المعادلة الثالثة :
الإرهاب + رحمة الله = السلام
الناس ليسوا سواسية في تقدير الحق واحترامه، وليسوا ملائكة معصومين. إنما هم بشر يصيبون قليلا ويخطئون كثيرا ، ونوازع الشر فيهم أقوى من نوازع الخير. ولو طبق المسيحيون أنفسهم قول نبي الله عيسى عليه السلام : "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فسلم له خدك الأيسر. وإن أخذ منك القميص فزده المعطف" لأكل بعضهم بعضا. لذلك كان من رحمة الله الواسعة بعباده أن يسخر للحق جنودا أقوياء يردون الناس إلى جادة الصواب لتجنيبهم عواقب انحرافاتهم الوخيمة، وبنى تحقيق السلام على أركان الرحمة الخمسة :
1 ـ البيان والتبليغ :
) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ([44 النحل]
2 ـ التخيير :
) لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم.( [256 البقرة]
3 ـ الردع :
) تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون . ([229 البقرة]
) ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه . ([1 الطلاق]
4 ـ الجهاد :
) وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين.( [190 البقرة ]
5 ـ المهادنة أو التوبة والصلح :
) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله. إنه هو السميع العليم.( [61 الأنفال ]
وفيما يلي إضاءة حول الحدود القرآنية لمفهوم مصطلح "الإرهاب" :
يقول الله ـ عز وجل ـ في "آية الإرهاب" من سورة الأنفال :
)وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم. وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ؛ وأنتم لا تظلمون ( [ 60 الأنفال ] .
فالعناصر التي تتكون منها هذه الآية تسعة وهي على التوالي كما وردت في القرآن الكريم :
1- الإعداد.
2- الاستطاعة .
3- القوة .
4- رباط الخيل.
-5 الإرهاب.
6- عدو الله.
7- عدو المؤمنين .
8- أعداء آخرون يعلمهم الله .
9- الإنفاق في سبيل الله.
وعند التمعن في هذه العناصر يتبين لنا ما يلي :
أ. لفظة "الإرهاب" محاصرة ما بين أربعة عناصر من الأعلى وأربعة عناصر أخرى من الأسفل.
ب . عنصرا "الاستطاعة" و "القوة" محاصران ما بين عنصري "الإعداد" و "رباط الخيل".
جـ . "الاستطاعة" مفتوحة على جميع الواجهات، تستغرق الماضي والحاضر والمستقبل.
د . "القوة" لا حدود لها، ولذلك جاءت في صورة نكرة مسبوقة ب (من) التبعيضية، وكذلك "رباط الخيل".
هـ. "رباط الخيل" يدل على الإعداد والاستعداد، ولا يحتمل مفهوم الهجوم، لأن الإعداد أصلا موجه إلى الردع فقط من أجل منع الخصم من التفكير في الإقدام على الاعتداء نظرا لوجود القوة المضادة المستعدة لدحره. وهذا هو مفهوم "الإرهاب" الحقيقي : "الإرهاب في المفهوم القرآني الأصيل المحكم هو مجرد إعداد القوة العادلة الرادعة دون اللجوء إلى استعمالها إلا في حالة الاضطرار القصوى عندما تسول للعدو نفسه المغرورة الأمارة بالسوء أن يعتدي على المستأمنين، فيكون في الوقت نفسه معتديا على نفسه. والاعتداء على النفس في حد ذاته تعد لحدود الله. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه." وهنا ينتهي الحد الأول لمفهوم الإرهاب.
و. أما الحد الثاني لمفهوم "الإرهاب"، فيتكون هو أيضا من أربعة عناصر تتأكد من خلالها مواصفات الأعداء الذين يجب الإنفاق في سبيل الله من أجل إعداد القوة لردعهم نفسيا ومعنويا قبل كل شيء دون استعمال أي سلاح مادي. وهذا ما كان حاصلا قبل انهيار المنظومة الشيوعية، ما بين "الاتحاد السوفياتي" و"الولايات المتحدة الأمريكية". فكلاهما كان يعلم أن صاحبه قد أعد لردعه ما لا قبل له به من قوة ظاهرة وخفية. فتحولت الحرب من جراء ذلك الاستعداد المتقابل من حرب ساخنة إلى حرب باردة حسم أمرها الجواسيس والعملاء.
