تكون إلى جوار ربها، لم تترك الكثير من الحاجيات، إلا انني حرصت ألا تكون المروحة من نصيبي، فلي معها ذكريات موجعة ،واكتفيت بثوب متواضع من قمصانها اشتم فيه رائحة جهادها وكفاحها الغير عادي، في زمن شح فيه كل شيء إلا القيم والأخلاق وحسن المعاملة وطيب الجوار.       

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."