محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رسامون إيطاليون بتونس
رسامون إيطاليون بتونس
"الإنسان كون صغير، والكون إنسان كبير"
حسين مصدق
مقتنيات وزارة الثقافة والمجموعات الخاصة من الأعمال الفنية هي في نهاية الأمر الذاكرة الحية لتاريخ الفنون التشكيلية في بلدنا ، والمعرض الاستيعادي الذي قدم حول تجارب الرسامون الايطاليون الذين عاشوا في تونس ، أتاح للكثيرين الاطلاع على تلك الذاكرة والاطلاع عن قرب لنماذج ساهمت في الحركة التشكيلية التونسية ومساندتها ..
والمعرض بحد ذاته حدث فني مميز لتضافر الكثير من الجهد لتجميع كل ذلك العدد من الأعمال تؤرخ لفترات تاريخية ممتدة عبر الزمن ، من القديم إلى الأعمال الحديثة المنجزة في السنوات الأخيرة .الى درجة الاضطرار إلى توزيع مجموع الأعمال على فضائين مختلفين .
المعرض الأول كان في قصر خير الدين بالمدينة العتيقة حيث جمعت أعمال تغطي الفترة التاريخية من نهاية 1890 الى يومنا هذا ، وارتكز هذا التوجه المعتمد على تسلسل تاريخي منطقي واضح الى تقديم تجارب الأمس واليوم في نفس الوقت لتمكين الجمهور من تتبع ذلك التطور الحاصل في تجارب الرسامين الايطاليين الذين ارتبطوا بتونس من خلال الإقامة الدائمة فيها أو حتى القصيرة من خلال الزيارات ، والذين كانت لأجواء تونس ومناخاته صابغة لأعمالهم الفنية مما يعكس تطور النشاط التشكيلي ببلادنا مزامنة مع تطور ما أنجزوا عبر خط زمني تسلسلي . فمن الرسم الكلاسيكي ، إلى ظهور مدرسة تونس إلى مجموعة الستة في ستينات القرن الماضي وصولا إلى الأعمال الحديثة في السنوات الأخيرة ، نلاحظ الوجود المميز والمستمر للفنانين الايطاليين في تونس وتفاعلهم مع ما يستجد من تطور ..
فأسماء كــ " إدوار ريجيرو" و " سيلفانو منتيليوني " لم تساهم في تكوين أجيال من الرسامين التونسيين بكل حب وشغف فقط ، بل طبعت أعمالها الفنية بنظرة من الداخل لتونس ، بلد نشأتهم الأولى، فنقلوا تفاصيلها في معارضهم ، واستمرت تونس معهم طوال مسيرتهم تعطيهم الحب والدفء والسلام ...
" الإنسان كون صغير ، والكون إنسان كبير " بكثير من العمق تنطبق هذه المقولة الفلسفية ذات البعد الذوقي الجمالي الصوفي على ما شاهدناه في هذه التظاهرة التشكيلية الضخمة من خلال تلك المجموعة القيمة من الأعمال التي نفض عنها الغبار بتقديمها للجمهور ، انطبقت تلك المقولة على ذلك الخيط الواصل بين أغلب أعمال الفنانين المعروضة ومن خلال أيضا ما قدمه الكثير منهم طوال مسيرته الفنية في معارضهم خارج تونس ، فنظرة سريعة على تجاربهم تشير بقوة الى ديمومة ذلك المنهج ، فالرسام الايطالي الذي استقر أبدا في تونس انطبعت تفاصيلها في مخيلته وبالتالي انعكس لك ذلك في أعماله وتجربته ، والرسام الايطالي المستقر أبدا في روما او في إحدى مدن ايطاليا الأخرى وتأثر بأجواء تونس من خلال زياراته لها . يعكس بكل عمق ما نذهب إليه في تلك العلاقة بين الإنسان والكون، الكون والإنسان ، حين تتحول جغرافية المشهد البصري في تونس الى خرائط كونية تقدم في معارض في روما وبرلين وباريس ونيويورك بتوقيعات فنانون من ايطاليا . ويجزم كل ناقد فني يذهب مباشرة الى اللوحة ليستنطق أعماقها غاضا بصره على تلك الزاوية التي تحمل عادة توقيع الرسام على ان هذه الأعمال هي جزء من تلك التجارب الأولى في مختلف التفرعات التأسيسية لمدارس الفن التي أرخت للحركة التشكيلية في بلادنا في بداية القرن الماضي..
وعلينا أن نتذكر أننا أمام مجموعة من الأعمال معظم أصحابها قد نهلوا من أصول المدارس الغربية ، حتى أولائك الذين درسوا في كلية الفنون بتونس ، وبالتالي فإننا أمام أعمال لا يمكن ربطها بالتراث البصري العربي الشرقي ، وان ذهبت إلى ذلك في بعض محاولاتها حين طغى استنجاد الرسامين الايطاليين ببعض الاستعارات الثقافية المشرقية التي توحي في الظاهر بالمكان ولكن طغيان الاستعارات الأخرى التي تشير إلى عمق القرابة مع المحترف الايطالي والأوروبي عموما . حين تفضحهم ألوانهم الباردة المنزاحة عن كل لون يدل على ذلك الذوق الشرقي الذي عماده اللون الناري ومكمله اللون الأزرق الزمردي..