ومن الجدير التنبيه إلى أن عدو الله هو أول من يجب الاستعداد والإعداد لإرهابه وردعه، لأن عدو الله لاشك في أنه عدو لنفسه قبل أن يكون عدوا لغيره. والله لا يريد ظلما للعباد. ولذلك سخر بعضهم لبعض وسلط بعضهم على بعض كي تتحقق قاعدة الفتنة الربانية فينجو من نجا عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، من البشر كافة ، وليس من المسلمين خاصة ؛ لأن الإسلام دين الإنسانية كافة : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
ولقد جرت العادة على أن لا يستشهد المسلمون في سياق الحديث عن إعداد القوة بآية الإرهاب إلا منفصلة عن سياقها القرآني العام في السورة نفسها. وربما اقتصر بعضهم في أحيان كثيرة على ذكر الجزء الأول منها فقط (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل).
والحقيقة هي أن المعنى الدقيق للفظة "الإرهاب" الواردة في هذه الآية لا يمكن تحقيقه بخصوصيته وعموميته معا إلا داخل سياق الآيات الإحدى عشر من الآية 55 إلى الآية 65 من سورة الأنفال. فمن خلال هذه الآيات تتحدد بوضوح الأسباب الوجيهة لإعداد القوة الرهيبة من أجل إرهاب الأعداء على أساس خمسة أركان بها وحدها يتحقق السلام في العالم :
الركن الأول :
إن تكرار الأعداء لنقض عهود الصلح أو الهدنة التي عقدوها مع المسلمين لهو دليل قاطع على أن هؤلاء الأعداء لا يوثق بهم ولا يؤمن جانبهم أبدا، خاصة وأن النقض لم يتكرر مرة أو مرتين فحسب بل هو يتكرر في كل مرة ! ومن المعقول إذا أن يؤدي هذا النقض المتواصل للعهود بالمسلمين إلى انعدام ثقتهم وإلى خوف مستمر من احتمال وقوع خيانة الأعداء لهم ومباغتتهم بالاعتداء عليهم. ولذلك فمن حق المسلمين أن يردوا علىنقض العهد بالمثل وأن يعدوا العدة الكافية لردع أعدائهم،دفاعا عن أنفسهم وعن عقيدتهم.(الآيات 55 -58).
الركن الثاني :
بعد أن أدان الله أعداءه وأعداء المؤمنين، وخول للمسلمين حق الرد بالمثل، طمأنهم وبشرهم بأن الله معهم، وبأن الكفار الذين كفروا بالله و نقضوا عهودهم (ونقض العهد في حد ذاته كفر بالعهود)، لا يعجزون الله أبدا مهما تجبروا و اغتروا بما حققوه من أغراضهم الدنيئة بمبادرتهم إلى نقض العهود وخيانة المسلمين.( الآية 59 ).
الركن الثالث :
لا شك في أن الله لا يعجزه شيء أبدا، لكن حكمته ـ سبحانه وتعالى ـ تقتضي من المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب وفق سنة الله التي لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا، ومن مقتضيات هذه السنة في هذا المقام أن يبادر المسلمون كافة إلى امتلاك ناصية القوة الروحية والمعنوية والمادية بأقصى ما يمكنهم من الإنفاق والجد والاجتهاد لتحقيق سلام الله في الأرض، ليس من أجل المسلمين فحسب ، بل من أجل الناس كافة على اختلاف أجناسهم و لغاتهم و عاداتهم و عقائدهم ، و من أجل كل مخلوقات الله في الكون من حيوان ونبات وجماد أيضا. فالكل قد أصبح مهددا بالدمار الماحق في هذا العالم المفتون، على يد رجل واحد مجنون تقمص كل شخصيات أعداء الإسلام التقليديين وراح يقودهم جميعا إلى حتفهم وهو يتوهم أنه فرعون هذا العصر بلا منازع والمسيح المخلص في آن ! ( الآية 60 ).
