محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شاعر الأرخبيل والأقنعة محمد علي شمس الدين
شاعر الأرخبيل والأقنعة
محمد علي شمس الدين
إعداد / خالد درويش
في هذا الشاعر شيء من المجازفة ، مكثف وصعب لا سيما أنه عرضة لكل الأشراك
وشعرت بأن القصيدة تحمل حساسيات ورياحا جديدة على الشعر العربي ، رغم أنها بطيعة الحال مرتبطة ارتباطا وثيقا بحركات ونزعات وأسماء سابقة يتأتى أننا لا نستطيع أن نفصلها عنها ..
الاسباني / بدرو مارتينيز منتافير
هكذ يقدم الناقد الاسباني بدرو هذا الشاعر ،، إنه محمد علي شمس الدين ابن بلدة بيت ياحون الجنوبية ، احد الشعراء الذين كتبوا الحرب على ورق الحنين، فكانت له رؤاه الخاصة، حيث تخيل في يوم من الايام العبور الاسرائيلي الى الجنوب، كما تخيل دحره وإعادته الى موقعه. اكثر من ذلك وفي قصيدة مبكرة هي.. قصائد مهربة الى (حبيبتي آسيا) المكتوبة في العام 1974 والمنشورة في أول دواوينه ،
في قرية تتاخم شمالي فلسطين، عام 1942ولد شاعرنا ، ودرس الثانوية في بيروت، ثم حصل على إجازة الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1963 ، وبعد ذلك تحول إلى دراسة التاريخ حتى حصل على الماجستير في مادتها ، ثم أستاذ تاريخ الفن في معهد التعليم العالي ، إلى مفتش للضمان الاجتماعي وقبل كل ذلك فهو الشاعر الملتزم الذي يترك في ما يكتب فضاء تعبيرياً له آثاره ومكانته. كتابة تستجيب أكثر من اليومي للعابر والصوفي والتاريخي في نقطة وصل بين الكلاسيكي والحداثي. عصب شعري في بعد معنوي وتاريخي وإطلالة شعرية تستجيب لمعطى اللغة والإحساس العالي حيث يرتفع النص الشعري العالي.
في قصيدة "الطواف حول المنزل" يكتب جزءا من هذه السيرة الشعرية فتستوقفه تلك الخطوات ناحية المنزل حين يقول :
تستوقفني أحيانـًا
وأنا أسرع في خطوي
نحو المنزل
أشجار لا أعرفها
تتقوس نحوي بثمار دانيةٍ
وتناديني
أسأل نفسي
هل للأشجار دم فيجنّ
وللأغصان يد فتلوّح
إذ تلقى ضوء جنبي
وكذلك فإن ما يستوقفه ركن البيت وطفولة وأصوات لا يعرفها ولا يعرف زاوية مرورها بداخله وناحية الضوء كي يسأل نفسه " هل لحجارة هذا البيت فم " في حنين متشوق للبيت ولأحجاره وذاكرة تتعب هذا الشاعر الذي تتعبه الأسئلة يقول :
تستوقفني أحيانًا
وأنا أجلس في بيتي
أصوات لا أعرفها
تأتي من زاوية
لم تكشف للضوء حواشيها
أسأل نفسي :
هل لحجارة هذا البيت فم
يختزن الأصوات ويحييها ؟
هل لنوافذ هذا المنزل ذاكرة
تذكر أرواح محبيها ؟
يصوغ محمد علي شمس الدين هذه الأشعار عن طريق التأمل و تسجيل عوالمه الذاتية المبطنة ويغوص في داخله ليكشف عن تجليات النص واستفزازه باقصى ما يمكن
وفي " قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" التي كتبها في بيروت وفي الجنوب في سنتي 73-74 - يروي لنا ما ستكون عليه حكاية العدوان الإسرائيلي على الجنوب ، وكيف اندحر العدوان فيما بعد حيث يقول :
"وأغادر مملكتي كغزال مطعون أو مغتصب
في الحذر، وأترك أطرافي السفلى تتأكل حين تراودها الصحراء، وتبهرها
أجراس الموت ودائرة الزمن الأولى...
حسنًا ها أنت الآن معي
وأنا أتأرجح فوق مدا رج أشلائي
أترنح تحت مجزرة تتقاسمني
وترن بجمجمتي خوذ الفولاذ أضم يدي
ويضع مفردته الحزينة المثقلة بهموم هذا العدوان وانكساراته حين سقطت خمس قرى وأعين الجنود التي يشبهها بحدقات الطير التي تسلمه للعسكر قبل طلوع الفجر في اشارة إلى المصير الفاجع الذي تعرض له بلدهعلى يد العدو فلا يملك إلا أن يجمع ما تبقى من كرامة ومقاومة ويعلن الفتح .
سقطت في القبلة خمس قرى
حسنـًـا ها أنتِ الآن معي
تترصد ني حد قات الطير وتسلمني للعسكر
قبل طلوع الفجر فأصلب قرب أبي
وأقوم يتوجني الفقراء فأجمع كوكبة
وخيولاً تسرجـها الأطفال فأدخل أرض
الروم وأعلن بدء الفتح وأعلن مملكتي.
