ذهبت يوما إلى " البنك " لأسحب نقودا لقريب، و اخترت أن أرتاد جلبابي " الجلابة " ، لم أكن أعرف مكان وكالة البنك و اظطررت لسؤال العديد من الناس ، لم يشفي أحد غليلي عن مكانها و بقيت أتجول في الحي ، إلى أن وقعت على وكالة أخرى لنفس الشركة و لكن متخصصة في السلف ، ذهبت لأسألهم عن مكان وكالتهم ، بمجرد دخولي تعرض لي الحارس و سألني ماذا تريد ؟ أفصحت عن مرادي ، فاجابني بتجهم ، أخرج و اسأل خارجا . استفزني هذا التصرف الغير المؤدب ، لم يكن لدي وقت للتفكير و لطلب لقاء مدير الوكالة لأحتج عليه ، كان يمكنني أن أذهب مرتديا البذلة ، و أقدم نفسي بالفرنسية كدكتور فلان الفلاني قبل أن أتحدث ، لابد أن ذلك سيغير تماما من لهجة هذا الحارس و كان سيجعله أكثر أدبا و احتراما في مقهى و أذكر مكانه لأني أشجع على مقاطعته ، يقع في محاداة وكالة المغرب العربي للأنباء ، جلست مع صحفي مرموق ،و طلبنا ، " براد " ، أجابني النادل بتهكم " ألا تريد أن أحضر لك " السفنج "؟( و السفنج و من لا يعرفه هو ذاك الخبز المغربي المقلي ، التقليدي ، الذي يضرب به المثل أيضا في الغباء لأنه على شكل صفر ...) هذا المقهى لا يقدم إلا القهوة و المشروبات على المزاج الفرنسي و يعتبر تقديما " براد " الشاي تخلفا فضلا عن السنفنج و ما جاورهما ... ما أغبى من يقيم المرء بلباسه و الأحقر و الأغبى من يحتقر ثقافته و زيه التقليدي و نمط حياته قال ابن خلدون رحمه الله مبوبا أحد فصول كتبه : "فصل في أن المغلوب مولوع بالغالب في مأكله و ملبسه و مشربه " أي في أنماط عيشه و لباسه و ليس في أسباب قوته و نهضته و يضيف ابن خلدون : "و ذلك لخلود المغلوب للدعة و الراحة " نعم هذه هي ثقافة الهزيمة ، و هذا هو سلوكها هل في رأيهم قد تخلفنا لأننا فضلنا "أتاي " على " الكابوتشينو" ؟ أو لأن شبابنا لم يحسن رقص "التكتونيك" ، أو لأن تسريحتهم ليست عمودية بما فيه الكفاية ؟ يذكرنا ذلك بلاعبي كرة القدم الذين ظنوا أن تطويل "شعورهم" سيرفع من كفائتهم الكروية إلى مستوى لاعبي البرازيل و إيطاليا ، فكلفهم ذلك طبعا بأن يذهبوا إلى مسرحي الشعر و المزينين قبل كل مباراة كأنهم ذاهبون إلى حفل زفاف ...، و منيوا بهزائم متتالية.... لم تشفع فيها "تسريحاتهم" ... هذه هي ثقافة الهزيمة ، و هؤلاء في ميزان الحضارة هم الأصفار .... إننا سنتقدم حين نصير مع ثقافتنا و ليس ضدها ، حين نرتبط بالأفكار النافعة، بالعلم ، بالعمل ، و ليس بالتفاهات و الأشكال ، ما يضرك أيها الحارس أو النادل أن تلبس الجلابة أو أي لباس تقليدي، و أن تأكل و تحيا كمغربي ، مسلم ، بل ما يضرك أن تحترم فقط ثقافتك ، سننهض حين نركز على القيم و النفع و لا نتحيز ضد ثقافتنا و رموزنا