الركن الرابع :
بناء على ما سبق ذكره في الركن الأول فإن أعداء الإسلام لا يمكن أن يجنحوا للسلم أبدا، فهم مجبولون على الكذب والخيانة ونقض العهود. ولذلك فإن الله عز وجل ينبه المسلمين إلى أنهم لن يأمنوا مكر الأعداء وشرهم إلا إذا أعدوا لهم القوة التي ترهبهم. ففي هذه الحال فقط يمكن للمسلمين أن يحققوا سلاما عالميا حقيقيا عادلا وشاملا. وهذه مسؤوليتهم العظمى تجاه البشرية كافة لا فكاك لهم منها ؛ وهم سوف يحاسبون عليها إذا ما فرطوا فيها، لأنهم خير أمة أخرجت للناس : ) كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تامرون بالمعروف، و تنهون عن المنكر ، و تؤمنون بالله . ( ) 110 آل عمران ) .فالإيمان لن يتحقق في هذه الأمة إلا بعد قيام أفرادها وشعوبها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق شروطهما المرعية في شريعة الله وما وافقها من الأعراف و القوانين البشرية. وكلاهما يحتاج إلى قوة رهيبة تجعل الناس يرهبون الله عز وجل ويكفون عن ظلم أنفسهم وعن الاعتداء على بعضهم. ( الآية 61 ).
الركن الخامس :
ويختم الله ـ سبحانه وتعالى ـ كلامه الحكيم في محور "الإرهاب" بأعظم بشرى يزفها إلى المؤمنين حيث يؤكد لهم أنهم بعد اكتسابهم لقوة الإرهاب الرادعة، فلن ينجح أعداؤهم أبدا مهما حاولوا أن يخدعوهم، لأن الله قد تكفل بنصر دينه وبنصر المؤمنين به؛ وسوف يبارك التأليف بين قلوبهم ليزدادوا قوة ومنعة، وهو حسبهم ونعم الوكيل. فليحرض بعضهم بعضا على قتال من اعتدى عليهم، ولسوف ينتصرون بإذن الله ،كما انتصر أسلافهم الأبرار رغم قلة أعدادهم وعددهم. ( الآيات 62-65 ).
وإن العارف بالقرآن الكريم وبتاريخ الإسلام إذا تأمل واقع الحال في هذه الأيام التي اشتد فيها التضييق على المسلمين في كل مكان بذرائع واهية، كاتهامهم ظلما وبهتانا بأن إرهابهم حرابة وبأن دينهم مدرسة لتفريخ الحرابيين، سرعان ما يتنبه إلى أن الحال لم تتغير كثيرا إلا في اتجاه ما أراده الله للإسلام من استدراج لأعدائه إلى الغرور بقوتهم الطاغية ،كي يعجل بانهزامهم أمام الإسلام المتنامي مده باطراد في عقر ديارهم بالذات !
فالذين جبلوا على نقض العهود وكراهية الإسلام والحقد على المسلمين بالأمس البعيد هم اليهود المغضوب عليهم الذين تصهين معظمهم اليوم وسولت لهم أنفسهم الخبيثة أن يمتلكوا زمام العالم كله بالقهر والفتك والتدمير والكذب والبهتان. فكأن هذه الآيات الكريمات لم تنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ، وإنما نزلت هذه الأيام. ولست أشك في أن اليهود الحرابيين المتطرفين هم أشد الناس حقدا على هذه الآيات بالذات. ولا أستبعد أن يكون لهم من قريب أو من بعيد دور ما في انتزاع عبارة "ترهبون" من صلب القرآن الكريم انتزاعا ثم تحميلها معنى العنف والتخريب بقصد تحويلها إلى قنبلة شديدة الانفجار قوية التأثير واسعة الانتشار تخرب أول ما تخرب هذه الآيات المحكمات التي تفضح سلوك اليهود وكل من سار على دربهم. كي يتسنى لهم بعد ذلك الانتقال بسـرعة إلى تخريب القرآن كلـه من الداخل. وإذا خرب القرآن فعلى الإسلام والمسلمين السلام ولـ"الشعب الصهيوني المختار" البقاء والدوام! و هيهات أن يتم لهم ذلك، (والله متم نوره و لو كره الكافرون. 8 الصف) ( ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون.8 الأنفال ).