محمد علي شمس الدين الذي يستخدم القناع لكي يسرب من خلاله ما يريد شاعر يقول بأنه
شاعر رموز وأقنعة، وليس مباشرًا وشاعر ثنائيات، يحمل الشيء و ضده......في آن واحد .
إن الشعر ذاتي، ويأتي من موضوع، وربما يأتي من الذات، فهو يعوّل جدًا على أساليب التعبير الذاتي ، ولا يكفي الهم الواحد، ولا يكفي التاريخ الواحد لإنتاج شعر واحد. كما يقول ،، الأهمية هي أن هناك تمايزات بين عدد من الشعراء، عاشوا في ظروف متقاربة - مكانية وزمانية وتاريخية، وفي قلب الوجود الواحد، والمغامرات الشعرية اختلفت."
وفي دراسة حديثة كان محمد عيتاني قد أظهر أحد هذه الأساليب للاقتراب من شعر محمد علي مستقصيًا دعامتين من الدعائم الأساسية لقصائد : " الريح والطفل" (ص 14-15).
إنه شاعر القصيدة ، ويستطيع المتلقي ذو الدربة والمران وبعد مطالعة عدد من قصائده أن يجد ملامح أو جوهرية لقصيدته ، يتعرف إلى لغته التي تتبدى في تركيب الصورة وتداخل النص وإيقاعاته و في الخيال المنطلق من تحليقاته . إنها جميعًا تؤلف الأسلوب - هذا الأسلوب الذي نعرف به كتابة طه حسين ونزار قباني ومارون عبود وسعيد عقل وغيرهم...
إن مفاتيح شعر شمس الدين أو (موتيفاته) حددها الشاعر بشيء من الكشف الصحيح وهي : الدم، الطير، النهر... الموت، البحر، الحاجة إلى الميتافيزيقا .
نستمع إليه يخاطبا أمه في حوار حنين وأمومة تغيب في قصيدة " الفراشة " التي كتبها في رثاء أمه في آواخر (نوفمبر 2003) قائلا :
فالسلام على التي ولدت محمد
(وهو نور النور)
واغتسلت ضحى بالماء
فانبعثت على الأشياء صورتها البهية
فهي أول ما يٌرى عند الصباح
وآخر الأحلام عند تشابك الأحياء بالموتى...
وقبل هلاكها
...
دفنتُ أمي
وأهَلْتُ آخر حفنة فوق التراب من التراب
وقلت : ها إني أعود لعلّني
أجد الجميلة تستريح على سرير جمالها
في البيت
حيث تمدُّ نحوي كفّها البيضاء
تسألني معاتبة لماذا غبت يا ولدي؟
وتعلم أنني ما غبت
لكنّ الجميلة دائمًا
ينتابها قلق الغياب
وأنها تنأى
وتبعد حين تقرب
ثم تنأى
ثم تنأى
كي تُرى حُلمًا
وقد أبصرت حلمي......
يتخيل الشاعر صورة أمه وهي تمد نحوه كفها البيضاء ، والأبيض معنى النقاء الملازم لأمه الجميلة حيث يسترسل الشاعر. وينتزع من الماضي صورا رائقة عندما كانت تسأل عنه وعن سبب غيابه. لكنه الآن بعد عودته من مراسيم دفنها، فأمه - من عادتها وبسبب تعلقها بأبنائها - "ينتابها قلق الغياب".
في أعماله الكاملة والتي صدرت عنلا ديوان الشعر العربي المعاصر دار سعاد الصباح سبعة دواوين أخرها " أميرال الطيور " هذه القصيدة التي يهديها إلى عبدالوهاب البياتي حيث يقول له :
تناثر لحم الطيور على شاطئ البحر
فوق الصخور الزبد
وتحت الصخور تنام الثعابين مائية
هكذا ينتهي كل شيء إلى أصله
وشلٌ في فم الأرخبيل . وفي القاع تبكي السفن
" كل ما كان يا صاحبي لم يكن
أمير النوارس أعمى
وفي ساحة الموج تهوي الطيور . ( 649 الأعمال الكاملة .)
إن هذه الأقنعة التي يؤطر بها شمس الدين قصيدته قد تنغلق على الفهم أول الامر لكنها تتماسك حتى اللحظة الأخيرة لكي تقول نفسها وتمرر ما تريد ،، فهو متفائل رغم الأرخبيل ورغم الموت ومفردات كالثعابين ولحم الطيور المتناثر ، وتحت موضوع تحرير الجنوب يجيب عن سؤال أمام عملية التحرير.. ألم يفاجئك تحرير الجنوب؟ فيقول : لقد فاجأني اختصار الزمن. أما الفكرة فقديمة.. جميع أشعاري، حتى تلك التي تتناول الأقنعة، والتراث، والحبّ، وحتى رماد السيجارة، تنطوي على بارقة الأمل، أقول في قصيدة (حديقة مريم):
(... أَخَذَتْ مريمُ غصنَ الشجرةْ
رَسَمَتْ خطينِ لليأسِ وخطاً للأمَلْ
ثم شَقَّتْ صدرها العاري كرمانِ الجَبَلْ
وأشارتْ للدمِ المعقودِ فوق الثمرةْ
إنها تمطر في السرّ وقبل الكائناتْ
في أقاصي مريم المنهمرة.
