محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حين نبني للعقوق....
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله و على أله و صحبه
و أنا أمر في حي يعقوب المنصور بالرباط إذا بي أشاهد مشروعا لبناء" دار للعجزة"
هذه أول دار للعجزة على حد علمي في الرباط ،
إشمئزت نفسي من رؤية هذا البناء و تصور مستقبله
حيث سيمتلأ بضعفاء الناس ، عجزة "نفوا " إلى هذه الدار و قد تخلوا عنهم عوائلهم ، ينتظرون مصيرهم
أتخيل إحساسهم داخلها .....
و قد تلقوا الرسالة الواضحة من المجتمع " انتهى دوركم ، لا حاجة لنا بكم ، انتظروا موتكم هنا
أسأل : هل هناك فرق بين دور العجزة و معتقلات النازية؟
معتقلات النازية لمن لا يعرفها كانت تمتلأ بالمعوقين و العجزة و كل فرد غير منتج ،
لأن "تكلفتهم " ستكون أرخص إذا جمعناهم في مكان واحد ، فالمنطق النازي ليس سوى تطورا طبيعيا للمنطق المادي الذي يزن الناس بإنتاجيتهم ، دون أي اعتبار أخلاقي أو ديني أو إنساني
ثم تطور إلى أن حتى بقاءهم أحياء مكلف ، فلما لا قتلهم بالحرق للإستفادة من جثثهم كسماد في الزراعة ، و لما لا إجراء التجارب الطبية و تحقيق كشوف طبية مهمة على حسابهم ، هذا وقع فعلا و حقق فوائد مادية "مهمة" كانت على حساب الخلق و الإنسانية أشياء لم تكن لهم بنفس" الأهمية " ...
إلقاء الإبن لوالديه ، إلقاء المجتمع لكبار السن في دور العجزة ، هو أكبر عقوق و أحقر نكران للجميل ، جريمة جماعية يتحمل مسؤوليتها الجميع ، العائلة التي تفرط في شيخها ، المجتمع الذي يفرط في الضعفاء منه و العاجزين ، الدولة التي تؤسس لهذا و تشيد له و تكرسه كواقع
هل هناك حلول أكثر إنسانية لهؤلاء العجزة الذين تخلوا عنهم ذويهم ؟ طبعا هناك حل ،
و أنا أعرف امرأة كبيرة تقيم في غرفة في عمارة ، لا دخل لها ، ينفق عليها المحسنون و يتناوب على خدمتها سكان العمارة ، فيغسلون ثيابها ، هؤلاء السكان ينوبون عن المجتمع ، و يحسسون المرأة بقيمتها ،و أنا المتأكد أنا تلك المرأة أسعد ألف مرة من نساء دور العجزة .....
و قد كان سيدنا أبو بكر يخدم امرأة عجوز فيذهب كل ليلة ليكنس بيتها و يقضي لها حاجاتها ، حتى و هو خليفة ، فلما لم يجمعها و كل أقرانها في بيت واحد ؟
إذا أرادت الدولة أن تؤدي واجبها تجاه هؤلاء ، فالأحرى أن تجعل لهم راتبا أو معاشا و تقيض لهم من يخدمه
إذا أراد المجتمع أن يؤدي واجبه فالأولى أن يضع هؤلاء في وسطه و يحتضنهم و ليس في الهامش
النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا أن العقوق يبدأ من أن تحد النظر في أبيك ، و أن تعبر بدون كلام ب"أف" عن ضجرك منهما ، أن تعصي أمرهما ،
و لكن المجتمعات المعاصرة ، قطعت أشواطا في العقوق و في الاإنسانية ، هي لا تريد أن تسمع عنهما ، أن تحس بوجودهما ، تريدهم أن ينتهوا و يموتوا بهدوء ، دون ضوضاء ، دون أن يزعجوا انغماسها في الشهوات و أنانيتها ، دون أن يكلفوها
هي مجتمعات تنتحر " أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم "
فلننقذ أنفسنا و نعتني بشيوخنا و نحتضنهم ، فهم مصدر البركة و الرحمة " إنما ترزقون بضعفاءكم "
ألا إن القلب يعتصر و في النفس شجن ، و لا حول و لا قوة إلا بالله
|