فالإرهاب إذا، رباني المبدإ والغاية، وهو أداة بناء لا أداة تخريب، وهو أدعى إلى تحقيق الأمن والسلام، لا إلى تأجيج نيران الحقد والكراهية والحروب الضارية الظالمة. ونحن - المسلمين - أصحاب رسالة السلام الحقيقي الشامل العادل، على عاتقنا تقع مسؤولية إنقاذ البشرية مما يهددها من دمار ماحق .
)والله غالب على أمره. ولكن أكثر الناس لا يعلمون( [21 يوسف].
على هذا الأساس يجب تصحيح مفهوم الإرهاب في أذهان الناس، وإلا صار الله - سبحانه - "حرابيا" بالمفهوم الأمريكي، وصار كتابه الحكيم القرآن الكريم مدرسة متطرفة لتفريخ "الحرابيين" كما ادعى مراسل (سي.إن.إن C.N.N) عندما كان يقوم بتغطية إعلامية من موقع زيارته لأحد الكتاتيب القرآنية في باكستان! وتبعا لذلك فسوف يصير محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زعيم مؤسس لقاعدة (أسامة بن لادن)، ويصير من حق أمريكا أن تبيد كل أتباعه المسلمين أينما كانوا لتريح العالم منهم وتستريح !
أو ليس الله - سبحانه - هو القائل في ثلاث سور من القرآن الكريم :
1. )وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم، وإياي فارهبون( [40 البقرة].
2. )ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون( [154 الأعراف].
3.) إنما هو إله واحد. فإياي فارهبون( [51 النحل].
فليستفق المسلمون من غفلتهم، وليتنبهوا إلى خطر المفاهيم المحرفة الدخيلة على مصطلحاتهم الأصيلة. وعليهم من الآن فصاعدا ألا يستعملوا مصطلح "الإرهاب" إلا في معناه القرآني الأصيل. أما مصطلح "الترورسم" فليستعملوه كما هو معربا لا مترجما. وإن كان لا بد من ترجمة فإن أقربها إلى مفهومه الغربي الأمريكي هو "الحرابة".
ولا بد من الإشارة بعد هذا إلى أنني لم أعثر في ما رجعت إليه من كتب التفسير على غير المعنى الذي بينت حدوده كما هو ثابت في المفهوم العربي الإسلامي الصحيح. وبهذا أكون قد أعدت الأمر إلى نصابه، ورفعت، بتوفيق الله - سبحانه وتعالى - الالتباس عن مفهوم هذه اللفظة العربية الأصيلة التي حولها تقصيرنا وغفلتنا، وتربص الأعداء بنا إلى مصطلح سياسي مغرض؛ ووضعتها في حدودها القرآنية بتركيز دقيق ليس الغرض منه إلا بيان الحق والذود عن بيضة الإسلام وصيانة القرآن العظيم من عبث العابثين، ولفت انتباه العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء وعامة المسلمين إلى أبعاد الرؤية الإسلامية الصحيحة التي يجب أن ينهلوا منها، كل حسب اختصاصه وحاجته، ما يرضي الله - عز وجل - أداء لأمانة البيان والتبليغ التي أمرنا الله بأدائها، وتوعد من كتم الحق وأحجم عن البيان باللعنة العامة الشاملة :) إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ؛ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا، فأولئك أتوب عليهم ؛ وأنا التواب الرحيم.( [159- 160 البقرة].
بهذا أكون قد أديت أمانة التبليغ و بينت للناس ما اجتهدت قدر طاقتي في تمحيصه و تخليصه؛ و برأت ذمتي من تبعة الكتمان. و الله يعلم أنني ما قمت بهذا الواجب إلا امتثالا لأمره مساهمة في التعجيل بتحقيق سلام إسلامي عالمي شامل و عادل ، لا يضيق ذرعا بعباد الله مهما اختلفت عقائدهم، سواء أكانوا يهودا أم نصارى أم حتى ملحدين. فالله رب العالمين هو الكفيل بمحاسبة الجميع.
حرر هذا البيان بمدينة تازة في المغرب الأقصى ،
فجر يوم الجمعة 01 ذو الحجة 1425 (23 يناير 2004 ).
عن كتابه المخطوط بعنوان: ( حرب المصطلح آخر حروب القرن )
شاعر السلام الإسلامي