محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
السجن للجدعان

(...)
لا اعرف علي وجه الدقة من الذي أطلق المقولة المصرية الشهيرة " السجن للجدعان " أو حتى " السجن للرجالة " بمعني الرجولة و ليس الذكورة ولست متأكدا تماما من نيته حين أطلقها !! هل كان يقصد بها فعلا انه لا يسجن إلا الجدعان أصحاب المواقف أم انه كان يلصق أفعاله الإجرامية بصفة الجدعنه والرجولة لكن علي أي حال لقد ذهبت مثلا وأصبحت هي التعبير الأشهر إذا أردت أن تجامل شخصا وقع عليه حكم السجن ظالما كان أو مظلوما ً.
تداعت هذه المعاني في ذهني وأنا أتابع قضية صديق لي تلقفته الأيادي السوداء – أيدي جهاز امن الدولة – في ليلة من لياليهم المظلمة كقلوبهم ثم أسلمته إلي النيابة العامة التي يفترض فيها أنها سلطة مستقلة لا تخضع إلا لقانون يساوي بين الناس ولا يحابي حاكما ولا رئيسا ...!!
إلا أن الأحداث كشفت انه لم يعد هناك جهاز واحد مستقل في مصر المنحوسة وان الجميع انضم لمنظومة مبارك مخيراً أو مجبرا ً ، وان الجميع بلا استثناء رضي بدور الكومبارس في هذه المسرحية الممجوجة أو قل رضي بدور المحلل في هذه الخطيئة الإنسانية والشرعية ألكبري .
صديقي هذا يدعي عبداللاه جاد الرب وصل إلي درجة مدير عام في فترة وجيزة نظرا لجديته و انضباطه وكفاءته والذي يعرفه عن قرب يدرك انه الانضباط سمة من سماته في عمله في بيته مع أصدقائه فلا غرو أن تقوده هذه الصفة إلي تبوء مكانه الوظيفي المستحق .
لماذا اعتقلته قوات امن الدولة ؟ لماذا تجدد له النيابة العامة الحبس مرة بعد مرة ؟ هل هو خطير إلي هذه الدرجة ؟ هل وجدوا عنده متفجرات ؟ أوراق تنظيمية لأي جهة كانت ؟؟
لا لم يجدوا شيئا إلا كشكول كتبت فيه زوجته بعض الفقرات عن تربية الأولاد نقلتها من محاضرات عامة ومن الفضائيات أو من الانترنت... ثم ألحقت في نهاية الكشكول كشفا بأسماء أسر الأيتام المقيمين في منطقتهم السكنية موضحة حاجات كل أسرة تنظيما لعملية كفالتهم !!
هذا طبعا لا يقيم قضية ولا يقدم أي مبرر لاعتقال الرجل فما كان من أشاوس أمن الدولة إلا أن اخذوا معهم كتابين هما كتاب (فن تربية الأولاد ) و كتاب (فقه السنة) !!!!
قال لي أثناء عرض النيابة أن وكيل النيابة كان يحقق معه في امتلاكه لكتاب (( فن تربية الأولاد)).هل كان وكيل النيابة جادا فيما فعله أم انه كان يحاول أن يملأ فراغ الوقت والأوراق ..هل الاهتمام بتربية الأبناء جريمة ؟وهل رعاية الأيتام جريمة ؟ وإذا لم يكن في القضية سوي هذين الكتابين و الكشكول اليتيم فلماذا ينتظر وكيل النيابة في كل مره قرارا يأتيه عبر الهاتف ؟ وممن يصدر القرار اهو من المحامي العام أم من....؟

(...)
إلي متي سوف يصير هذا حال الجدعان في مصر.. لهم السجن و للمخنثين الضوء والثروة و الشهرة..لقد مللت من مصر هذه نظاما و حاكما و محكومين أيضا فهم يتحركون بالتصوير البطئ من اجل نيل حقوقهم ..يجلسون علي المقاهي ينفثون دخان الشيشة و عيونهم تلتهم لحوم الفضائيات لا يعبأون بخيرات بلادهم المنهوبة ولا بحقوقهم المسلوبة يرضون بشظف العيش مرتدين زى القانعين وهو لعمري زى العاجزين الخائبين .
يعرفون إنهم يُسرقون ومع ذلك تجدهم يحللون للص جريمته و يتبارون في تقديم الأعذار عنه و التماس الحجج له..تراهم في كل واد يهيمون ومع كل قادم يهللون إن كان شرقي قومي فهم كذلك وان كان غربي عالمي صاروا كذلك وان كان لا لون ولا طعم ولا رائحة وطنوا أنفسهم علي ذلك !!

(...)
تعَود المدونون و الناشطون علي الاهتمام بالقضايا الكبرى والأحداث الجسام خاصة ما تعلق بنواحي سياسية أو أحداث مشهورة ورغم كل هذا الزخم التدويني و ألاف الصفحات المكتوبة قلما تجد اهتماما بالبعد الاجتماعي - بمعني الاهتمام بقضايا الإنسان الفقير و السعي العملي لحلها أو تقديم الحلول العملية للقضاء عليها .
ما اعنيه بالبعد الاجتماعي ليس فقط قضايا تعني بالحياة الزوجية و مشاكل العنوسة أو غير ذلك مما يتبادر إلي الذهن وإنما اعني به( مشاكل الناس ) الفقراء ،المرضى ،أمثال هؤلاء البعيدين عن دائرة الضوء ومجريات الأحداث .
هل يمكن أن ينطلق التدوين كخدمة اجتماعية وطريق للتواصل بين المعوزين والمانحين هل يمكن أن نري المدونين في شوارع الفقراء يسعون لنقل آهاتهم و توصيل صرختهم في وقت تغافل عنهم أولي الأمر ؟!
لا اعتقد أن هذا يمكن أن يكون عسيراً علي المدونين الذين يتصدون للمحذورات السياسية و غيرها وبهذا ينتقل التدوين من كونه فضفضة كما يحلو للبعض تسميته إلي عطاء فعال في مجتمعات تئن من الفقر و الكبت والموت .
|