إنه بالضبط، هذا المطر السري، هو الذي يبلّ الروح في أزمنة القحط واليباب .
وعن هل الشعر ما زال حاجة اجتماعية أم إنسانية، أم انه بات خارج الحاجات والضرورات، وكأنه في طريقه إلى الانقراض؟ يجيب محمد شمس الدين : ـ لحسن الحظ لم يعد الشعر حالة عامة. أهم ما تخلص من الشعر مرض الجمهور، وهذا مرض عجيب. الشعر هو خصوصية الخصوصية للكائن البشري. هو ذات الذات بمعزل عن الحاجات والضرورات الاجتماعية. هو الكلمات التي اذا تم التساؤل فيها فمن الباب الضيق.. بعد الشعر الأيديولوجي ومع الإعلان، وشعر الدعاوى والدعوات السياسية والدينية والاجتماعية، يتركز الشعر أكثر ذاتياً. هذا هو الشعر "كل عمرو هيك". واليوم تركز الموضوع أكثر ذاتياً بسبب التطورات التقنية وسوى ذلك، أخذ التلفزيون دوراً، وأخذت الصحافة دوراً وأخذ المؤرخون دوراً، لم يبق من الشعر سوى الشعر. الشعر هو الفرح في الخيبة، وهو حلم بالتأكيد لكن بتصوري هو الوهم الذي يصنع الحقيقة. أنا من صغر سني شاعر الخسارات، وهناك نقطة عميقة في العدم، تتكتل حولها الكلمات. مثلاً لنفترض أن الذين يأتون إلى هذه البلاد، يأتون من جهتي، من جهة البحر ومن جهة الصحراء. يأتي طفل لنفترض أنه بدم أبيض يكتب ولنفترض أنه يكتب بالحمام، أو كتلميذ بالطبشورة. لكنه يدون فوق اللاشيء هواجسه وموتاه، لا شيء، وأقول في المعارك يدفن الموتى الموتى ولا ينتصر سوى الغبار. في قلبي نكهة من العدمية مبكرة. دعك من الأوطان، أنا كشاعر جنوبي، دعك من الأوطان، دعك من البهجة الظاهرة، الانتصارات وحزن الانكسار، كله يمشي في اتجاه الرماد. أنا شاعر رمادي وشعري رمادي وعن تكونه وتشكيله الشعري يضيف : تشكلت تبعاً لموسيقات متعددة، انتظمت وتبعثرت، في البداية كان لدي إحساس بأنني أقود حصاني في سهل فسيح وأنه بيدي الكلمات، الآلة الوحشية التي أقاتل بها كائنات ظرفية. بالطبع هذا الإحساس الملحمي المتوحش الذي ولد قصائد: "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا". كان يرافقه صنوج وإيقاعات. فجأة وجدت أن ما كنت أنظر إليه أمامي صار خلفي. فلم أعد أستطيع العودة بنفس الهياج. صار يكفيني الالتفات. هذا هو صراعي مع اللغة ومع الإيقاع.
وعن العالمية ومشرع الترجمة وأدونيس يقول محمد شمس الدين : السؤال من هو الشاعر العالمي الواصل إلينا خارج إطار الحداثة العالمية. هل يكفي نجيب محفوظ مثلاً. ماذا نعني بالعالمية، ان يكون الشاعر معروفاً. هل المشكلة هي المعيار، أم الإيصال عبر الترجمات والإعلان. أسئلة كثيرة تطرح اليوم. نحن خارج الإطار المعروف في ترجماتنا خارج إطار محفوظ وأدونيس ومحمود درويش. لا تستطيع أن تقول أننا مقدمون إلى العالم بما يكفي ويليق، لا لنقص في منسوب الإبداع، إذ لدينا شعراء كبار وأسماء وروائيون كبار وقصاصون. كل هذه الفنون لا ضعف فيها. المشكلة من يقدمنا إلى العالم. ثقافتنا لا تحملنا إلى العالم، وإذا لم تحملك ثقافتك إلى العالم فمن يحملك؟ الذين تم حملهم للعالم اختلطت الأسباب معهم السياسية والأسباب الشخصية والمبادرات الشخصية. ما حمل محفوظ إلى العالمية فضلاً عن إبداعه نوع من توافق ومسوغات في جزء منها سياسي (كامب ديفيد). ما حمل درويش (قضية فلسطين) ما حمل أدونيس جهد شخصي وسياسي، بمعنى ان أدونيس ليس بريئاً من السياسة وهو صاحب علاقات عامة واسعة. كل هذا لا يكفي. هو أيضا صاحب مشاريع سياسية قد لا أوافقه (مجلة شعر وحوار)، لكن عنده حيوية ثقافية وسياسية وليس حالة علاقات عامة واسعة وكفى. لكن هو حالة ثقافية وسياسية قديمة. إذاً مسألة العالمية في الشعر مسألة معقدة وأطرافها عديدة.
|