في زيارتي لهذا المعرض ، قذف بذاكرتي الى تواريخ قديمة لم أعاصرها ولم أعايش أصلا تفاصيلها، انا ابن الريف التونسي ، القادم الى فضاء المدينة العتيقة بشغف المكتشف الجديد وحب الانتماء الى فضائها الذي مازلت أعتقد دائما أن الريف الذي ترعرعت فيه هو أسوار المدينة الخلفية ، يتأثر غالبا بكل ما يدور فيها ويمتد إلى وجدان أبنائه .. إن سلسلة من الذكريات ، بكل تلوينات الذكرى العاطفية مع الشيء الذي تملك ، بكل مكنونيتها وتأثيرها ، كشيء معيش شخصيا ، كتجسد لعالم خارجك وهو منك : هذا ما أحسست به أمام تلك الأعمال التي نقلت تفاصيل المدينة العتيقة قديما في لحظات سكونها حينا وضوضائها ونشاطها حينا آخر .
وفي المعرض الكثير من الأعمال التي تناولت "البورترية" موضوعا لها، ومن الرسامون من صور لنا وجوها بملامح تونسية ، مرسومة بوضوح حد الكلاسيكية ، السنا هنا أمام فنانون من إيطاليا اين يرتبط اصلا التصوير بالمنهج الكلاسيكي .
ولكن تناول الوجوه الشخصية في تجارب الايطاليون تفاوتت من حيث قيمتها . فنجد تلك الوجوه الجوفاء التي هي في الحقيقة تثبيت للبشرة وملامح وجوه الأشخاص عكس ما يجب ان يكون في التناول الفني والذي يتبناه أتباع هذا المنهج حين يشبهو فن البورترية بالوجوه المنحوته يدويا بعناية حد إظهار " البنى الجوهرية تحت البشرة " .. ليس مصادفة ان نقول هذا الكلام في أعمال المعرض ، بل نشير الى جانب ذلك ان بعض تلك الأعمال ، أعمال البورترية او الوجوه الشخصية، جاءت بقيمة فنية عالية ، ويكفي ان نشير الى عمل للرسام " أنطونيو كوربورا " ( إمرأة شابة ) ، وهو عمل من مقتنيات وزارة الثقافة منجز بتقنية الاكريليك وعمل آخر للرسام " موريزيو فالونزي" منجز سنة 1928 وهو "بورترية" للسيدة "لميا سورلا" وعملين من مجموعة الرسامة " لوكريزيا ستالينو بحري" بتتالي الأسماء " إمراة بقبعة" و "امرأة فاتال" انجزتهما سنة 1972 بتقنية الزيت .
ونحن نتجول بين اعمال الايطاليين ، لا بد أن نقف أمام عملين معاصرين يكملان بعضهما للفنان "ميشال دال أوليو" يقودانك بكل قوة الى مساحات تبدو مجردة حينا وتبدو مشخصة في احيان كثيرة أخرى ، حتى اني وجدت نفسي أتنفس قولا صامتا في حواري للوحتين وموضوع اشتغال الفنان : في زاوية الصورة التي ترسخ الآن في ذاكرتي عند لقائنا الأول هذا ، إشارة موجعة تناديني بكل قوة ، تسيطر على تفكيري ، وتجعلني حبيس شعلتها القاتلة .. في تلك الزاوية سكنتي بقوة ومددتي خيوط أنوارك .. هناك شكلت تفاصيل جمالك الباهر ، حتى أسرتني وجعلتني أموت قبل التمعش والنظر الى زاويتك تلك وقبل أن تمتد يدايا ... ) والأكيد ان الرسام يعرف مسبقا اين سيقذف بالمتلقي الذي يتمعن في عمله ذاك .. وهو ما وقعت في شراكه تحديدا . وحين رجعت اتصفح سيرة الرسام المدونة في كاتالوج المعرض عرفت خلفية هذا الفنان من خلال بحثه وتركيزه على بسيكولوجية الكائن البشري ، مستلهما ردود أفعاله في مجمل أعماله الفنية ..
الرسام " سيلفانو مونتيليوني " قدمت له في هذا المعرض عدد مهم من الأعمال الحديثة في تواريخ انجازها ، ومعاصرة في مضامينها وتقنياتها ، وفي أعماله بحث تشكيلي متواصل وتنوع في المواد المستعملة . ولكن يبقى عمله الانطباعي المسمى " قرية" والمنجز بتقنية الزيت على القماشة الأهم والأكثر نضجا باعتقادنا ، في حين لاحظنا نزوعه في أعمال أخرى إلى تقديم مقترحات تزيينية للصالونات أكثر من أعمال فنية واعية ..
في الحقيقة فإن هذه التظاهرة المعرض التي أتيحت لنا مشاهدتها ، تشير بوضوح إلى تلك العلاقة والوشيجة والجلية ، الخفية المبهمة ، القائمة بين القديم والجديد .. وندعو القاري إلى زيارة هذا المعرض الذي يتواصل الى يوم 15 من هذا الشهر ليكتشف بنفسه ذلك الخيط التسلسلي وعدم التفريط في الاطلاع على تجربة أرشيفية للفن في تونس من خلال منجزات الفنانون الايطاليون الذين أقاموا وتواصلوا مع تونس ..
|